المحتوى الرئيسى

د.أشرف الصباغ يكتب: الانتقام

03/29 15:16

ما يجري في مصر الآن لا يثير الخوف أو الرهبة، بل يثير الغيظ والقرف. المصريون الآن في الشوارع والبيوت لا يخشون أحد ولا يخافون بعد أن استرد كل مصري عافيته وأدرك أن الخوف هو الميكروب الذي يزيد من فقره وعبوديته. لقد اتضح أن ثورة 25 يناير لم تكن معنية على الإطلاق بأشخاص كما تتصور الخلايا النائمة وأركان النظام السابق وجهاز أمن الدولة الذي لا يزال موجودا بكل قوته ونزقه وجبنه وقصر نظره. الثورة كانت، ومازالت، معنية بتغيير النظام كليا وبصورة شاملة. إن ما يجري في مصر الآن له عدة تفسيرات في غاية الخطورة والأهمية لكل مصري. إن طريقة التفكير التي كان يعتمدها جهاز أمن الدولة، وطريقة إدارته للأمور وتصرفاته، تجبرنا على الإيمان بأن هناك حالة انتقام جماعي من المصريين كلهم تمارسها بقايا هذا الجهاز ومن يقف خلفهم من رجال أعمال أو أركان في النظام البائد. هناك إصرار من جانب من جانب ركائز أمن الدولة وبعض أركان نظام مبارك على دق أسفين بين طوائف الأمة المصرية ذات النسيج الواحد بينها وبين بعضها من جهة، وبينها وبين الجيش من جهة أخرى. هناك محاولات، تكاد تكون خطة، للتأكيد على أن مصر بدونهم ستتحول إلى مستنقع أفغاني أو عراقي أو كلاهما. وبالتالي نستنتج، كما يريدون، أن الجيش لم يتمكن من الحفاظ على الأمن أو تلبية مطالب الشعب. ثورة 25 يناير جاءت لتؤكد أنه لا إبعاد ولا إقصاء. وبالتالي كانت، ولازالت، حتمية وضع دستور جديد يحكم العلاقة بين الشعب والدولة من جهة، وبين التيارات والقوى السياسية من جهة ثانية، وبين الشعب وهذه التيارات والقوى من جهة ثالثة، وتنظيم علاقة الفرد بما يملكه من أفكار وحقوق وواجبات وعقائد ووجهات نظر بالمجتمع ككل. الدستور الجديد هو الضمانة الوحيدة والرادع الأكثر قوة وديمقراطية وتحضرا لتحديد علاقات القوى السياسية والاجتماعية ببعضها البعض وبالناس. هذا الدستور الجديد، أو الرداء الجديد، سيعوضنا عن دستور قديم مهترئ ومليء بالثقوب التي تنفذ منها إلى الآن الخلايا النائمة وبقايا جهاز أمن الدولة ورجال أعمال النظام السابق ومن تسول لهم أنفسهم الاعتقاد بأنهم خلفاء الله في الأرض والأوصياء على أنفاس الناس وأرواحهم وعلاقتهم بخالقهم وبمعتقداتهم. إن قطع الآذان في الشوارع وفي وضح النهار، وحرق الكنائس في عز الظهر، والدعوة لتشكيل لجان من أجل التكفير، وحرق الوزارات والمباني الحكومية، والاعتداء على الساسة والمثقفين والمفكرين، وإيذاء السيدات المحجبات وغير المحجبات في الشوارع –  كل ذلك نتاج ثقافة واحدة وطريقة تفكير واحدة تخدمان وتستخدمان بعضهما البعض.لن نستخدم مصطلحات النظام البائد الساذجة والمضحكة: لا تدخل خارجي سواء إقليمي من دول عربية أو خارجي من دول أجنبية، ولا قاعدة أو جهاد أو تكفير وهجرة، ولا إخوان أو سلفيين. كل ما في الأمر أن كل ما يجري الآن على أرض مصر هو غريب على نسيجها الواحد وتاريخها وممارساتها في التسامح والحياة الهادئة السمحة والسلمية. ولكن هذا لا يمنع أن مواطنين يحملون الجنسية المصرية هم الذين يقومون بذلك ويمعنون بعناد وانتقام في إفساد كل شيء لكي يثبت البعض منهم أن البلاد بدونه لا شيء، بينما البعض الآخر يسعى إلى تثبيت أركان ما يراه نظاما ملائما للبلاد والعباد. لا اعتراض ولا استبعاد، ولكن الدستور والقانون هما الحكم والمنظم لكل تلك الأفكار والإجراءات والمحاولات حتى وإن كنا غير راضين عن بعضها. لقد فلتت تونس ومصر بلحظتهما التاريخية. ولن يتكرر السيناريو التونسي والمصري مع أي محاولات ومساعي للتغيير في أي دولة أخرى. وأعتقد أننا تابعنا تجربة البحرين، ونتابع الآن تجربة كل من ليبيا واليمن وسوريا والأردن. لا الغرب كان يعلم بأي شيء، ولا الأحزاب والتيارات والجماعات السياسية الأخرى كانت تعرف بما سيحدث في تونس ومصر. وبالتالي أذهلتهم المفاجأة، ولكن لا لدرجة فقدان السيطرة أو الرقابة ومحاولات التحكم. من هنا نرى صعوبة التغيير في كل الدول السابقة وفقا للسيناريوهين التونسي والمصري. ولا يمكن أن نتجاهل في هذا المقام انتباه الأنظمة والحكام على الرغم من أنهم يستخدمون نفس الطرق والأساليب والأدبيات الساذجة والمضحكة للنظامين السابقين في تونس ومصر. إن كتاب هذا الكلام لا تعني بأي حال من الأحوال أن نلقي بتبعة ما يجري في مصر الآن على دول خارجية، عربية كانت أو أجنبية. فكل ما يجري هو بأيدي وبترتيب وتنظيم مواطنين يحملون الجنسية المصرية. كل ما كتب أعلاه يتعلق بمرحلة مررنا بها، ونمر بها الآن أيضا. ولكنه يتقاطع حاليا مع محاولات عربية وأجنبية لإعادة الأمور إلى نصابها وعدم السماح لها بالإفلات. فإذا كانت الثورة قد فلتت، وإذا كان المجتمع قد استرد عافيته، وإذا كانت هناك طموحات اجتماعية ونقابية وشعبية لاستحداث نموذج جديد لشعوب المنطقة عموما، وشعبي مصر وتونس تحديدا – إذا كان كل ذلك حدث ويحدث، فلابد من توجيهه ووضعه في إطار لا يفسد لبعض الدول العربية حياتها الآمنة ومصالحها داخليا وخارجيا، ولا يدمر مصالح الدول الأجنبية وخططها في المنطقة عموما، وفي مصر وتونس بالذات. وبالتالي لا يمكن أن نستبعد أن محاولات ومساعي البعض (إقليميا ودوليا) تتلاقى مع ما يفعله البعض داخل مصر حاليا. كل ذلك لا يمكنه أن يحبط الناس و يثير مخاوفهم وقلقهم. على العكس، يجب أن يثير تفكيرهم وحماسهم. ينبغي أن يشعرهم بالقوة وبقيمة ما حققوه حتى وإن لم يشاركوا فيه كما ينبغي لظروف ما. إن ما يجري الآن في مصر هو انتقام شامل من المصريين بكل ما تحمل الكلمة من أبعاد. الخطير أن مصالح بعض التيارات والقوى السياسية والدينية تتماشى معه مرحليا. ولكن قد ينقلب السحر على الساحر!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل