المحتوى الرئيسى

تحديات دعوية قادمة

03/30 16:34

بقلم: أحمد صلاح ما من شك أن الجميع يواجه تحديات على كل المستويات، سواءٌ على المستوى الجماعي أو الفردي، سواءٌ على مستوى حكومة الدولة التي وجدت نفسها مطالبةً بتحقيق إنجازات سنوات في شهور، وإنجازات شهور في ساعات، أو على مستوى الفرد الذي يشعر أن شعورًا وطنيًّا ودينيًّا يطالبه بإنجاز أي شيء يتماشى مع حالة حماس جارف ينبض به قلب مصر، بعد أن دبَّت فيه الحياة من جديد.   وليست الدعوة الإسلامية بعيدةً عن هذا التحدي، فلقد وجدت نفسها قد فُتحت عليها كل الأبواب لترى المستقبل أمامها يطالبها بالكثير والكثير؛ حتى تؤمِّن مستقبل الوطن في مرحلة صعبة وحساسة من تاريخه.   وليس هذا التحدي جديدًا على الدعوة الإسلامية، فلقد وقفت من قبل في وجه الزحف الشيوعي، حتى أعادت للمجتمع توازنه، ثم كافحت من أجل تبصير الناس بقضايا الإسلام في العالم في أول عشرين عامًا من حكم مبارك، فكانت مصباح النور في أعتى عصور الظلام الإعلامي، حتى غزت الفضائيات البيوت، فغطَّى ضوء الحقيقة على كل محاولات الكذب والتضليل.   وفي كل مرحلة ستظل دعوة الله عز وجل هي الفارس الشجاع الذي يرتدي صهوة جواده؛ ليصلح الخلل، ويمد يده للناس، ويصل الليل بالنهار، في خدمة الدين ومصلحة الوطن.   والمرحلة المقبلة مرحلة صعبة تحتاج من الدعاة إلى العمل الكثير والمتواصل ليواجهوا تحديات صعبة، تجاوزها بإذن الله، يعني القفز إلى عالم جديد طالما حلمنا به، وفي يدنا أن نحقق هذا الحلم الآن.   وأرى أن التحديات القادمة تتمثل في: أولاً- نشر آداب الحوار: إذا كنا اتفقنا أن الديمقراطية هي العنصر الفاعل في حياتنا السياسية القادمة، فلا بد قبل أن نتحدث عن ممارستها عبر صناديق الانتخاب، علينا أن نتفق أن ممارسة الشورى تحتاج إلى ثقافة ووعي تدعو الأب والأم إلى كيفية الحوار مع أبنائهما، وتبادل الآراء بينهما دون استخدام تعسفي للسلطة من جانب ولي الأمر، ودون تهديد بالتمرد من جانب الأبناء، تحتاج من مدير المؤسسة أن يستمع إلى آراء موظفيه بإنصات واحترام وتقدير ورغبة حقيقية في تنفيذ الصالح منها، وفق آليات واضحة وسريعة، تحتاج من الناس أن تتعود على أن تتقبل وجهة النظر الأخرى المخالفة لها في الرأي، دون اتهام أو تخوين أو غضب من الطرف الآخر، تحتاج من المجتمع أن يفهم أن طبيعة البشر أن يكونوا مختلفين فيما بينهم، ولكن يجب أن يجمعهم دائمًا الحب والأخوة والهدف المشترك.   ولكي نصل إلى ذلك لا بد أن نتحدث كثيرًا عن معنى الحوار، وآدابه وأدب الاختلاف ومعنى قبول الآخر، عبر محاضرات وبرامج تدريبية للشباب وأولياء الأمور وطلبة المدارس، وأن هذه الثقافة هي ثقافة إسلامية خالصة دعا إليها الإسلام ومارسها الرسول والصحابة وعلماء الإسلام عبر عصور النهضة.   ثانيًا- نشر ثقافة الحرية والعدل: بدون حرية لا يتحقق عدل، والعدل الذي يأتي بدون حرية هو عدل وهمي لا يقنع غير صاحبه، وهو ظلم مقنع سيتحول مع الوقت إلى ظلم واضح وصريح، لذا كانت الحرية والعدالة من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، فبدونهما لا تقوم دولة قوية، وبدونهما لا يكون الإسلام الذي أراده الله هداية للبشر وبشرى للعالمين.   وعندما تأتي الحرية فجأة، تختلط على الناس المعاني، وهنا يأتي دور الدعوة الرشيدة بأن تضع الحدود الفاصلة بين الحرية والفوضى، وأن الحرية لا تنفصل عن المسئولية، وأن المسئولية لا تأتي إلا بالوعي والثقافة اللذين يعرفان حدود الآخرين وحقوقهما؛ للمحافظة عليها وعدم انتهاكها، سواء كانت حقوق أفراد أو حقوق وطن.   أما العدل فيكفيه عظمةً وإجلالاً أنه اسم من أسماء الله الحسنى، وهو المقصد الأعلى لشريعة الله؛ لذا سيرى الجميع العدل عندما يتحقق بصورته المثالية الإلهية يوم حساب البشر، يوم لا يظلم فيه الإنسان- أي إنسان- مثقال ذرة.   والعدل هو الذي يبني المجتمع ويقويه ويحميه وينهض به، والدعوة إلى إقامة العدل لا تعني مطالبة المسئولين فقط بالحفاظ على الحقوق وعدم الظلم، بل يعني أيضًا مطالبة الناس بمراقبة المسئولين والمطالبة بحقوقهم والوقوف إلى جانب المظلومين، ويعني أيضًا قدرتهم على ممارسة العدل في أسرهم مع أزواجهم وأبنائهم، ولقد أثبتت الثورة أن الناس هي الطرف الأقوى في إقامة العدل، عندما تنبهت من غفلتها وحاسبت المسئولين حسابًا عسيرًا، فسقطت راية الظلم وارتفعت راية العدل.   ثالثًا- التقارب بين التيارات المختلفة: نجحت الثورة في هدفها؛ لأن الجميع اتفق على هدف واحد، وفي سبيل هذا الهدف ذابت الخلافات ووقف الكل مع الكل، رغم الخلافات الفكرية والقوية والعميقة بين تيارات دينية وسياسية متعددة، فكانت لحظة مثالية مبهرة حققت حلمًا كان أقرب إلى الخيال.   ولكن مع مرور الوقت بدأت تظهر الخلافات على السطح من جديد.. وليس هذا الذي يدعو إلى القلق، ولكن المقلق هو أن الذي اتبع هذه الخلافات اتهامات متبادلة، وهو ما يعني أننا بدأنا نفترق على طريق البناء الذي تشاركنا جميعًا في أن نصل إلى بدايته، وإذا كانت هذه الخلافات تشتد الآن بين التيارات السياسية والدينية، فالخوف أن تمتد إلى التيارات الدينية- الدينية، بعد أن شاهدنا حالة توافق وتواصل جميل بين هذه التيارات، والحل أن يتم التقارب بين هذه التيارات بتحقيق الآتي: 1- البحث عن نقاط الاتفاق والمساحات المشتركة للعمل وتفعيل هذه المساحات. 2- البعد عن نقاط الاختلاف. 3- إذا تم الاتفاق على النقاش في نقطة خلافية فلا بأس، على أن يتم ذلك في إطار من أدب الحوار والحب والأخوة وتقبل الآخر. 4- أن نتفق على تطبيق القاعدة الجميلة: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه. 5- الاتفاق على هدف أسمى وهو نهضة هذا الوطن ورفعته بما يقتضي تغليب مصالحه على مصالح الكيانات والأحزاب.   رابعًا- قيادة المجتمع: شرائح كثيرة من المجتمع على استعداد كبير أن تفعل شيئًا، ولكنها لا تعرف ماذا هذا الشيء، الناس تريد أن تحل مشاكلها، أن ترى مجتمعًا أفضل لها ولأبنائها، ولكنها تحتاج إلى قيادة توجهها وتأخذ بيدها نحو مستقبل أفضل، مع ملاحظة أن الناس لا تريد كلامًا، الناس تريد أفعالاً وإنجازات على أرض الواقع يشعرها أن هناك خطوات إيجابية تتحقق بالفعل، وأن الدعاة قادرون على تنفيذ ما يقولون بعد أن زالت العوائق أمامهم.   خامسًا- إزالة اللبس عن بعض مفاهيم الإسلام: البعض لا يفهم وجهة نظر الإسلام في قيادة شئون الدولة وفلسفته في حل مشاكل المجتمع، والبعض يخاف من وجهة نظر الإسلام في التعامل مع المخالفين والمعارضين لأصحاب التيار الإسلامي، والبعض يحتاج إلى معرفة رؤية الإسلام في التعامل مع أصحاب العقائد الأخرى، والبعض يريد أن يعرف هل معنى الحكم بالإسلام أن الإسلام يدعو إلى فرض قيمه وأحكامه على الناس أم لا، البعض يريد أن يفهم ما معنى دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، البعض يريد أن يفهم ما معنى أن الأمة مصدر السلطات في ظل حكم إسلامي.   هناك تخوف من كلمة أن يحكم دين الله البشر، مصدره سنوات طويلة من استخدام أنظمة الاستبداد الإسلام نفسه- وليس الإسلاميين- كفزاعة للشعوب، ومصدره عدم المعرفة الحقيقة بدين الإسلام العظيم.   نحن نحتاج أن نقوى معرفة الناس بالإسلام الوسطى، ونظهره في وسائل عملية ملموسة أمام الناس وليس بالكلام فقط.   سادسًا- دعوة الناس إلى العمل والبناء: على الدعاة أن يحفزوا الناس للعمل ودفع عجلة الإنتاج، وأن سلوكيات الإهمال والتكاسل يجب أن تنتهي، وأنه إذا كنا أصبحنا قادرين على انتخاب حكومتنا وحكامنا ورؤسائنا، فهذا يعني أننا شركاء معهم في بناء الوطن أمام الله، وسيحاسبنا الله من الآن فصاعدًا على كل تقصير في دورنا نحوه، إننا نحتاج إلى تفعيل مجموعة من القيم اللازمة للنهضة، قيم قادرة على أن تطرد قيم الأنانية والأنامالية والكسل والدعة إلى العمل بحماس وحب وإخلاص وتعبد لله، وهو موضوع ربما ستتناوله في مقال لاحق بإذن الله.   أرى أن ما سبق يمثل تحديًا للدعاة، وهم قادرون بإذن الله على تحقيقه، وساعتها سنكون على أبواب جيل جديد، نتمناه لوطن عظيم ودين أعظم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل