المحتوى الرئيسى

> مفردات وشعارات من وحي حركة الاحتجاجات العربية

03/30 21:21

د. عبدالله المدنيفي خضم حركات الاحتجاجات التي عصفت بالعالم العربي مؤخراً من محيطه إلي خليجه طغت علي المشهد مجموعة من المفردات والهتافات والعبارات والشعارات التي لئن كانت معروفة، فإنها لم تدخل القاموس السياسي العربي من قبل. البداية لم تكن من تونس التي انطلقت منها موجة الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وإنما من مصر التي وهب الله شعبها موهبة إطلاق الطرفة السريعة والنكتة اللماحة وتدبيج الشعارات بمهارة فائقة سواء في السراء أو الضراء فالمصريون مثلا هم أول من استخدموا مفردة «البلطجية» حينما داهمت الجمال والخيول تظاهراتهم في ميدان التحرير بوسط القاهرة فقالوا عن مرتكبيها أنهم من بلطجية النظام الحاكم. والبلطجة لغة: هي فعل يراد به الاستقواء علي الآخرين بالعنف المجسد في الحجارة والهراوات والعصي وما شابهها والبلطجي هو من يعتمد علي ساعده وقوته البدنية لترويع وتهديد خصومه وحشرهم في الزاوية وصولا لانتزاع مكاسب منهم بالقوة وتقابل المفردتين السابقتين في اللغة الإنجليزية «بوليينغ» و«بوليير» علي التوالي. ولعل الكثيرين يتذكرون أنه كا لـ«البلطجة» و«البلطجية» حضورا قويا في مدارس أيام زمان، وربما في مدارس هذه الأيام أيضا، ففي كل صف دراسي في الماضي كان هناك من هو أكبر سناً وأقوي بنية من الآخرين هؤلاء دأبوا علي استغلال مواصفاتهم تلك لترهيب من هم أصغر منهم سناً أو أضعف بدناً وتوجيههم إلي الجهة التي يريدونها بل وانتزاع ما ليس لهم حق فيه تحت طائلة تصيدهم والاستفراد بهم في «الهدة» أي بعد انتهاء الدوام المدرسي والخروج من المدرسة. وعلي المنوال المصري ردد متظاهرو اليمن وليبيا والأردن وسوريا والعراق والبحرين المفردتين المذكورتين للقول بإن هناك من يتربص بهم وأنهم ضحايا لأنظمتهم السياسية المستقوية بـ«البلطجية» أما فيما يخص الشعارات والهتافات التي صاحبت الاحتجاجات والاعتصامات فهي الأخري خرجت ابتداء من مصر لتنتقل إلي غيرها مثل انتقال النار في الهشيم وكان أكثر هذه الشعارات ترديداً وتداولاً هو شعار الشعب يريد اسقاط النظام الذي أضفي عليه الآخرون خارج مصر لمساتهم الخاصة المتفقة مع أوضاعهم المختلفة في ظاهرة كشفت وأقامت الدليل علي مدي اختلاف الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتباين المطالب من قطر عربي إلي آخر ففي ليبيا استبدله أتباع نظام العقيد معمر القذافي بهتاف الشعب يريد بقاء معمر العقيد فيما ردد معارضو العقيد شعار الشعب يريد علاج العقيد أو الشعب يريد تفسير خطاب العقيد وفي العراق هتف المتظاهرون الشعب يريد محاربة الفساد أو الشعب يريد فانوس كهرب وفي اليمن استبدله الموالون للنظام بشعار الشعب يريد استمرار الرئيس وفي سلطنة عمان سمعنا هتافا «الشعب يريد إقصاء الوزراء الفاسدين»، وهو ما استجاب له السلطان قابوس بسرعة قياسية حينما أقال عددا من وزرائه، أما في البحرين فقد ردد المعتصمون في «دوار اللؤلؤة» في بداية الأمر شعار «الشعب يريد إصلاح النظام»، قبل أن يختطف المتشددون والمتطرفون، من أصحاب الجمعيات السياسية غير المرخصة، الدوار ومن به، ويجبرونه لصالح أجندتهم التدميرية المتماهية مع مخططات قوي إقليمية شريرة، ويخرجوا علينا بشعار «الشعب يريد اسقاط النظام»، فيما كان المحتشدون في «جامع الفاتح» بقيادة الشيخ «عبداللطيف المحمود» يرددون بهتاف «الشعب يريد إزالة الدوار» وهو ما تحقق لاحقاً لتزول إلي الأبد من الذاكرة الجمعية البحرينية مشهداً غريباً ودخيلا علي مجتمعات الخليج والجزيرة العربية. وفي موازاة كل هذا أنتجت الأحداث المتسارعة في طول العالم العربي وعرضه ما يمكن تسميته بغابة من الشعارات والقفشات الفكاهية التي تصلح لتكون مادة لمؤلف ضخم في علم الاجتماع السياسي أو دراسة شاملة لسيكولوجية الشعوب العربية، ولعل أطرف ما وقعت عيناي عليه بطاقة مبتكرة من وحي الخطاب المتشنج الأول لحاكم ليبيا، تتضمن دعوة لحضور حفل زواج. تصدرت تلك البطاقة عبارة «لا للعزوبية بعد اليوم.. لا للافتراق بعد الآن.. لا للعودة إلي الوراء.. تقدموا إلي الأمام.. غنوا، افرحوا، ارقصو»، لتتلوها عبارة «فلان الفلاني يدعوكم فردا فردا، دارا دارا، زنقة زنقة، لحضور حفل عقد قران ابنة فلان علي ابنة علان». لا أعلم من ابتكر هذه الطرفة، لكنني أعتقد أنها من بنات أفكار المصريين الذين وجدوا فيما يجري في جارتهم الليبية فرصة للتعليق الساخر، ومنه «إن خيار التنحي بالنسبة للعقيد هو خيار مخلل»، و«إن التليفزيون الليبي يهدد المعارضة بإعادة عرض الخطاب الأول للعقيد عشرات المرات في اليوم إن لم تسارع للاستسلام ورمي السلاح»، و«إن منظمة اليونسكو تطالب بالمحافظة علي حياة العقيد لأنه من الكائنات النادرة»، و«إن الأمم المتحدة تطالب المتظاهرين في ليبيا بالاستسلام، لأن العالم لا يتحمل خطابا آخر من العقيد». ولا يكتمل الحديث دون العودة إلي مفردتي «بلطجة» و«بلطجية» اللتين لم تعدا فقط مجرد وصف أو هتاف يرددهما المحتجون والمتظاهرون العرب ضد خصومهم، وإنما صارا أيضا من ضمن شعارات التخوين التي تترد في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي ضد كل من لا يتفق مع هذه الجهة أو تلك في الرأي والفكر والنهج السياسي، بل تجاوز ذلك إلي استصدار ما سماه أصحابه بـ«قوائم العار» التي ضمت أسماء صحفيين وفنانين وأصحاب أقلام معروفين، كل جرمهم أنهم استخدموا حقهم المشروع في التعبير عن الرأي المخالف لرأي المحتجين، وذلك علي نحو ما حدث في البحرين والكويت، وربما في مصر، بل وأيضا في المملكة العربية السعودية، حيث تعرضت - ولا تزال تتعرض - الروائية والكاتبة «سمر المقرن» إلي حملات تشهير الكترونية ممنهجة من قبل أشخاص معروفين، وآخرين مغمورين، بسبب مواقفها المعلنة ضد القوي والتنظيمات الأجنبية التي لا تريد الخير والسلام، والأمن والاستقرار، والنماء والنهضة لدول منظومة مجلس التعاون الخليجي، ألا يفهم هؤلاء أنهم بهكذا مواقف وأعمال شائنة يسلبون «الديمقراطية» التي ينشدونها ويتشدقون بها أحد أهم أركانها ومفاصلها؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل