المحتوى الرئيسى

سوريا: هذا لا يُغْني عن ذاك!

03/29 16:51

نهلة الشهال يحضر الاعتبار الاسرائيلي بقوة في خلفية المشهد الجاري في سوريا. ليس المقصود التدبير الاسرائيلي للأحداث، بل نتائج هذه الاخيرة على توازن القوى في المنطقة، الذي يشكل الموقف من اسرائيل واحداً من أعصابه، إن لم يكن عصبه الرئيس. وهذه النتائج مباشرة، تمس في طريقها معطيات أخرى لا تقل أهمية عن تلك العائدة لإسرائيل، منها ما يخص وضعية إيران في المنطقة العربية، ومنها ما يخص العراق. وبهذا المعنى، فسوريا مفصل استراتيجي لا يمكن التشكيك في أهميته. ولكن: هذا لا يلغي ذاك! أي لا يكفي أن تكون السلطة السورية تناهض إسرائيل، وترفض أن تعقد معها «تسويات» من النوع المشين، المتسبب بتعزيز منطق الاستسلام لها، حتى تفترض انها تمتلك تفويضاً من شعبها بكل ما عدا ذلك. لا يمكن لمناهضة إسرائيل أن تبرر مثلاً تأبيد حالة الطوارئ، وما يستتبع ذلك من ممارسات ونتائج تبدأ بالاعتقال التعسفي والمحاكمات الصورية وإشاعة آليات للعلاقات الاجتماعية تستند الى الخوف وإلى ضرورة اللجوء الى الوشاية والوساطة والتزلف لتدبر الحياة في ظل الاعتباط، وكذلك تستند الى سحق روح المبادرة ثم كل مبادرة مهما كانت، عدا التساهل حيال أشكال خطيرة من الفساد الذي يتوسل السلطة في اشتغاله. وهذا عالم ما يشكل البنية العامة للقمع بمعناه الواسع والمديد، فكيف حين يضاف إليه القمع المباشر المتسبب بقتلى وجرحى، كما يحدث الآن. كما لا يحل الموقف السياسي السوري من اسرائيل محل كل الحاجات الاخرى، ومنها تلك الاقتصادية، المتعلقة بمعيشة الناس وبازدهار المجتمع. لقد ترسخت على مر السنين بنية هجينة، تمزج مناحي اشتراكية مشوهة (لأنها لم تعد تهتدي بأي منطق عام متماسك، فتبدو أقرب الى حطام من الماضي الذي كان هو نفسه اعتباطياً ومضطرباً)، تمزجها بليبرالية متخلعة تُمنح، ليس وفق منطق عام متماسك هو الآخر، بل ارضاء لفئات معينة، وتلويحاً بمغانم يمكن أن تحفز تلك الفئات، فيما هي تتسبب برمي فئات أخرى واسعة من الشعب السوري في البؤس. ولا يمكن تصور أن التسويات المتعاقبة بين السلطة والمجتمع أو بعض اجزائه، تقوم مقام العقد الاجتماعي الصريح. حتى التسويات الكبرى لا يمكنها ذلك! نذكر التسوية التي عقدت مع بازار دمشق في مطلع الثمانينيات إنهاءً لمواجهات غاية في الدموية، وقبلها التسوية الاصلية في مطلع السبعينيات، التي أطاحت نسخة غريبة من حزب البعث حكمت البلد، وبعدهما التسوية التي اتجه إليها الرئيس الحالي مستنداً الى بدايات «انفتاح» كان قد أُعلن عنه مطلع التسعينيات، فجاء هو يوسِّع دائرته ويعصرنه، مرفقاً إياه بحزمة من الوعود، لعله جرى تطبيق شق ـ رقيق ـ منها. ذلك أن منطق التسويات يحمل في طياته بذور أزمته، لا سيما حين يُمارَس بغاية الالتفاف على مآزق فعلية، وابتغاء الحفاظ على السلطة، فيصبح كتلة لزجة تقرن القمع بالفساد، بالاستيعاب ببعض الاصلاح، بنسب تتفاوت حسب الظروف. ولا شك أن الوضع في العراق ساعد دمشق كثيراً على الامساك بأطراف الخيوط كلها. فقد كانت الفوضى الرهيبة التي عمّتَ بلاد الرافدين رادعاً لكل مغامرة باتجاه مساءلة القائم. ولا شك أن المسلك الغربي في العراق قد مثل حجة رادعة أخرى بوجه قوى لعلها كانت تحلم بمثله لسوريا، فانكفأت وانزوت، وسط نبذ عام لها. إذ لم يمثل الإجرام العسكري الغربي ـ وتحديداً الاميركي ـ المتفلت من كل حدود نموذجاً يثير الرغبة في تكراره. وطبعت الوجدان العام في المنطقة وفي العالم ما عُرف عن الفلوجة والنجف وأبو غريب، وعن اغتصاب الفتيات ثم قتلهن، واغتيال الصحافيين، ثم عادت «ويكيليكس» فأثبتت بالوثائق سيادة عقلية الاوغاد لدى السادة المتحضرين. وكذلك انكشف حجم المشاركة الغربية الهائلة في نهب العراق، والتخطيط لإضعافه المديد عبر تسييد آليات سياسية منحرفة. وانتهى الامر الى سطوع الفشل الذريع في إثبات، أي جدارة على أي صعيد مهما كان بسيطاً. استبطن هذه الصورة المريعة القادة الغربيون انفسهم، بدلالة ارتباكهم في مسلكهم الليبي الراهن، وخشيتهم من منزلقات التورط التي بدأت تلوح أمامهم. وهو ما يؤكد أن كل تدخل من هذا القبيل هو فخ حقيقي، قد يتم استصغار شأنه في بداية الطريق، ولكنه سريعا ما ينطبق على من يقترب منه ويبتلعه. ولا يمكن اعتبار أن ما يجري في سوريا من احتجاجات غريب عن الانتفاضات التي جرت وتجري وستجري في أرجاء العالم العربي. فهذا الاخير قد أعلن أنه وصل الى حد الإشباع. ولا يمكن تعيير الغرب بأنه يكيل بمكيالين، والانكفاء الى هذه الممارسة بعينها، وفق أهواء أو حتى اعتبارات شتى، حتى لو كانت تتعلق بمسألة مركزية تماماً، هي الصراع مع اسرائيل. بل، فعلى من يحرص على ابقاء هذا الصراع حياً، وعلى قيادته الى نهايته السعيدة، أن يكون فوق الشوائب، أو أن يتخفف من بعضها على الاقل! وإن لم يفعل، فثمة أسباب فعلية للشك في قدرته ـ أو في رغبته أصلاً ـ في خوض ذلك الصراع والخروج منه منتصراً. فالفساد مثلاً لا يوفر بنية مقاتلة بل وحتى قادرة على الصمود. وقد سارت الانظمة العربية طويلاً في منهج تفكيك الاشياء وعزلها عن بعضها ثم حسابها بالمفرد وفق جردة تضع الناقص هنا والزائد هناك، وتأمل بنتيجة متوازنة. وهذا غير مجد أبداً. ولا بد من مقاربة المواقف بكليتها وبتفاعل عناصرها في ما بينها. قد تسنح ظروف تتيح التفلت من هذا التطلب، ولكن التعرف الى اللحظات التاريخية يتم حين يفرض تقاطع كل المعطيات معاً نفسه على الواقع. فهل تدرك دمشق اليوم أن الامر ليس انتقاء وخيارات بل ضرورات، وتتخذ قراراً بتجنب تكرار المألوف والمطروق من قمع وتغطية وتبرير، وترتقي الى اللحظة؟ لا يوجد ما يحول دون ذلك، لا سيما أن السلطة القائمة في سوريا لديها ما تعتد به، وهذه لم تكن حال مصر مبارك ولا تونس بن علي ولا ليبيا القذافي. بل ليس من المبالغة القول إنها تكاد تكون حالة فريدة. والسؤال هو كيف ستوظف امتيازها ذاك! *نقلاً عن "السفير" اللبنانية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل