المحتوى الرئيسى

الاسرى والسجن والسجان بقلم:آمال أبو خديجة

03/29 18:19

الاسرى والسجن والسجان تتسابق الأيام واللحظات بين الليل والنهار، وتشرق شمس وتغيب، ويطلع فجر ويحين المساء، والانتظار يطول لتفتح ستائر النور، تٌعد الأنفاس كأنها السنون، وتمضي الليلة بعد الليلة، كأن الليل لا ينجلي، وتحصى الأيام ولا تنتهي، ومن هناك من وراء قضبان السجان المسودة، وذاك السور المرتفع والملتف من حول الأعناق، فلا تجد فيه ثقباً، لتُقرب العين طرفاً لرؤية حياة، ومن وراء أبواب مصفحة، ليست لأبراج ترتفع إلى السماء، وليست بيوتاً ومساكن، قد اتسع محيطها، بل هي أبنية قد أهلكها الزمان، وشهدت جدرانها على كل من قبع فيها، أنها زنازين الموت مع الحياة، إنها الحفر المعتمة، تحت غطاء الأرض، ومن يدخلها لا يخرج منها أمنا، إلا وقد أصاب الألم من نفسه وجسده، إنهم أسرى الحرية والإباء، القابعين في زنازين، تلتهب تحت أقدامهم، بنيران ظلم السجان، تقيد أياديهم، لتصد أناملهم عن حَفر نفقا، تسير الخطى إليه، نحو أمل موعود، وتشد أرجلهم حتى لا تتقدم، لتبحث عن انشقاق بين تعاريج الجدار، لعل الشمس تلتفت إليهم، لتدفئهم بخطوطها الحمراء، فهؤلاء الأسرى القابعين منذ سنين، وقد أصبحت أعدادهم بالآلاف، وما زال السجان يزيد كل يوم، حتى ازدحمت السجون، وضُيقت عليهم بقعة المكان، أسرى كاد الزمان أن ينساهم، وكادت تدفن أجسادهم، تحت تراب الزنازين السوداء، لكن قلوبهم الحية التي لا تقبل الموت القهري، وأن تُسلب الحياة من الأجساد، وتُفرغ الروح ليقف النبض عن الجريان، إنهم اليوم يستصرخون بصوتهم المخنوق، يناشدون من بقي في قلوبهم نفحات بشرية، كي تشد الأنظار إليهم، إنهم اليوم مع أمعاءهم الخاوية، التي تجعدت من ألم الجوع، وقلة الطعام وتنوعه، اليوم يعلنون إضراباً عن الطعام المسموم، لعل الجسد الملقى على كرسي الموت، تصحو برؤيته القلوب النائمة، وتلتفت إليه أعين قد باتت ساهرة، تتراقص على أنغام لحن بعيدا عنهم . هؤلاء المحاصرين بين أيادي السجان الظالم، وشدة الحديد المُجدل،اليوم تُعلن هبَة القيام بصرخة واحدة، كفى ظلماً وقهرا، فما عاد الصبر يتحمل كبت السجان، وما عادت الأيدي تتحمل نزف السلاسل ، ها هي الخطوات تقترب، وتتزحزح الأقدام من وقفتها المتصلبة منذ زمن، لتخطو نحو أبواب مؤصدة، وها هي الأيدي تتحرر من قيدها، وتمد أناملها الطويلة، نحو مقابض قد اصفر لونها، لتهزها علها تشق أطرافها، فتهرول الأقدام بممرات طويلة، عل في نهايتها بداية الطريق، فيكون الفرار من سراديب تلك القضبان المعوجة، لشدة قبضة كف الأسير عليها، والتي وُقعت ببصمات أناملهم الباردة، وبقيت خربشتهم على الجدران شاهدة، وهناك على ذلك الجدار الملوث، تُكتب قصائد للحرية، وتُرسم صور للشمس والنور، وبين حفر تلك الجدران، تعلق صور لأحفاد صغار، وعلى صدر كل منهم، توضع صورة أم أو أب أو أبناء صغار، وعلى ارتفاعات الجدران تُحفر بألوان الربيع، تمثالاً للأقصى، وأسوار القدس العتيق، وأحلام التراكض بين أحضان الأرض، وأشجار الزيتون، ويبقى ذلك الجدار، هو وسيلة الحديث، والتواصل مع النفس والحياة . إن هؤلاء الأسرى القابعين في أماكن شتى، منهم من مكث سنين تحت الأرض وضمته بترابها، ومنهم من وُضع في غرف معتمه، لا تجد فيها شيئا يدعو للإحساس بالحياة، ومنهم من يتمرغ بالعراء، فوق ثرى الصحراء، لتعلو رأسه قبعة، لكنها تتطاير مع الرياح، فلا تعطيه دفئا ولا أمنا . ومهما تباعدت المسافات، وتنوعت أماكن السجن والاعتقال، وتغيرت وجوه السجان وتلونت، يبقى الوجه الواحد، المرسوم بملامح الظلم والطغيان، وتبقى وحدة الأسرى تقوم على معاناتهم، وقضيتهم العادلة، فوَحدتهم خيالاتهم وأحلامهم، وقوة صلابة إصرارهم، تضمهم تلك الغرف المعفنة، وتلفهم الخيام بقماشها الممزق بتلاعب الرياح، ومهما قضى السجان أن يلغي لهم حق الوجود، وأن يُنسيهم أسماءهم وذواتهم، حيث أصبحوا في قاموسهم أرقام، وما عاد للاسم معنى ولا عنوان، وتحكمت إرادة السجن في توزيع أماكنهم، وتقرير مصائرهم في تلك البقعة، فحددت لهم أماكن نومهم، وساعات النوم والاستيقاظ، وحددت لهم ألوان زيهم، وما يأكلون ويشربون، حتى دورات المياه والاستحمام للاغتسال، فحسبت لهم الأوقات، وما عاد لهم حق في الشفاء والعلاج، ولا حتى بحبة دواء، ومع صرخة صوت السجان في كل صباح ومساء، تُحصي تلك الأرقام، فيُصف الأسرى في طوابير، لا تَعرف لكرامة الإنسان معنى، حيث تعالى السجان في جبروت ظلمه، ورفع عصا التلويح فوق أعناق الأسرى، فتجاوز كل حد في العدوان والحرمان، وما عاد يُعرف حق في تلك السجون والمعتقلات، النازفة لكرامة الإنسان، فقد اعتاد الصهاينة على التلذذ، في إيقاع الأذى بأنواعه، حتى على أحجار المكان، فكيف لا يكون منهم ذلك الطغيان، وهم من بنو على الطين صرحاً لهم، ينظرون من خلاله مستكبرين بحقدهم، وأمراض قلوبهم الميتة. التقى الشيخ والشاب والطفل، بين تلك الجدران والخيام، فكان الشيخ يروي ذكريات الأسر الطويل لذاك الشاب، ليخبره بقصصه ورواياته عن معاناته وصموده، ليتعلم الشاب منه معنى الصمود، ويواجه بلايا السجن ونوائبه، فصنع السجن بظلمته في القلب رؤيا، رسمت بأحبار الأمل، ومع المساء عندما يلقي الليل سدوله، ويضع كل أسير رأسه، على وسادته المتحجرة، ويلفلف جسده بشرا شف صفراء مغبرة، وفي تلك البقعة الوحيدة ينام مغمضا عينيه، وهو لا يرى إلا رؤيا واحدة، قد عاشها بأحلام يقظته، قبل أن تغرق العيون بنومها العميق، فيراها في أحلامه الطويلة، فيعيش طائرا متنقلا في سعادتها، وتوقظه صرخة السجان القاسية، ليدرك أنه كان مجرد حلم، وأن حقيقية القيد لم ينكسر، وتبقى الخواطر والتساؤلات تراود العقل والوجدان، متى يحين موعد التحرر واللقاء، متى تتسابق تلك الخيول الصامدة بعدوها، لتضم الأهل والأرض والجيران، ولكن الحلم يبقى، والرؤيا تتكرر مع كل غفوة وسهوه، ليأتي الصباح ليوقظهم بصوت آخر . آمال أبو خديجة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل