المحتوى الرئيسى

صور من التاريخ (1)

03/29 11:51

بقلم: أ. د/ رشاد محمد البيومي قطار الصعيد تردَّدت كثيرًا قبل أن أكتب في هذا الموضوع، فأنا بين أن أكتب ليعرف الناس، وبخاصة الشباب، ما كان يجري في المجتمع المصري من مآسٍ.. أو أن أحتسب ما جرى فيه عند الله وأختزنه في خزانة التاريخ.. حتى يكتب عنه غيري.   ولأني عايشت الأمر، وعاينت وشاهدت ما عاناه الآخرون.. ولأني أحس أنه من الضروري أن يكشف الغطاء أولاً عن ممارسات النظم البوليسية الديكتاتورية التي أدَّت إلى انهيار أمتنا وضياع مقدراتها، وثانيًا أن يتعرف الجميع على أولئك المجرمين الذين كانوا اليد الباطشة التي أذاقت المصريين كئوس الهوان.. لا سيما أن البعض منهم يظهر في وسائل الإعلام على أنه خبير وعالم بالأسرار ومصلح اجتماعي، وهو في حقيقة الأمر ملوث بدماء مَن عذَّبهم وقتلهم.   لقد انزاحت الغمة وانكشف المستور وبرزت الحقائق، ولا بدَّ أن يعرفها القاصي والداني (دونما تزييف أو تحريف)، وبخاصة شباب الثورة الذين لم يعاصروا هذه الأحداث ولم يسمعوا عنها.كان هذا في سبتمبر من عام 1965م، وكان قد تمَّ الإفراج عنِّي بعد أن قضيت مدة الحكم بالسجن التي كانت عليَّ في أحداث عام 1954م.   ففي هذا اليوم.. وكان عبد الناصر قد يمَّم وجهه نحو المعسكر الشيوعي.. ومن روسيا أعلن اعتقال كل من سبق اعتقاله من الإخوان، وكل من له صلة بالإخوان، وفي ليلة واحدة تمَّ اعتقال 18000 أخ من الإخوان المسلمين.. وكنت قد سافرت إلى بلدي في سوهاج وقبض عليّ من هناك.   تمَّ القبض عليَّ، ومعي مجموعة من إخوان سوهاج، بلغ عددهم 68 فردًا، ثم نُقلنا من مبنى المباحث العامة إلى بندر سوهاج ليلاً.. وبعد حوالي ساعتين تمَّ ترحيلنا إلى سجن سوهاج العمومي.. وخلال أربعة أيام قضيناها بالسجن تكاثرت الشائعات عن الإفراج عن المعتقلين (وبخاصة أن الكثير منهم كانت علاقته بالإخوان علاقة تعاطف ولم يسبق اعتقالهم) حتى إن "عم علي البحيري"، وهو أحد أعيان مدينة أخميم، أقسم ألا يتناول طعامًا إلا في بيته.   وفي اليوم الخامس نُودي علينا لنجلس القرفصاء أمام ضابطي أمن الدولة (محمد فريد- محمد حب)، وسجلا البيانات الخاصة لكلِّ فردٍ منَّا.   وفي المساء فُتحت الأبواب، وطُلب من الجميع الإسراع إلى خارج العنبر، ليتم ربط كل اثنين في كلابش، ثم يتم ربط كل خمسة أزواج أخرى في سلسلة.. واقتيد الجميع إلى سيارات الترحيل.   وفي الطريق من السجن إلى محطة السكة الحديد أُخليت الشوارع تمامًا، وأُغلقت المحال وشبابيك المنازل المطلة على الطريق.. وأُطفئت الأنوار.   وعند محطة السكة الحديد كانت هناك حشود من الجنود المدججين بالأسلحة بمختلف أنواعها في وضع الهجوم.   ووصل القطار (قطاع نقل الحيوانات) كانت شبابيك القطار مقفلة من الخارج بالقوائم الخشبية.. وأدخلنا إلى العربة المخصصة لسوهاج.. واستفسرنا عن وجهتنا فلم يجبنا أحد.. وأغلق باب العربة بالجنازير من الخارج.   ووصلنا أسيوط.. ومن خلال فتحات في الشبابيك رأينا إخواننا من أسيوط في طريقهم إلى العربة المخصصة لهم.   وتكرر المشهد في المنيا ثم بني سويف ثم الواسطى (لنقل إخوان الفيوم) ثم الجيزة.   إلى أن وصلنا إلى ليمان أبي زعبل.. صدرت الأوامر بالنزول فورًا إلى بوابة الليمان، وكان في استقبالنا قائد السجن العقيد فوزي خليل والنقيب سامي أبو ستيت والنقيب عثمان الجندي والملازم أسامة مازن "قوة السجن الرسمية"، أما أفراد مباحث أمن الدولة فكانوا: أحمد رشدي (وزير الداخلية السابق)، وأحمد راسخ، وفؤاد علام، وزكريا عمار.   تلا ذلك الأمر بخلع الملابس تمامًا (عرايا كما ولدتنا أمهاتنا)، وصدر الأمر أن يعصب كل منَّا عينه بأي من ملابسه.. ثم صنفنا في طوابير يضع كل منَّا يده اليمنى على كتف الذي أمامه.. وفي يده اليسرى متلعقاته، ثم صدر الأمر بالجري السريع وبين الضحكات يسمع الأصوات.. "حاسب الكهرباء- حاسب المياه- إوعى الحفرة"، فيرتطم الجميع بعضهم ببعض، ويتساقط كبار السن والمرضى وترتفع القهقهات حتى وصلنا إلى داخل السجن.. وفي المحمصة المحاطة بالأسياج الحديدية انتظرنا لمدة أربع ساعات؛ حتى تمَّ تسجيل الأسماء وصُودرت المتعلقات.. ومن تحت العصابة رأينا الإخوان معلقين على الأسوار الحديدية. (يُتبع) -------- * نائب المرشد العام للإخوان المسلمين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل