المحتوى الرئيسى

حكامنا.. الأُسُود "علينا"!!

03/29 14:16

بقلم: المستشار فؤاد راشد للحجاج بن يوسف الثقفي تاريخ أسود في القمع والقتل، غنيٌّ عن التعريف، ويقال بأنه فرَّ واختبأ من جيش تقوده امرأة تُدعى "غزالة"، فقال الشاعر عمران بن حطان في وصف حاله:   أسد عليَّ وفي الحروب نعامة             ربداء تجفل من صفير الصافر هلا برزت إلى "غزالة" في الوغى            بل كان قلبك في جناحي طائر ولست في معرض الحديث عن الحجاج، ولا الحكم عليه، وإن كنت أميل- بحكم نفوري من الطغيان أيًّا كان نوعه أو سنده- إلى اتخاذ موقف عامة الناس منه، وهو إنكار طغيانه؛ فإنه لا بد من التسليم بأنه شخصيةٌ تاريخيةٌ مختلفٌ عليها اختلافًا شديدًا، وأن غالبية الناس يعدُّونه رمزًا للطغيان، ولكن من الناس من يراه ضحيةَ المؤرخين.   وأكتفي بذكر ما يوجبه موضوع المقال، فلقد وصفه ابن كثير وصفًا أقرب إلى الحيدة، فقال إنه كان "ذا شهامة عظيمة، وفي سيفه رهق؛ أي ظلم وهلاك، وكان يغضب غضب الملوك، وكان يكثر من تلاوة القرآن، ويتجنَّب المحارم، والقصد محارم الأعراض، وكان يعيِّن أناسًا من ذوي السمعة الطيبة لأمور الدولة"، كما أن من المسلَّم تاريخيًّا أن الحجاج قمع فتنًا شتَّى، وسيَّرَ الجيوش لفتح المشرق، وضبط أركان الدولة، وقام ببناء "واسط".   ذمَّ عمران الحجاج، ووصفه بأنه أسدٌ على المسالمين، وأنه في الحروب نعامة مرتعدة من مجرد صوت صفير, ولم يشفع للحجاج عنده لا شهامته ولا بلاغته ولا تجنبه لمحارم الأعراض، ولا تسييره الجيوش لفتح المشرق، ولا كونه يغضب غضب الملوك في عزة وإباء، ولا قمعه الفتن، ولا تعيينه رجالاً من ذوي السمعة الطيبة!.   تُرى ماذا لو عاش عمران بن حطان في زمن حسني مبارك ومعمر القذافي وزين العابدين بن علي وعلي عبد الله صالح وبشار الأسد، وغيرهم من الطغاة العرب؛ الذين لا فتحوا بلادًا، ولا عُرف عنهم بأس!! اللهم إلا في مواجهة الشعب العربي!.   إن الأصل والأساس أن الحاكم وكيل عن شعبه؛ للسهر على مصالحه، وحفظ حقوقه وأمواله، وأعراض أهله  وحياتهم، وهي مفردات تجد صداها في القسَم الذي يؤديه الحكام عند تولِّي السلطة, وهي وكالة حقيقية لها كل أحكام الوكالة, منها أن الوكيل لا يخرج عن حدود التفويض المقرر بالوكالة من قبل الأصيل، ومنها أن الوكيل يعمل لصالح الأصيل وليس لصالحه الشخصي، ومنها وجوب تقديم الوكيل كشف حساب للأصيل عن عمله، ومنها حق الأصيل في عزل الوكيل دون أن يكون معنيًّا بإبداء الأسباب.   ولا شك أن كل دول العالم تطبِّق نظرية الوكالة في الحكم على نحو نندهش له نحن أبناء العالم العربي المحكوم بالقمع السلطوي، على أن أحكام الوكالة تطبَّق في عالمنا العربي على نحو مقلوب تمامًا، فالوكيل يتحول إلى العمل لحساب نفسه وحاشية السوء من حوله، ولا يقدم كشف حساب إلا من خلال آلة دعاية جهنمية، تُزيِّف الحقائق وتُخدِّر وعيَ الناس ما استطاعت، ويخرج الوكيل عن كل موجبات الوكالة، فيراعي صالحه ولو أهدر مستقبل وطن بأكمله، وعلى سبيل المثال هل كانت لمصر مصلحة في حصار غزة؟ وهل لها مصلحة في بناء السور تحت الأرض لخنق أهلها؟ وهل لمصر مصلحة في تمويل الانفصاليين في جنوب السودان بالسلاح، وفقًا للإملاءات الأمريكية والصهيونية ولو هدَّد شريان الحياة لمصر؟ وهل لمصر مصلحة في إهداء الغاز للصهاينة تحت ستار عقد بيع، والهدف نيل الرضا لبقاء مبارك، ثم توريث ولده المرفوض من طوب أرض مصر؟ وهل لمصر مصلحة في التحريض على ضرب العراق، وادِّعاء مبارك أنه يعلم وجود أسلحة دمار شامل بها، كما نشر القائد الأمريكي (شوارتسكوف) ولم ينفِ مبارك؟ وهل كان مبارك يعمل لحساب موكليه الأصلاء وهو يسلط عليهم حبيبه العادلي وزبانيته لقتلهم وسحق كرامتهم؟   لا شك أن مبارك كان في كل ذلك وفي غيره إنما يعمل لصالحه الشخصي، وكان الثمن دائمًا خصمًا من ثروة مصر، وأحيانًا من دورها ومكانتها، وأحيانا خصمًا من كرامتها!.   ونأتي إلى أحد أهم أحكام الوكالة، وهو قابلية الوكيل للعزل, فهل يقبل حكامنا العزل بإرادة الشعوب؟   أليس مما يقع في باب (صدِّق أو لا تصدِّق) أن حاكمًا يقتل شعبًا لكي يستمر في الحكم؟.. طلب بن علي ثم مبارك من الجيش سحق المحتجين أو كما نُشر تسوية الأرض بهم، ويشير تقرير أعدته لجنة لتقصي الحقائق، برئاسة قاضٍ كبير، إلى دور مبارك الجوهري في قتل المصريين عمدًا مع سبق الإصرار بل ومعه الترصد أيضًا!, وقيل إن أحد العباقرة طلب إطلاق حيوانات حديقة الحيوان المفترسة لنهش عظام المصريين في الشوارع؛ حتى يتفرقوا ويعود الهدوء ويتفرغ السادة اللصوص لالتهام ما بقي من عظام وطن نهشوا لحمه!.   وقيل إن وزير الداخلية استحسن فكرة إطلاق الوحوش على المصريين، وراح يصف شيطانها الموحي بالعبقرية، ولكن تبيَّن استحالة تنفيذها؛ لأن الأسود قد تنهش المسالمين، وقد تأكل لحوم الزبانية أيضًا، وهم منتشرون في الشوارع لقتل المتظاهرين!! وإن كنت أرجح أن الخوف الحقيقي هو أن الوحوش كانت ستستملح لحوم كبار اللصوص؛ لأن أجسادهم الممتلئة المكتنزة بالشحوم أكثر إغراء من الوهلة الأولى, خاصةً أن بعض المحتجين ربما كانت أجسادهم النحيلة تثير شفقة الحيوانات من أثر الجوع الذي فرضه عليهم التشكيل العصابي، بزعامة القائد المهيب الركن حسني مبارك المحمي من المساءلة بالمجهول المعلوم!.   أليس من المدهش أن القذافي قد أدار حربًا ضروسًا، وأبدى استعداده لقتل نصف شعبه؛ لينعم هو وبقية الأسرة بالحكم، ويتمتعون بسهرات قيل إن ما تقاضته مغنية في إحداها تجاوز مليون دولار، بذلت من مليارات طائلة يملكها الزعيم القائد الثائر الذي يتحف الناس بما يميتهم ضحكًا لولا أنه يُقال في سياق لا مجال فيه لغير الدموع! كادعائه أنه هو العز والفخر والتاريخ والمجد، وأنه بلا سلطة، وأنه لو كانت له سلطة لاستقال!! ولا أدري من غيره يأمر المرتزقة بقتل أهلنا في ليبيا, وهل هناك رئيس بلا سلطة ليمثل العز والتاريخ ورئيس آخر يقود حرب قتل الليبيين!.   غضب الشاعر على الحجاج لأنه لم يبرز للقتال في موقعه، لا نعلم سبب الإحجام فيها, ولم يشفع له ما عُرف عنه من شجاعة وإقدام، وأنه انتصر في جميع المعارك الحربية التي قادها, ترى ما يكون حال الشاعر وحالنا نحن أمام حكام هم نماذج للذل والخنوع في مواجهة أعداء الأمة، حتى إن من المعروف أن الجنرالات في أمريكا يعانون نفسيًّا من تضخم الذات بعد الخدمة في بعض بلاد بني يعرب؛ لكثرة تصاغر الحكام أمامهم وذلهم وهوانهم في حضرة أيهم.   لم يشفع للحجاج أنه وجَّه الجيوش للفتح، فما بالنا بحكام ما فتحوا بلدانًا بل فتحوا خزائن المال للعدو، وتركوه يسبح في نهر من دم العرب في  فلسطين, حتى إن مبارك- رئيس أكبر دولة عربية- جلس يفرك يديه سعادة إبان حرب الصهاينة على غزة، ممنيًّا نفسه بانتهاء مشكلة فلسطين التي تؤرق التصاقه بالكرسي، ولو كان الحل هو ابتلاع الصهاينة لكاملها, وكانت الحرب قد أعلنت على غزة من القاهرة قلب العروبة النابض (قبل الحاكم العار وبعده).   وإذا كان الحجاج قد وصف بالنعامة لموقف واحد, وإذا كان قد دخل التاريخ من باب الطغاة رغم ما يُقال عنه إنه كان يجتهد، ويصدر عن عقيدة تبناها، ولم يعرف عنه أنه استباح مال الناس لنفسه، ولا استباح أعراضهم, فبمَ يوصف مَن استحلوا دم الناس ومالهم وعرضهم وخصوصيات حياتهم، وأباحوا ثرواتهم لعدوهم، لا لسبب إلا للبقاء على مقاعد الحكم وتوريثها للأبناء, هل نصفهم بالفئران؟ وإن وصفناهم ألا نكون- حقًّا- ظالمين؟ فالمعروف أن الفأر يضحِّي بحياته لإنقاذ الباقين، وأن الطعام المجهول يتقدم إليه قائد فأر ويأكل منه وينتظر الباقون وقتًا؛ فإن كان الطعام سامًّا نفق الفأر القائد وحده وافتدى الباقين, فالقيادة عند الفئران تضحية وليست قتلاً وسلبًا ونهبًا وجبنًا وذلاًّ وعارًا, فما أخشاه إذن أن نكون ظالمين للفئران، لما نشبه بهم الطغاة الخانعين!.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل