المحتوى الرئيسى

وأما الاعتقال فغايته تحريف الهوية بقلم : محمد يوسف جبارين

03/29 17:22

وأما الاعتقال فغايته تحريف الهوية بقلم : محمد يوسف جبارين (أبوسامح ) ..أم الفحم ..فلسطين التمييز العنصري نفي للآخر ، اعتقال ، قيد ، ولا اعتبار لهوية الآخر ، فاذا كان الآخر هو أقلية قومية عربية ، فهل يجوز لنا أن نقول بأن الاعتقالات وآلياتها ، قد تم اشتقاقها من عدم الاعتراف بالهوية القومية للأقلية العربية ، ومن التمسك الجارف بأن لا هوية غير الهوية اليهودية للدولة ، وبأن حل هذا التناقض كما أدركته الدولة ، قد تنطق عنه السياسات التي استهدفت أسرلة الجماهير العربية ، وبأن هذه بالفعل قد داهمت كل ما له صلة بهوية الجماهير العربية ، ومعاشها ، ولم تترك شيئا لم تدنو منه بسوء . فكل شيء تحيط به أطواق اعتقال ، وتزداد قسوة الاعتقال في شدتها على من كانوا أكثر تعبيرا عن الحقوق ، وأكثر تأكيدا على الهوية ، وعلى الأخص منهم من كانوا قادة فكر وعقائديين وعملوا فرادى ، أو جماعة ، حركة ، حزبا ، ويمتازون بقدرة تنظيمية والتزام تنظيمي ، ويبرهنون دوما على مدى التصاقهم بالعقيدة السياسية التي يعتقدون ، وبطروحات التنظيم الذي اليه ينتسبون ، ويثبتون باستجابتهم الواعية لحركة الحوادث مقدرتهم على الانجاز ، في كل مرة يوكلون فيها بأهداف يراد منهم تحقيقها ، فأولئك الأكثر مقدرة على تحريك الجماهير ولذلك هم دوما تحت المراقبة . وهكذا الاعتقال لم يتوقف ساعة عن التفتيش في الأنفاس ، في الهمسات ، في الايماءات عند من يسعى الى اعتقاله ، وكذلك القوة كانت دوما معلقة مثل السكين فوق رقبة الجماهير ، وبرغم ذلك طالبت هذه الجماهير بالمساواة وهي تعرف بأن الحرية شرط قيام المساواة ، لقد ارتضت التدرج بالمطالبة بالمساواة كأسلوب تفكك به الظلم الواقع عليها ، فتدنو من حريتها . وبذلك كانت الجماهير العربية تريد أن تنفض عنها القيود التي تكبلها وتريد أن تنعتق من أغلالها .. من اعتقالها القسري . أفلا يكون من السذاجة ، بعد قراءة متبصرة لسرديات القهر التي عانتها الأقلية القومية العربية عبر تاريخها ، أن يقال بأن العرب في اسرائيل يعيشون في نظام ديمقراطي ، أو ليس الصحيح أن يقال بأن العرب انما يرزحون تحت وطأة القهر الذي تمارسه عليهم دولة يهودية ديمقراطية ، الديمقراطية فيها مقصورة على اليهود فقط ، وانما يحوز العرب من هذه الديمقراطية على ما لا يتعارض مع طموحات اليهود في دولتهم ، وبأن ذلك يعني وضع العرب تحت المراقبة والقمع ، حتى لا يكون نموهم وتقدمهم وتطورهم عائقا أمام مصالح اليهود في دولتهم . أليس هذا هو الاعتقال الدائم للجماهير العربية . فان بدا من حركة الجماهير بأنها تمارس حياتها العادية ، فان في أعماقها مخزون من الرفض لواقعها المرير ، فهي تعرف من واقعها ، من صراعها مع ظروفها بأنها محاصرة ، وبأنها كذلك ، لأن هويتها عربية ، وتعرف بأنه يراد لها أن تبقى طاقة عمالية تبيع جهدها ، وطاقة استهلاكية ، تستهلك ، تشتري ولا تبيع ، وذلك لكي يتأتى استغلالها من جانب الدولة على أكمل وجه ، ويحظر عليها أن تتجاوز ذلك ، فتصنيع القرى والمدن العربية ممنوع.. ممنوع ، وذلك خوفا من تحولات اجتماعية وتعليمية ، وثقافية ، وخوفا من نشوء طاقة انتاجية ، وعلاقات انتاج ، وعلاقات توزيع منافسة ، وخوفا من انعتاق الذكاء المحاصر ، واتخاذه دوره في المنافسة والريادة ، وفي تأكيد خصوصية هذا العربي وهويته . فأي ديمقراطية هذه التي تحرس مقومات التخلف وتحافظ عليها ، وتعيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وتحاصر الثقافة والتعليم والفكر والابداع والذكاء ، فهذه ديمقراطية متناقضة مع الغايات الاجتماعية للمجتمع العربي ، فهي بممارساتها القمعية تقمع هذه الغايات ، باحتجاز النمو والتطور لتحول دون تحققها . ثم من قال بأن الديمقراطية مشاركة في انتخابات ، وحصول على ضمان اجتماعي محدود ، فالديمقراطية ليست نظاما للانتخابات والضمان الاجتماعي فقط ، بل هي أيضا نظام للحكم والأمن الجماعي ، ونظام لحتمية التطور ، فلماذا شكل الديمقراطية يضغط بقسوة على المضمون ، والى حد فظيع تتلاشى معه مشاركة الجماهير العربية في الحكم ، فهذه الجماهير خارج الحكم ، بل الحكم مسلط بكل أحقاد التاريخ ضدها ، فأي نظام حكم هذا وأي نظام قانوني هذا الذي يعتقل ارادة الحياة وارادة التطور وارادة الحرية ، فصياغة القوانين وشروحاتها تغتصب الأرض ، وتستبيح الأمن الجماعي العربي ، وتشكل هي والقوة معا عائقا أمام تطور الجماهير العربية ، وتفتح السجون والمعتقلات ، وتطلق النار على هذه الجماهير ، لتقول لها بلغة النار ، من فوهة البنادق بأنه ، في انتظارها ، من العنف ما هو أسوأ من ذلك ، اذا هي استعملت الغضب المخزون في داخلها في حركة رفض حتى ولو كانت سلمية وعقلانية وبعيدة عن كل لون من ألوان العنف . وهل هناك شيء يخص الهوية الجماعية للأقلية القومية العربية ، لم يقترب الاعتقال منه بحد القوة . وما الذي يدعو دولة ديمقراطية على حد تعريفها لنفسها الى اعتماد القوة في تغييب المساواة ، وهدر الحرية . ولماذا يتم تنصيب القوة كأداة ردع فاصلة بين الجماهير وبين حقوقها ، وبين الجماهير وبين اصرارها على تحقيق هويتها ، في ممارساتها الثقافية والاجتماعية والسياسية . ان أبسط ادراك لكلمة اعتقال تدل على أنها مكونة من معان مركبة تتنافر جميعا مع انسانية الانسان ، ومن هذه المعاني تحديد اقامة ، وتحديد حركة ، وسيطرة على الماء ورغيف الخبز ، ومحاولات كسر للارادة ، وظروف سيئة يعانيها الانسان داخل الاعتقال ، فالاعتقال بذاته فصيح الدلالة على طرف يمارس القمع وآخر تحت سياط القمع . فاذا كان ذلك توصيفا لحال دولة تقوم باعتقال هوية أقلية قومية عربية ، فذلك يعني أن الهوية العربية لهذه الأقلية تتلقى الضربات ، وتعاني عمليات جراحية تستهدف ماهيتها وشكلها . لقد أثبتت الممارسات القمعية ضد الأقلية العربية ، بأن نظام الحكم في هذه البلاد ، لم يرغب في الاعتراف بالهوية القومية لهذه الأقلية ويصر على ادماج هذه الهوية في هوية اسرائيلية . ولم يكن عدم الاعتراف هذا كلاما مجردا من آليات تحيل مضمون الكلام الى ممارسة أيديولوجية تسعى الى أهداف مبلورة تخدم التعريف اليهودي للدولة . بل عدم الاعتراف ، قد كان ولا يزال فاعلا مؤثرا ، بما اقترن به من تحولات حثيثة يدأب عليها ، فالواقع بما فيه من اجراءات وتحولات يدل على فداحة ما ينتظر العرب من خسارة يتم التخطيط لها . فعدم الاعتراف خطير ويقترن تجسيده بالسلب والقسر والارغام ، فأدوات القمع موظفة ومدربة وذات خبرة وذات جاهزية لتنفيذ كل ما هو مطلوب منها . وعلى ذلك فان عدم الاعتراف ، انما هو العدوان الصريح على هوية الأقلية القومية العربية ، وهو العدوان الذي ينشيء تناقضا حادا وعنيفا ، الطرف القوي فيه هو الدولة التي تمتلك جهاز القمع ، فهي تنزع الى انتزاع حل للتناقض باعتقال هوية الأقلية القومية ، وبالعمل الدائب على تحريفها ، أي أنها لم ولن تكف عن العمل على تشويه هذه الهوية ، فهي تسعى دوما الى ابتداع رأي عام وبرامج وسياسات تحكم بها كافة الأطر والمؤسسات التابعة لها ، وتنشط من خلالها الى اعادة تفكيك هذه الهوية وصياغتها من جديد على ما يجعلها مهلهلة واهية ، فيسهل ادماجها ، أو تحييدها ، فلا تشكل عائقا أمام المشروع القومي الصهيوني ، هذه هي غاية الاعتقال . ومن أجل ذلك يقومون باستمرار بتنشئة رأي عام يهودي ضاغط .. مناخ من الكراهية للعرب ، مليء بالتحرض الذي يراد منه تبرير سياسات الغبن والاعتقال ، وأيضا استدراج اللغة وتعابيرها في تحوير للمفاهيم والمواقف تحت ضغط الرغبة في الخروج من المأزق ، فتتشوه ، ومعها تتشوه هيبة من يروجون لها ويدافعون عنها ، وهي بالفعل سوف تؤول الى ذلك ، اذا ما الرواد أغفلوا بأن ضرورة المواجهة الواعية في مستوى الحوار ، انما تقتضي انتهاج سياسة تفكيك للتحريض وانشاءاته من داخله ، وبموضوعية تجعل افساده هو طعامه الذي لا يطيق . وازاء اصرار الجماهير العربية على حقوقها وتصديها لأي اختراق ثقافي لوعيها ورفضها لأي تحريف في هويتها ، كان الصراع قد تجلى واضحا ، ولم يعد ممكنا تعليبه ، ولا تغليفه ، ولا ادخاله في ثلاجة ، وبدا الوطن كله وكأنه سجن كبير ، الحرية فيه مطوقة ، مطاردة داخل الاعتقال ، ولا شأن لها غير أن تبحث عن استبقاء ذاتها ، عن وجودها ، وعن نفي هذا الاعتقال ومشتقاته من غبن وسلب وعنت وقيد وقهر . وكان الوعي مؤثرا على جوهر التناقض الذي أنشأ الصراع ، وكان الحل هو الدعوة الى ديمقراطية سليمة ، أي المطالبة باعادة تعريف الدولة من جديد ، وذلك من أجل حياة دستورية أخرى . أي انتزاع صفة اليهودية من التعريف القانوني للدولة ، واستبداله بالديمقراطية السليمة ، بحيث يتم انتزاع العنصرية ، وتعاد صياغة القوانين وهيكلة الدولة لتغدو نظاما تعدديا ديمقراطيا يشمل على اعتراف كامل بكافة الهويات القومية والثقافية التي تتكون منها الدولة ، لا فرق بين قومية وأخرى ، وهذا ما زاد الصراع عمقا وحدة . وبقيت الهوية الثقافية للجماهير العربية مرتكزا لذاتها تمنحها توازنا ذاتيا وتعطيها شعورا عميقا بالتواصل والانتماء لحضارة تلح على ضرورة استمرارها بحدة في هوية باقية بقاء الهواء في الأرض .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل