المحتوى الرئيسى

ثورة يناير وكرامة الإنسان المصري بقلم:عبد العال الباقوري

03/30 20:19

عبد العال الباقوري هل أصبحت ثورة 25 يناير في حاجة للدفاع عنها. وبهذه السرعة انتقلت الثورة من الهجوم إلى الدفاع؟!.. إن هذا ما يريده ويدعو إليه بعض حضرات السادة الزملاء المحترمين مستخدمين في ذلك تعبيرات ملتوية وكلمات معوجة تخلط السم بالعسل، ولكنها لن تنطلي بكل تأكيد على الشباب الثائر الذي فجر الثورة، ولا على قادة الجيش درع مصر ورمحها الذي حمى الثورة. لقد مر اليوم على يوم الثورة 25 يناير حوالي شهر ونصف الشهر، وهي فترة تعتبر لحظة، مجرد لحظة، في تاريخ الثورات في العالم، فما جرى ويجري منذ 25 كانون الأول (يناير) هو من طبائع الأمور، حيث إننا نشهد قديماً يموت وجديداً لم يكتمل ميلاده بعد. إن عملية الانتقال يختلف مداها الزمني من ثورة إلى ثورة، ومن بلد إلى بلد، ودون أن نذهب بعيدا نعود إلى ثورتنا الشعبية في 1919 ونفتح ملفاتها، لنجد أن المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي كتب «في أعقاب الثورة المصرية» في ثلاثة أجزاء، حيث رصد الأحداث والوقائع ابتداء من نيسان (أبريل) 1921 إلى 1951، ما يعني أن الثورة امتدت حوالي عامين، أما «أعقابها» فقد امتدت ثلاثة عقود كاملة، ولذلك فإنه ضرب من الوهم أن يحاول البعض إرجاع الساعة إلى الوراء بكلمات لولبية وبعبارات مائعة، إن القديم قد سقط ولن يعود، وحتى لو عاد أو أعيد فإنه سيكون خلقا آخر، ولذلك فإن التغني بالثورة ثم النيل منها في الوقت نفسه عمل أخرق، إن النهج الصحيح هنا أن نعرف ما الذي أراده الثوار وكيف ومتى يتم إنجازه والوصول إليه؟!.. وهي عملية تتضمن في الوقت نفسه إزالة العثرات من طريقها كي تتدفق مياهها وصولا إلى أهدافها، وإذا كانت ثورة يوليو المجيدة قد صاغت أهدافها الستة بعد قيامها، فإن الشعار الذي رفعه ثوار يناير يغطي مرحلة كاملة لتحقيقه وهو شعار: «عيش حرية كرامة إنسانية».. هل وقف أحد أمام هذا الشعار الهدف خاصة ركنه الثالث «كرامة إنسانية».. فماذا تعني الكرامة هنا ولماذا هي إنسانية وليست وطنية؟!.. لا شك عندي أن هذه الصياغة لم تأت عبثا، فالتعبير المعتاد وهو «كرامة وطنية»، أما «كرامة إنسانية» فتعبير لا يصوغه إلا من يضع في خلفيته الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية الأخرى حول هذه الحقوق التي يريد من صك الشعار ووافق عليه أن تكون هي الحقوق نفسها التي يتمتع بها المواطن المصري كي يعيش الحياة اللائقة به، والتي يتمتع بها الناس في البلاد الأخرى.. هل هذا التفسير يحاول أن يضفي على الشعار ما لم يخطر على بال أصحابه الذين صاغوه. ورفعوه. وطالبوا به؟!.. ليس الأمر كذلك، ومن يراجع البيانات المختلفة التي أصدرها ثوار يناير إلى اليوم سيجد هذا التفسير ماثلا أمامهم بوضوح، ولعل هذا ما دفعهم إلى رفع مطلب إلغاء جهاز أمن الدولة وليس إعادة بنائه أو إعادة تحديد اختصاصاته، وهنا فقد تكون خطوة اقتحام مقار هذا الجهاز خطوة مرتبة من قبل. خاصة أن بعض هؤلاء الثوار سبق أن عاشوا تجربة التعامل مع العاملين في هذا الجهاز، وعرفوا بعض ما كان يجري في داخل هذه المقار التي تحولت إلى «سلخانات» بشرية، حيث من يدخلها مفقود ومن يخرج منها مولود، فمن يدخلها يجد أشكالا وألوانا من التعذيب تفوقت على كل ما عرفته بلادنا منها من قبل، علما بأن ظاهرة التعذيب ظاهرة تاريخية معروفة عالميا منذ القدم، وقد شهدت مصر خاصة في ظل المماليك أياما سوداء. وفي عصرنا الحاضر فإن أكثر من ثلثي دول العالم لا تزال تمارس التعذيب بطريقة أو أخرى.. ومن المعروف أن ملفات التعذيب في بلادنا فتحت بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967 بالنسبة لجهاز المخابرات العامة. حين كان تحت قيادة صلاح نصر، ولكن ما أن رحل الزعيم جمال عبد الناصر حتى شهدنا حملة مخططة تحاول أن تجعل عصره كله عصر تعذيب في تعذيب، وتسابق في هذا أهل اليمين وأهل اليسار، ووصل الأمر بإحدى سيدات الأخوات المسلمات إلى الزعم بأن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر كانا يجلسان في شرفة في السجن الحربي كي يشاهدا فنون التعذيب.. أما كتاب «البوابة السوداء» الذي كتبه السيد أحمد رائف، فإنه يجعل المرء يكره الدنيا وما فيها. ليس هنا مجال الخوض في ذلك تفصيلا، وليس ثمة مجال لإنكار جرائم ارتكبت، خاصة أني لا أقبل أي مساس بكرامة الإنسان سواء باليد أو باللسان، فما بالنا وأجهزة الأمن في العالم تفننت كثيرا في كيفية تعذيب الإنسان وتزايدت أخطار هذا في السنوات الأخيرة في ظل ما يسمى «الحرب ضد الإرهاب»، وهي حرب اختلط فيها الحابل بالنابل وكان لنا من هذا نصيب، حيث ارتفعت وتيرة التعذيب بشكل لم نعهده من قبل، على الرغم من أن هذه السنوات نفسها شهدت أيضا اهتماما عالميا واسعا لمكافحة هذه الظاهرة، ففي عام 1984 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على «اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة».. وقد عرَّفت الاتفاقية التعذيب بأنه: «أي عمل ينتج منه ألم أو عذاب شديد جسديا كان أم عقليا يلحق بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه، أو يوافق عليه، أو يسكت عنه موظف رسمي أو شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية». وبصفة عامة، فإن كلمة تعذيب تعني عادة التسبب في ألم من أجل كسر إرادة أو معنويات الضحية أو الضحايا.. إنه ترهيب شخص لسبب من الأسباب، سواء لمنعه من القيام بعمل ما، أو لإجباره على القيام بعمل ما، أو لانتزاع معلومات، أو الحصول على إفادات مزورة من أجل الدعاية أو لأغراض سياسية، أو في سبيل الانتقام أو العقوبة أو لمجرد النزعة السادية، أي نزعة تعذيب الآخرين. وعادة فإن من يمارس التعذيب يصاب بالسادية بدرجة أو أخرى، أي أنه شخص غير طبيعي. وإذا كان التعذيب قد زاد وانتشر منذ بداية تسعينيات القرن الماضي بشكل خاص، فإن هذه الفترة شهدت قيام منظمات المجتمع المدني التي حاولت صده ودفع أذاه عن المواطنين. فإلى جانب المنظمة المصرية لحقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان ، نشأ في 1993 مركز العلاج والتأهيل النفسي لضحايا التعذيب «مركز النديم»، والجمعية المصرية لمناهضة التعذيب. بل إن المجلس القومي لحقوق الإنسان وهو مجلس شبه حكومي لم يستطع أن يكتم معارضته لاستمرار التعذيب في أماكن الاحتجاز المختلفة، وطالب في أحد تقاريره وزير الداخلية بعدم التستر على جرائم التعذيب الموجودة في أقسام الشرطة، وفي أماكن الاحتجاز والسجون السرية ، وطالب باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمحاسبة مرتكبي هذه الجريمة من الضباط وأمناء الشرطة للحد من جرائم التعذيب وبالتحقيق الفوري من قبل النيابة العامة في البلاغات المقدمة من المواطنين والمنظمات في شكاوي التعذيب. ومنذ 1990 قررت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في أحد تقاريرها أن إساءة معاملة المواطنين في أقسام الشرطة والتعذيب «صارت عملا روتينيا»، وقد اتفقت منظمات حقوق الإنسان المختلفة على أن التعذيب استشرى في مصر بعد توقيعها الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب. إذ أصبح النظام القانوني مشلولا كلية عن ملاحقة ومعاقبة مرتكبي جرائم التعذيب. خاصة إذا كان الضحايا من المشتبه فيهم سياسيا «إسلام سياسي، إرهاب، شيوعيين، ناصريين.. إلخ»، وذلك طبقا لبلاغ أصدرته المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1993، ومنذ ذلك العام ازداد الطين بلة، ولذلك أصبحت مصر عرضة للإدانة سنويا من جانب لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة. وكل ما سبق حبر على ورق. ولكنه ينبض بالحياة أو يفقد الحياة بمعنى أصح في السجون ومعسكرات الأمن المركزي وأقسام الشرطة ومقار جهاز أمن الدولة، في هذه الأماكن يكاد من يدخلها أن يفقد إنسانيته. ولعل هذا ما استفاضت الصحافة اليومية في ذكره ونشره منذ جرى اقتحام المواطنين لبعض هذه المقار التي كانت في أغلبها أشبه بمسالخ بشرية رآها وبحث عنها من مروا بتجربتها، وتجرعوا كؤوسها المرة بألوان من التعذيب التي يذكر منها الطب الشرعي: أساليب روتينية كالصفع على الوجه، والضرب بالسيور الجلدية، والتعليق بمصاحبة الضرب «الفلقة» أو تعليق الضحية مثل الذبيحة، والضرب بأجسام صلبة، والصعق بالكهرباء، والاعتداء الجنسي.. إلى جانب الحرق بطرف سيجارة مشتعل ونزع الأظافر، وتهديد من يتعرض للتعذيب بممارسة الجنس أمام عينيه في زوجته أو أخته!!.. وغير ذلك من أشكال التعذيب التي أصبحت تجد من يتفنن في اختراعها وفي إلحاق الأذى بالآخرين بعد احتجازهم في أماكن مغلقة بعضها تحت الأرض!!.. وفي مساحة لا تزيد على متر بمتر طولا وعرضا. من هنا انفجر بركان غضب طلائع ثورة يناير من الشباب ضد جهاز أمن الدولة ومقاره، باعتبار الجهاز وما يجري فيه إخلالا «بالكرامة الإنسانية» للإنسان المصري، تأسيسا على أن من عذَّب شخصا كأنما عذَّب الناس جميعا. ومن هنا أيضا كانت الصرخة، الدعوة إلى إلغاء جهاز أمن الدولة. وهي صرخة دعوة رد فعل لما ارتكبه عاملون، ليس كل العاملين بالطبع في هذا الجهاز ضد الإنسان المصري، من حيث هو إنسان وبصرف النظر عن دينه أو فكره أو اتجاهه السياسي، فالدفاع هنا دفاع شامل عن الإنسان من حيث هو إنسان وكفى. ومن المؤكد أن هذه لن تكون صرخة في برية، بل ستكون لها أصداء ونتائج، بحيث يعاد جهاز أمن الدولة بعد أن تحدد اختصاصاته تحديدا دقيقا، ويوضع تحت إشراف قضائي، ولا يكون من حقه إنشاء أماكن للاحتجاز سرية أو علنية. وبذلك تضع ثورة يناير بداية جديدة وتضع حدا لانتهاك حقوق الإنسان وتضمن له حقوقه كاملة في ألا يتعرض للأذى أو التعذيب ولو بمجرد الصفع على الوجه، أو القفا، أو النيل من كرامته بسب أمه أو أبيه. ولو أن ثورة 25 يناير لم تفعل شيئا سوى أنها نبهت إلى ضرورة وقف جرائم التعذيب في بلادنا، فإن هذا يكفيها، فما بالنا وهي تخلصنا من ميراث ثقيل لحكم تسلطي استمر ثلاثة عقود وكدنا نفقد الأمل في الخروج من قبضته التي كادت تخنقنا، أو هي قد خنقتنا بالفعل، فإذا الخامس والعشرون من يناير يعيد لنا الروح ونسترد أنفاسنا لنتنفس بكرامة واعتداد. «ارفع رأسك فوق أنت مصري»، وعلينا أن نتعاهد جميعا على الوفاء لثورة يناير بالاتفاق على ألا نسمح لأحد بعد اليوم أيا كان شأنه بأن يعذب مصريا ولو بكلمة نابية، وإنا لفاعلون.. واسلمي يا مصر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل