المحتوى الرئيسى

سؤالٌ صالح جعلناه فاسداً!بقلم: جواد البشيتي

03/30 19:19

سؤالٌ صالح جعلناه فاسداً! جواد البشيتي بعض الشعوب والمجتمعات يحتاج إلى "إصلاح (سياسي وديمقراطي..)"؛ وبعضها يحتاج إلى "ثورة"؛ فهل أقول "مُكْتَشِفاً" إنَّ بعضاً "ثالثاً" من الشعوب والمجتمعات يحتاج إلى ما هو "أكثر من ثورة"؟! الفَرْق بين "الإصلاح" و"الثورة" إنَّما يشبه الفَرْق بين بناية "قديمة" يمكن "إصلاحها" و"ترميمها"، فتبقى زمناً أطول، أو إلى حين نفاد قابليتها للإصلاح، وبين بناية "أفسدها الزمن (تماماً)"، فاشتدت حاجة الناس إلى هدمها، وبناء وتشييد بناية جديدة في مكانها. والحاكم، أيُّ حاكم، ولو وصل إلى الحكم من طريق انقلاب عسكري، أو من طريق متفرِّعة من طريق الانقلاب العسكري، كأنْ يكون وَرث الحكم من والده قائد هذا الانقلاب، لا يَقْبَل أبداً أنْ يأتي "التغيير (الذي للشعب مصلحة فيه)" من طريق "الثورة (عليه)"؛ فهو، ولو حكم عشرات السنين، يُصوِّر دائماً حكمه على أنَّه "الثورة التي لم تنتهِ، ولا تنتهي". والحاكم، أيُّ حاكم، ولو كان مِمَّن وصلوا إلى الحكم من طريق غير طريق الانقلاب العسكري، يُفضِّل "الإصلاح" طريقاً إلى "التغيير" الذي يَمْنَع "ثورة" تُوْشِك أسباب اشتعالها وانفجارها أنْ تَكْتَمِل؛ فهو عشية الثورة، تقريباً، يَكْتَشِف "الإصلاح"، شعاراً وحلاًّ؛ وكأنَّ "الإصلاح"، في بلادنا العربية، ومن وجهة نظر الحاكم، هو الشرُّ الذي لا بدَّ منه، أو أهون الشرَّين! "ماذا يريد الشعب؟". إجابتي عن هذا السؤال، وحتى الآن، هي ".."؛ والنقطتان هما كناية عن "المجهول"، أو عن "إجابة من فراغٍ لم يُملأ بعد". والسؤال نفسه ("ماذا يريد الشعب؟") قد يكون (أو يصبح) من "الأسئلة الفاسدة"؛ لأنَّه يشتمل (في لغته ومفرداته) على "مسلَّمتين" ليستا بـ "المسلَّمتين"، هما "الشعب" و"الإرادة (أي إرادته)". ونحن العرب، في طريقة تفكيرنا ونَظَرِنا إلى الأمور، اعتدنا أنْ نتَّخِذ مِمَّا يحتاج إلى إثبات دليلَ نفي أو إثبات؛ فإنَّ كثيراً من "المسلَّمات" التي نتسلَّح بها ليست من مفهوم "المسلَّمة" في شيء. إنَّنا، وقبل، ومن أجل، أن نجيب عن سؤال "ماذا يريد الشعب؟"، يتعيَّن علينا أنْ نتأكَّد أوَّلا "وجود الشعب"؛ فإذا كان كل شعب جماعة من الناس فليس كل جماعة من الناس يمكن، أو يجب، وصفها بأنَّها "شعب"؛ فإنَّ للشعب "مفهوماً" لن يختلف (كثيراً) لجهة "عِلْمِيته" عن مفاهيم العِلْم. أمَّا في أمْر "الإرادة"، الذي يتضمَّنه سؤال "ماذا يريد الشعب؟"، فأقول إنَّه أمْرٌ، أو "اكتشاف"، ليس بذي أهمية أنْ يقول المرء إنَّ "الإرادة"، أكانت إرادة فرد أم إرادة جماعة، تَسْبِق، ويجب أنْ تَسْبِق، الفعل والعمل والممارسة؛ فالإنسان، أكان فرداً أم جماعة، "يريد أوَّلاً"، ثمَّ يسعى في تحقيق ما يريد. إنَّ من الأهمية بمكان أنْ نَعْرِف "المحتوى الواقعي (والتاريخي)" لـ "الإرادة"، والسبب الذي يجعل الإنسان (أكان فرداً أم جماعة) يريد هذا، ولا يريد ذاك، في زمان ما، وفي مكان ما. "الشعوب" ليست "مُقدَّسة"؛ و"تأليهها"، أو "تأليه" الحاكم، هما مَرَضان شرقيان (في المقام الأوَّل) حان لها أنْ تَبْرأ منهما. "الشعب يريد.."؛ وإنِّي لأسمعه، فهو يتكلَّم "مُعَبِّراً عمَّا يريد"؛ لكنِّي، وبـ "أُذْن العقل" أسمع "كلام غيره"؛ لكن بلسانه؛ فإنَّ الإرادة التي يُعَبِّر عنها "الشعب" هي إرادة لا أرى فيها شيئاً من المصالح الحقيقية للشعب، وكأنَّ "الشعب" كُتِبَ عليه أنْ يجاهِد في سبيل غيره ضدَّ نفسه؛ فإنَّ فينا (ولقد كاد أنْ يتأصَّل فينا) من "القوى" ما يُعْمي البصر والبصيرة، فنرى في "العِظام (الخالصة من اللحم)" ما يشبه "العظائم"، فنشرع ندافع ونحامي عنها بكل ما أُوتينا من قوَّة (ماهيتها هي عينها ماهية تلك القوى). اتَّحِدوا، فإنَّهم مُتَّحِدون؛ كونوا مِثْلَهُم، فإنَّهم معاً في السرَّاء والضرَّاء؛ إنَّ بينهم ما يجعلهم على قَلْب رَجُلٍ واحد؛ أمَّا أنتم فلا يُفَرِّق بينكم إلاَّ "أولئك المُتَّحِدون"؛ وإنَّ خوفهم من اتِّحادكم هو ما يَحْمِلهم على بَثِّ ونَشْر ما يَجْعَلَكم تَخْشون بعضكم بعضاً، فأنتم إنْ اتَّحدتم لن تخسروا إلاَّ ما ينبغي لكم أن تخسروه، وهو قيودكم، من أجل أنْ تَكْسبوا كل ما يَبْعَثُ "الإنسان" فينا حيَّاً. إذا أنتم أتيتم بهذه "المعجزة"، التي ليست بمعجزة، فإنَّكم، عندئذٍ، ستُعْجِزونهم عن السعي لـ "إصلاح" لا يَصْلُح لكم، ويَصْلُح لهم في جَعْل عبوديتكم "صالحة زمناً أطول". وإذا تضاءل كثيراً حجم تلك الـ "إذا"، فعندئذٍ، يصبح ممكناً أنْ نجعل السؤال الفاسد صالحاً، وأنْ نسأل "ماذا يريد الشعب؟"، وأنْ نجيب عنه، من ثمَّ، بما يُعبِّر عن الإرادة الحقيقية الحرَّة للشعب. إنَّ الشعب لا يريد "تقليصاً" للسلطات والصلاحيات؛ وإنَّما توسيعاً لسلطاته وصلاحياته هو؛ فالشعب إنَّما يريد مزيداً من السلطات والصلاحيات حتى يتمكَّن من حُكْم نفسه عَبْر حكومة برلمانية، كلَّما كَثُرَت سلطاتها وصلاحيتها (التنفيذية) أصبحت عُرْضة للمساءلة والمحاسبة والعزل.. أكثر، فالأمران متِّحِدان اتِّحاداً لا انفصام فيه. السلطات والصلاحيات التي هي قوام "السلطة التنفيذية"، في أيِّ دولة، معروفة وواضحة وجلية؛ وإنَّ الحق في تملُّكها يعود إلى الشعب، الذي لأسباب موضوعية لا يمكنه أنْ يمارسِها مباشَرةُ، فيُخوِّل هيئة (الحكومة) منبثقة من هيئة أوسع منتخَبة انتخاباً شعبياً حُرَّاً (البرلمان) أمْر ممارَستها، على أنْ تَقْتَرِن هذه الممارَسة بالمساءلة والمحاسَبة، وإلاَّ حلَّ الاستبداد. وإنَّ منسوب ما يملكه ويمارسه الشعب من تلك السلطات والصلاحيات هو الذي يجب أن يرتفع في استمرار، فلا فَرْق بين هذا المنسوب ومنسوب الديمقراطية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل