المحتوى الرئيسى

الطريقة العربية في الحُكْم!بقلم: جواد البشيتي

03/29 17:49

الطريقة العربية في الحُكْم! جواد البشيتي نَصِف الثورات (المتزامِنة) في البلاد العربية بأنَّها "شعبية ديمقراطية"، فجماهير الشعب هي التي تصنعها؛ أمَّا هدفها النهائي فهو "الديمقراطية"، بمبادئها وقيمها ومعاييرها العالمية. ومن حيث محتواها الاجتماعي ـ الطبقي، لا يمكن تصوير هذا الثورات على أنَّها فِعْل شعبي اجتماعي تاريخي ضدَّ النظام الرأسمالي (جوهراً وأساساً) وإنْ تسلَّحت بمطالب اجتماعية واقتصادية تتعارَض ومصالح فئة ضيِّقة من الرأسماليين المنتمين إلى "الليبرالية الجديدة"، التي في عهدها عَرَفْنا من الفساد (بصوره كافة) ما لم نَعْرَفه من قَبْل، واتَّحَد أرباب العمل، من هذه الفئة الخسيسة، وأهل الحُكْم اتِّحاداً شخصياً وعائلياً لا انفصام فيه، فتمييز "الشركة (التجارية)" من "الحكومة" أصبح من الصعوبة والاستعصاء بمكان. وفي وصفها أيضاً أقول، ولا بدَّ لي من أنْ أقول، إنَّها ثورات من أجل "الاستقلال (القومي) الحقيقي" للدول العربية؛ فلقد ثَبُت وتأكَّد، وغداً أمْراً في منزلة البديهة والمسلَّمة، أنَّ "الاستقلال"، مع عيده، في كل دولة عربية هو كذبة كبرى، فلا استقلال، ولا سيادة، للدولة (لأيِّ دولة عربية) ما بقي شعبها فاقِداً "الاستقلال" و"السيادة" لجهة علاقته بالحاكم والحكومة ونظام الحكم. إنَّ "استقلال" الدولة، و"سيادتها"، يكونان، أو يغدوان، كظلٍّ بلا جسمٍ في الدول ذات أنظمة الحكم الدكتاتورية، الاستبدادية، الأوتوقراطية، والتي لا وجود فيها (إلاَّ إذا كان كوجود النقد المزوَّر) للحياة الديمقراطية، بأوجهها وصورها كافَّة، وبمبادئها وقيمها العالمية، التي لا تمسخها وتشوِّهها "الخصوصية العربية". حتى العداء القومي (العربي) لإسرائيل، والصراع ضدَّ قوى الهيمنة الإمبريالية الغربية، يكون، أو يغدو، زائفاً، كاذباً، ما بقيت شعوبنا تُعْلَف في حظائر السلاطين، مُصَفَّرةً سياسياً وسيادياً، مُغْتَصَبَةٌ حقوقها السياسية والديمقراطية، وما بقي جوهر وأساس العلاقة بين "الحاكم" و"المحكوم" هو الآتي: الحاكم فرد (مؤلَّه) والشعب أفرادٌ (وكل فرد ضدَّ الآخر، ويقول "اللَّهم نفسي"). ولو أردتُّ أنْ أُعرِّف "الاستبداد"، الذي هو روح أنظمة الحكم العربية، لَقُلْتُ إنَّه الحاكم الذي في مستطاعه أنْ يصطنع له "جماهير شعبية"، فيَجْمَع، ويَحْشِد، ويُسيِّر، وقتما يشاء، وكيفما يشاء، عشرات ومئات الألوف (والملايين) من المواطنين، مؤكِّداً، من خلال ذلك، لكل من له عين تُبْصِر، وأُذْن تسمع، وعقل يعقل، أنَّ الشعب يكرهه ويمقته حقَّاً، ويتمنى له سرعة الزوال، فليس من الذهب، ولا بشيء يشبه الذهب، هذا "اللمعان الشعبي" للحاكم، والذي يرينا إيَّاه في أوقات الضيق والشِّدة، أو عندما يصبح قاب قوسين أو أدنى من سقوطه المحتوم. والشعب يعرف على خير وجه "كيف (أي مجموع الوسائل والطرائق والأساليب)" يَسْتَجْمِع الحاكم العربي ما يَسْتَجْمِع من "تأييد" الشعب له؛ وإنَّه، أي الحاكم نفسه، هو آخر إنسان عاقل يمكن أنْ يُصَدِّق أنَّه يتمتَّع فعلاً بوزن شعبي كهذا، فلو صدَّق (أي لو ارتضى أنْ يَخْدَع نفسه أيضاً) لَمَا بقي في الحكم ساعة واحدة؛ لماذا؟ لأنَّه لو صدَّق هذه الكذبة الكبرى لسارع إلى انتخابات ديمقراطية حُرَّة نزيهة شفَّافة، يكتشف في نهايتها أنَّها كانت الطريق إلى جهنَّم وقد بلَّطها بنيَّاته الحسنة. وإنَّه يَعْرِف على خير وجه، ويَحْفَظ عن ظهر قلب، "الحقيقة الكبرى" لحكمه، ألا وهي أنْ لا ديمقراطية حقيقية إذا لم تُعِد إلى الشعب السلطة التي اغتصبها منه اغتصاباً (أي السلطة التي يحق للشعب فحسب أن يملكها، فاغتصبها منه إذ منعه حقه هذا). وهذا ما قد يَحْمِلَه على اختراع وابتداع جُمْلَة من "الإصلاحات السياسية والديمقراطية.." التي تبقي جوهر وأساس العلاقة بينه وبين شعبه بمنأى عن الإصلاح والتغيير؛ أمَّا سلاحه الذي لا يتخلى عنه أبداً في صراعه من أجل البقاء فهو "الشعب المنقسم على نفسه". إنَّه لن يقف، من حيث المبدأ، ضدَّ "الإصلاح"؛ لكنَّه يريده "إصلاحاً" لمجتمع، أو شعب، مُفتَّت، مجزَّأ، فئاته وجماعاته جميعاً تخشى بعضها بعضاً، ويرتاب بعضها في بعض، ويَنْظُر بعضها إلى بعضٍ على أنَّه عدوٌّ مؤكَّد أو مُحْتَمل؛ وكأنْ لا "إصلاح" يُمْنَح للشعب إلاَّ بعد أنْ يُثْبِت الشعب أنَّه شعوبٌ، تحتاج دائماً إليه إذا ما أرادت لـ "تعايشها السلمي" أنْ يستمر ويدوم؛ فهو وحده صمَّام الأمان للشعب والوطن؛ فَلْيُعْطِ الشعب حاكمه مزيداً من انقسامه على نفسه، لِيَحْصَل منه على مزيدٍ من "الإصلاح" الذي يبقي أساس الحكم بمنأى عن الإصلاح. "اتَّحِدوا يَذْهَب"؛ هذا هو مبدأ "الثورة". و"انقسموا يبقى"؛ هذا هو مبدأ "الثورة المضادة". وينبغي، من وجهة نظر الحاكم، لكل فئة أو طائفة من المجتمع أو الشعب أنْ تَفْهَم وتُفسِّر المطالب والشعارات الديمقراطية الصادقة، والتي للشعب كله مصلحة حقيقية في تحقيقها، على أنَّها كلمة حقٍّ يُراد بها باطل؛ وهذا "الباطل" إنَّما هو كناية عن مصلحة لفئة أو طائفة أخرى؛ فالمجتمع كله "ثعالب"، كل "ثعلب" منها يَبْرز في ثياب المصلحين! إنَّهم يَحْكمون، ويستمرون في الحكم، بحسب نظرية "اللحم والعَظْم"، فالمجتمع، لجهة مكوِّناته وعناصره، واحد، في "قِمَّة" الهرم، وفي "قاعدته"؛ لكن الذين في "القِمَّة" يتَّحِدون في أكلهم "اللحم"؛ وعلى اللذين في "القاعدة" أنْ يصارع بعضهم بعضاً صراعاً مداره "العَظْم"، أو كصراع أصلعين مداره "مشط"! ينبغي لهم أنْ يجعلوا الشعب في هذا الدرك الأسفل من الجهل بالحقوق؛ فَهُم يَعْرِفون أنَّ الشعب الذي لا يعي حقوقه لا يمكنه أبداً الدفاع عنها، ونيلها. قُلْت إنَّ دولنا العربية لم تَسْتَقِلَّ بِعْد؛ وخير دليل على ذلك هو أنَّ سياسة "فَرِّقْ تَسُدْ" الاستعمارية ما زالت السياسة التي تَعْمَل بها أنظمة الحكم العربية في داخل مجتمعاتها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل