المحتوى الرئيسى
worldcup2018

> «القوي الشيطانية» عن الإيمان الذي يغلب الشيطان

03/29 21:19

ما الذي يجعل فيلم «The Rite» أو كما عرض تجارياً في الصالات المصرية تحت عنوان «القوي الشيطانية» عملاً مختلفاً عن الأفلام التي تتحدث عن الشياطين التي تتلبس البشر سواء كانت عن روايات خيالية أو واقعية، الإجابة: ما يجعل الفيلم الذي قام ببطولته «انتوني هوبكنز» وأخرجه «ميكايل هفستروم» مختلفاً.. هو أنه يوسع الدائرة ليناقش علاقة الإنسان بالله، وعلاقة الإنسان بالشيطان من منظور ديني ومن منظور فلسفي أيضاً. الفيلم لا يتحدث عن طرد الشياطين من أجساد البشر بقدر ما يتحدث عن فكرة الإيمان وإذا كان ديستوفسكي يضع علي لسان أحد أبطال «الإخوة كرامازوف» العبارة الشهيرة التي تقول: إذا لم يكن الله موجوداً فكل شيء مباح، فإن فيلم القوي الشيطانية يقول إن أول خطوة في معركتنا مع الشيطان أن نعترف بأنه موجود، فإذا أنكرنا وجوده لن نستطيع أن نهزمه أبداً، إيماننا بوجود الشيطان جزء لا يتجزأ من إيماننا بوجود الله، فكل ما نعرفه عن الشر المحض (الشيطان) عرفناه في الكتب السماوية من الخير المحض (الله)، أما كيف يتم هزيمة الشيطان.. فهي موضوع الحكاية المبنية علي قصص واقعية بطلها رجل الدين «لوكاس تريفانت» الذي سيتولي تدريب رجل دين شاب هو «مايكل كوفاك» علي طرد الأرواح والشياطين من أجساد ضحاياه من البشر. لكن معركة «لوكاس» العجوز وتلميذه الشاب «مايكل» (وهما شخصيتان حقيقيتان يحترفان مهنة طرد الشياطين الأول في إيطاليا والثاني في أمريكا) ليست فقط ضد الشيطان، ودائماً ضد ضعفهما البشري، مايكل تحديداً لا يؤمن أصلاً بوجود الشيطان، هناك خطايا ولكن - في رأيه - لا يستلزم ذلك بالضرورة أن يكون الشيطان سبباً لدفعنا لارتكابها، والسيناريو الذي كتبه «ميكايل بتروني» يسير في طريقين: قس عجوز يعيش في ايطاليا يؤمن بالشيطان ويحاول مطاردته، وقس شاب لا يؤمن بالشيطان جاء من أمريكا إلي إيطاليا ليكتشف ويواجه فكرة الشر وقد تجسدت أمامه، سيلتقي الاثنان، وسيتجادلان عقلياً ودينياً وعملياً حول فكرة الشيطان، ولن يتم حل الاشتباك إلا عندما يؤمن القس الشاب بوجود الشيطان ليكتشف أن هذا الإيمان يجعله أقرب إلي الله، لأنك إذا عرفت الشر المجسد، احتجت أكثر إلي طلب العون من الخير المطلق، وهكذا تتم التجربة أوالاختبار بالمعني المسيحي داخل القس الشاب من الشك إلي الإيمان، ونشاهد التجربة أيضاً عملياً من خلال حالات تتلبسها الشياطين، وكأن السيناريو يحاول أن يمنطق ويفلسف مغزي حرفة طرد الشياطين التي يجيدها 14 قساً في الولايات المتحدة - كما تخبرنا بذلك عناوين النهاية! هناك شخصيتان هما محور الأحداث: القس الشاب «مايكل» (كولين أودونوف) الذي عمل حانوتياً مع والده، ثم التحق بكلية اللاهوت، ولكن قبل رسامته كقس تسلل الشك إلي قلبه، فقرر الاستقالة من عمله كرجل دين، إذ كيف يمكن لمن تسلل إلي قلبه الشك أن يدعم إيمان رعيته، ولكن استاذه الذي طالما توسم فيه مشروع قس كبير، يصر علي التمسك به، ويساومه بأن الاستقالة ستجعله مجبراً علي رد آلاف الدولارات أنفقت عليه، ثم ينصحه بالسفر إلي الفاتيكان للاشتراك في دورة خاصة لتدريب القساوسة والراهبات علي طرد الشياطين، ويبدو لنا أن مايكل يوافق من باب الفضول وليس من باب الاقتناع. في الفاتيكان، سيتلقي الأفكار العامة عن هذه المهنة، الفكرة الأساسية هي وجود الشيطان ورغبته في تعذيب الإنسان وتدميره، والحالات المختارة لابد أن تكون قد فقدت الأمل في أي علاج نفسي، أما سمات الأشخاص الملبوسين فأبرزها اللامبالاة والاستجابة السلبية لآيات الإنجيل، وارتعاش اليدين، أما العلاج فهو قراءة الصلوات، ومحاولة معرفة اسم الشيطان الذي يسكن الجسد، ولأن «مايكل» لا يتوقف عن الجدل والتشكك في وجود الشيطان نفسه، فإن الحل الذي يغير حياته أن ينزل للتدريب العملي مع القس «لوكاس تريفانت» (انتوني هوبكنز) في قرية صغيرة بالقرب من مدينة «فلورنسا» الشهيرة. الحقيقة أن السيناريو لا يقدم الكثير من ماضي «لوكاس» ولا نعرف عنه سوي أنه «طبيب سابق»، وأنه نجح في إشفاء بعض الحالات، ولكنه فقد أيضاًَ بعض الحالات أثناء العلاج، بل إن «لو كاس» يتحدث عن تشككه فيما يفعل في بعض الأوقات، سيحاول القس العجوز أولاً اقناع «مايكل» بوجود الشيطان، إذ كيف سيهزم مخلوقاً لا وجود له، وسيصر «مايكل» علي أن الحالات التي رآها مريضة نفسياً رغم مظهرها الغريب بالحديث بلغة لا تعرفها وبصوت مرعب، وسنشاهد حالتين إحداهما لفتاة صغيرة اغتصبها والدها وحملت منه وتلبستها روح شيطانية، والثانية لطفل صغير يظهر له بغل أحمر العينين ويطلب منه أن ينتحر، ومع دخول «آنجلينا» (آليس براجا) وهي صحفية تريد أن تعرف حقيقة مهنة طاردي الشياطين، تكتسب الأحداث قوة دفع بحيث تختلط الإثارة والرعب بالمناقشات الدينية والفلسفية.أحد مفاتيح الفيلم الأساسية هو علاقة «مايكل» بأمه التي ماتتت وشاهد والدها «الحانوتي» يعد جثتها للدفن، الأم التي كانت تقول إن يد الله تلمسها هي التي دفعت الابن لكي يحلم بأن يكون رجل دين لكي تلمسه يد الله، مهنة الحانوتي تؤدي أيضاً دوراً مهماً في تشكيل رؤية «مايكل»، لأنها تضعه أمام إحدي حقائق الحياة الأساسية وجهاً لوجه، الموت هو أيضاً إحدي القضايا الدينية الكبري التي أخبرنا الله بأنها لحظة عبور وانتقال، ولذلك سنري «مايكل» وهو يقوم في بداية الفيلم بتجميل الجثث وتزيينها وإلباسها أفخر الثياب كأنها مازالت علي قيد الحياة، «مايكل» إذن يؤمن بالموت ولكنه يتشكك في وجود الشيطان، وعندما ينتقل الشيطان إلي جسد «لوكاس» سيكون علي مايكل أن يواجه شكوكه، وسيؤدي اعترافه بوجود الشيطان إلي إيمانه أكثر بوجود الله، لأن الإنسان لن يستطيع بمفرده مواجهة كل هذا الشر الكامن، وفي اللحظة التي ينجح «مايكل» في «إنقاذ استاذه لوكاس من الشيطان، يكون القس الشاب قد انقذ نفسه من الشك الذي زرعه الشيطان بداخله. الفيلم كما ذكرت مأخوذ من حياة «مايكل كوفاك» وحياة «لوكاس تريفانت»، لا أعتقد أنه يهم كثيراً أن تصدق بأن ما شاهدناه علي الشاشة قد حدث بالفعل، هدف الفيلم أبعد من ذلك بكثير.. الهدف أن نؤمن بوجود الشر، وأن نؤمن بأننا لا نستطيع أن نواجهه إلا بالعودة والاستعانة بالخير المطلق، الهدف أن نؤمن أن نصف الإيمان لا يكفي، وأن السير إلي منتصف الطريق لا ينفع، وأن إنكاز وجود الشر لن تحمينا منه، ثم إن الفيلم يتساءل عن معني اليقين ومعني الشك وعن علاقاتنا بالله وبالشيطان، وفي كل اتجاه يختلط الدين بالفلسفة، والخيال بالحقيقة، والخير بالشر. نجح المخرج «ميكايل هفستردوم» في تقديم عمل مشوق ومتماسك لا يخلو من التشويق ومن توابل هذه النوعية من الأفلام، مضافاً إليها مساجلات فلسفية وحوارات ذكية، كان من اللافت طوال الوقت وضع الكاميرا خلف شخصياته بصورة متكررة كأن عيناً تراقبهم، الحقيقة أنك عندما تضع الكاميرا وراء الأبطال فكأنك تضعها بالضبط خلف المتفرج، مما يزيد من توتره، «انتوني هوبكنز» يؤدي باقتدار حالتين: قس طيب مؤمن يعالج ويشفي، وقس تلبسه الشيطان ويعاني من الألم والعذاب، ويقف أمامه طوال الوقت ممثل موهوب وراسخ له حضور هو «كولين أودونوف» في دور «مايكل» مع تميز خاص للممثلة «مارتا جاستيني» في دور الفتاة الملبوسة الحامل «روزاريا»!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل