المحتوى الرئيسى

مفهوم الشيخ و المشيخة في التصوف الطرقي بقلم:الخمالي بدرالدين

03/29 17:49

للشيخ مرتبة عظيمة في التربية الصوفية ، فهو المعلم و المرشد و الناصح و الداعية ، وقد استند الصوفية في تأصيل دور الشيخ إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( والذي نفس محمد بيده لئن شئتم لأقسمن لكم ، أن أحب عباد الله تعالى إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ، ويحببون عباد الله إلى الله ، ويمشون على الأرض بالنصيحة ) ، لذلك يقول شهاب الدين السهروردي في كتابه عوارف المعارف في شرح الحديث ، فأما وجه كون الشيخ يحبب عباد الله إلى الله ، فلأن الشيخ يسلك بالمريد طريق الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، لذلك فرتبة الشيخ بالنسبة للسهروردي من أعلى الرتب في طريق الصوفية و نيابة النبوة في الدعاء إلى الله . فمسألة التزكية و التصفية عند الصوفية لا تتم حتما إلا بوجود الشيخ ، لأنه حسب السهروردي يسلك بالمريد طريق التزكية ، وهنا يجتمع مفهوما الاقتداء بالرسول و التزكية في مصطلح الطريق أو الطريقة التي من نتائج إتباعها تزكية النفس ، والتي هي مطلب المريد ، و الهدف المرسوم لكل سالك ، حيث يقول السهروردي كذلك ( وإذا تزكت النفس انجلت مرآة القلب وانعكست فيه أنوار العظمة الإلهية ، ولاح فيه جمال التوحيد ، وانجذبت أحداق البصيرة إلى مطالعة أنوار جلال القدم ورؤية الكمال الأزلي ، فأحب العبد ربه لا محالة ........فيحب العبد الباقي ويزهد في الفاني ، فتظهر فائدة التزكية وجدوى المشيخة و التربية ، فالشيخ من جنود الله تعالى يرشد به المريدين ويهدي به الطالبين ) عوارف المعارف ـ ص 153 ـ شهاب الدين السهروردي ـ فندرك من خلال ذلك أن سلوك الطريقة لا يتم إلا بوجود الشيخ ، الذي يقوم بفعل سياسة النفس الإنسانية وتوجيهها نحو سبيل المعرفة الإلهية ، و هي مرتبة يمكن إدراكها للسالك بتحقق سرها فيه حسب قول السهروردي ( والسر في وصول السالك إلى رتبة المشيخة أن السالك مأمور بسياسة النفس مبتل بصفاتها ، لا يزال يسلك بصدق المعاملة حتى تطمئن نفسه ، وبطمأنينتها ينتزع عنها البرودة و اليبوسة التي استصحبتها من أصل خلقتها ، وبها تستعصي على الطاعة و الانقياد للعبودية ، فإذا زالت اليبوسة عنها ولانت بحرارة الروح الواصل إليها ـ وهذا اللين هو الذي ذكره الله تعالى في قوله ( ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) سورة الزمر ـ أية 23 ، تجيب إلى العبادة ، وتلين إلى الطاعة عند ذلك . فالمشيخة هي أداة لتطويع نفس المريد و السلوك به إلى مناهج الانقياد الروحي لما أمر به الله عز وجل ، وبالتالي فهي سلطة روحية مهمتها الأولى إرشاد السالك إلى الطريق و حضه على التزكية و حفظ نفسه من الحياد عن الطريق الذي شرع الله لعباده على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، والشيخ بذلك خليفته في تبليغ الشريعة ورسم الطريقة و بلوغ الحقيقة ، وهذا ما يذهب إليه الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني في كتابه سلم الارتقاء قائلا (...فلا بد من الاستسلام لمرشد ناصح ، مشفق ، عالم بالحقيقة والشريعة و الطريقة ، عارف بعلل النفس وقواطعها ، وسالك ما يقرب وما يبعد من الحضرات الإلهية و المحمدية ، غير غافل عن ربه على الأنفاس ، واله في مولاه ، مذ عرفه ما دخل في قلبه باطل . ص 179 ـ سلم الارتقاء لكن ما هي شروط المشيخة التي بتحققها في الشيخ يكون أهلا للتربية و التلقين و التزكية ؟ وما هي حدود سلطته الروحية على المريد ؟ وهذا ما يجيب عنه الشيخ الكتاني في مؤلفه سلم الارتقاء قائلا (...فمن ظفر به فليدأب عاكفا بعتبته ، مستمنحا من روحانيته ما منحته( … محددا بذلك شكل العلاقة بين الشيخ و المريد وطبيعتها ثم يقول في تعداد الشروط الواجب توفرها في الشيخ ( وإلا فلا يزال باحثا عنه طالبا له ، إلى أن يجده مطبقا هذه الأوصاف عليه ـ وهي ـ ـ يراعي الأنفاس تتجدد عليه المواهب على الأنفاس ـ وهو المعبر عنه ب (الصلاح) ـ أوتي الفهم عن الله في جميع المتحركات و السواكن الكونية ـ وهو المعبر عنه ب (الذوق) ـ لا يكاد يتحرك شيء أو يسكن إلا وفهم عن الله منه علما ينتفع به ـ وهو المعبر عنه ب (العلم) ـ بكاءٌ على ما فاته من ربه ، ضاحك خلال البكاء ، لا تغرب شمسه ـ وهو المعبر عنه ب (التقوى) ـ إذا رأيته تحسبه ذا لسن وذا عقول وذا عيون وذا أسمعة ـ وهو المعبر عنه ب (الخارقة) ـ لا تراه في حال رأيته عليه قبل ذاك اللقاء الثاني ـ وهو المعبر عنه ب (الكرامة) ـ لا يزايله الخوف لما كوشف به من امتلاء قهرمان الجبروت بالعزية و العظمة ، لا يركن لشيء ، ولو كوشفت لرأيت الموجودات كلها تركن إليه طوعا أو كرها وهو المعبر عنه ب (الكشف) ـ لأن المشايخ ورثة الأنبياء ... ص 180 ـ سلم الارتقاء إن هذه الشروط اللازمة توفرها في الشيخ المربي حسب الشيخ الكتاني ، تجعل منه وريثا للنبي صلى الله عليه وسلم وخليفة له ، وهذا الأمر نجده مقررا بشكل جلي في الأدبيات الصوفية ، خاصة في مسألة السند الصوفي الذي يجب أن يكون متسلسلا متصلا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما نجده كذلك في مسألة القول بالتلقي المباشر عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، و السماع منه شفاهة بعض الأذكار و الصلوات التي يتم تقريرها في أوراد الطريقة وتكتسي بالتالي قدسية الوحي من خلال الرؤيا الصالحة أو من خلال الفتح الإلهي الذي هو حالة فريدة ، وخصيصة للمتصوفة دون غيرهم ، يجعلهم يتلقون العلوم بدون واسطة ، وقد يصل الحال ببعض المتصوفة إلى القول بمشاهدة النبي يقظة والسماع منه في ذلك اللقاء ، من العلوم اللدنية ما خفي على السابقين من سالكي الطريق ، ليحوز بذلك مقاما أسمى بين العارفين والأولياء ، وهذا ما أدى بمؤلفي طبقات الصوفية إلى تصنيف شيوخ الطريق في مراتب معينة حسب مدارك كل واحد منهم في الكشف و الذوق و الكرامات و العلوم الباطنية التي يمليها على المريدين كما ذهب بعض المتصوفة كأبوبكر الكتاني البغدادي إلى تصنيفهم إلى أقطاب و أبدال وأوتاد و نقباء و صولا إلى الغوث الخ...من المسميات ، كما جعلوا سيد هؤلاء هو خاتم الأولياء ، الذي يعتبر بالنسبة لجميع المتصوفة صاحب الطريقة الحقة الجامعة و المهيمنة على جميع الطرق ، باعتبار خلافته للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد صنف فيه محمد بن علي بن الحسن الشهير بالحكيم الترمذي مؤلفا حافلا سماه ختم الأولياء من تسعة وعشرون فصلا ذكر فيها أوصاف الأولياء وخصالهم وعلومهم كما ميز بينهم وبين الأنبياء ، وعرف فيها بختم الأولياء في الفصل الثالث عشر قائلا (...وما صفة ذلك الولي ، الذي له إمامة الولاية ورياستها وختم الولاية ؟ قال: ذلك من الأنبياء قريب، يكاد يلحقهم، قال فأين مقامه ؟ قال : في أعلى منازل الأولياء ، في ملك الفردانية ، وقد انفرد في وحدانيته ، ومناجاته كفاحا في مجالس الملك وهدايا من خزائن السعي ، قال وما خزائن السعي ؟ قال: إنما هي ثلاث خزائن: المنن للأولياء، وخزائن السعي لهذا الإمام القائد، وخزائن القرب للأنبياء عليهم السلام، فهذا خاتم الأولياء مقامه من خزائن المنن و متناوله من خزائن القرب: فهو السعي أبدا فمرتبته هاهنا ومتناوله من الأنبياء عليهم السلام، وقد انكشف له الغطاء عن مقام الأنبياء ومراتبهم وعطاياهم وتحفهم.) ص 45 ـ ختم الأولياء كما سماه في موضع آخر بالمجذوب الذي وجبت له الإمامة على الأولياء ، حيث يقول في الفصل الخامس والعشرون ( وكذلك هذا الولي يسير به الله تعالى على طريق محمد عليه الصلاة والسلام ، بنبوته ، مختوما بختم الله ، فكما كان محمد صلى الله عليه وسلم حجة على الأنبياء ، فكذلك يصير هذا الولي حجة على الأولياء ، بأن يقول الله تعالى لهم : معاشر الأولياء ، أعطيتكم ولايتي فلم تصونوها من مشاركة النفس ، وهذا أضعفكم وأقلكم عمراً قد أتى بجميع الولاية صدقا ، فلم يجعل للنفس فيها نصيبا ولا تلبيسا ) ص 77 ـ ختم الأولياء إن هذا الوصف بتسييد الولي الختم على جميع الأولياء و جعله حجة عليهم ، و بلوغه تلك الدرجة أي بين الأولياء و الأنبياء ، أثر كثيراً في الأدب الغيبي للتصوف ، الذي أنتج العديد من القصص بخصوص ما يعرف بالتنبؤ بمجيء الولي الختم وزمان ظهوره وبزوغ شمسه ، وهو ما شابه إلى حد بعيد حسب رأي عدد من الباحثين مذهب الشيعة و أقوالهم عن ظهور المهدي أو الإمام الغائب ، وهذا الأمر بغض النظر عن صحته أو بطلانه ، له أهمية بالغة في تفسير عدد من الحالات التي ادعى فيها بعض مشايخ التصوف أنهم الولي الخاتم ، والتي كانت لها تداعيات سياسية كبيرة كما هو الأمر لابن قسي و ابن برجان في الأندلس. إن الولاية في حالة الختم هي ولاية عامة ، يصبح فيها الشيخ حجة على الناس جميعا ، ومبعوثا إلهيا ذو سلطة في الإرشاد و التوجيه ، ولا مجال أمام الناس إلا الإئتمار بأمره وطاعته لأنه يمتح من خزائن المنن و السعي و القرب ، وهو الإمام القائد كما يقول الحكيم الترمذي ، لذلك فمجالات تدخلها شاملة ، ليس باعتبار أن الروحي يهيمن على الزمني حسب المفهوم الشرعي ، ولكن لأن الولي الخاتم هو ذو سلطة مطلقة وإمامة وولاية عظمى مهيمنة على جميع الولايات التي قبله وحجة عليها يوم القيامة ، وبالتالي فتدخل الولي الختم أمر شرعي لا محالة في جميع مناحي الحياة العامة للمسلمين حتى ولو لم يكونوا على طريق التصوف ، فطريقته هي الطريقة المثلى و التطبيق الحقيقي لتعاليم الشرع أنظر بعض المراجع ـ التصوف الإسلامي مدارسه ونظرياته ـ الدكتور محمد جلال شرف ـ ط الأولى 1990 ـ دار العلوم العربية ـ بيروت ـ ختم الأولياء ـ الإمام الزاهد أبي عبد الله الحكيم الترمذي ـ تحقيق الشيخ عبد الوارث محمد علي ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ط ، الثانية 2005 ـ سلم الارتقاء في منشأ التصوف ووجوب شيخ التربية ـ الشيخ أبي الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني ـ تحقيق إسماعيل المساوي ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت- ط 1 ـ 2005 ـ عوارف المعارف ـ ص 153 ـ شهاب الدين السهروردي ـ تحقيق الشيخ عبد الحليم محمود ، مكتبة الإيمان ـ القاهرة ـ ط 1 ـ 2005 ـ

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل