المحتوى الرئيسى

فقدان الاتجاه الاقتصادي بعد الثورة المصرية

03/29 01:34

في مجال الاقتصاد‏,‏ نظاما ونشاطا‏,‏ يبدو فقدان الاتجاه واضحا فيما يتعلق بتحقيق شعار الشعب يريد إسقاط النظام‏,‏ بعد مرور أكثر من شهرين علي قيام ثورة‏25‏ يناير‏.‏ ولعل التفسير يكمن في الطابع الفريد للثورة المصرية‏.  التي افتقدت القيادة ولا تزال‏,‏ رغم احتضان الشعب المصري وحماية القوات المسلحة للثورة وتشكيل حكومة باركتها طلائع شباب الثوار بميدان التحرير‏.‏ وتحت ضغط الثورة بدأت الملاحقة القانونية والقضائية لرأسمالية الفساد المنظم والجشع المقيت والاحتكار المستغل‏,‏ ولكن سرعان ما بدأت الثورة المضادة مستغلة المطالب الفئوية في محاصرة رأسمالية الاستثمار المنتج والربح المبرر والمنافسة المشروعة‏.‏ ولقد تهاوي نظام حكم مبارك‏,‏ بعد أن صار عاجزا عن الحكم بالطريقة القديمة‏,‏ وخاصة جراء خطيئة مشروع التوريث وجريمة تزوير إرادة الناخبين‏.‏ وصار مستحيلا أن يستمر خضوع المصريين للنظام القديم‏,‏ في ظل انفلات الفساد المنظم وانتهاك الكرامة الإنسانية وإخفاق التنمية الاقتصادية وإهدار العدالة الاجتماعية‏.‏ ولا ينكر إلا جاحد أو جاهل أن الموقف الوطني للقوات المسلحة المصرية وقائدها المشير طنطاوي‏,‏ بضغطها علي قائدها الأعلي حتي تنحي‏,‏ وانحيازها للشرعية التي يرتضيها الشعب‏,‏ وإدارتها الحكيمة لتداعيات اسقاط مبارك‏,‏ الذي يحسب له عدم رضوخه لدعوة ملحة ـ أتصور أن وراءها الوريث ودائرة منتفعيه ـ الي فتح تعبوي يجهض الثورة بحمام دماء في ميدان التحرير بواسطة جنود المظلات وطائرات الهليوكوبتر والأسلحة الفتاكة‏,‏ كما أبلغنا في الأهرام أكثر من مرة‏!‏ فكان الفتح الخائب بموقعة الجمل والمولوتوف والقناصة‏,‏ التي انتصر فيها ثوار التحرير ببسالتهم منقطعة النظير‏.‏ وقد يجدر أن أشير الي أنني بعد تردد طال قلت لا في الاستفتاء علي التعديلات الدستورية‏,‏ مدفوعا بالانزعاج من الزج بالدين حيث لا ينبغي أن يزج به في أمر من أمور الدنيا إلا باعلاء قيمه ومقاصده‏,‏ ومتضامنا مع إتاحة الفرصة لتكوين أحزاب تضم شباب الثورة‏,‏ الذين أراهم نواة قوة وطنية ديموقراطية توازن قوة المصالح الفاسدة التي يجسدها أنصار النظام القديم‏,‏ وقوة الاتجار بالدين التي يجسدها دعاة الدولة الدينية‏.‏ لكن غلبة لا في الاستفتاء لم تكن لتحل معضلة الثورة متمثلة في فقدان الاتجاه نتيجة غياب القيادة والبرنامج‏,‏ بما في ذلك غياب المنطق في إطالة فترة الانتقال وعدم الاستقرار التي توفر زخما لا يخفي لقوي الثورة المضادة‏!‏ والتناقض الظاهر في الخوف من نتائج انتخابات برلمانية متعجلة مع الدعوة الي انتخاب فوري لجمعية تأسيسية تضع دستورا جديدا‏!‏ وعود علي بدء الي موضوع المقال أقول أن مجال الاقتصاد يجسد أهم مجالات فقدان الاتجاه فيما يتعلق بأخطر مهام الثورة‏,‏ وهو بناء نظام اقتصادي جديد‏.‏ ومن المذهل حقا أن تتحدث الحكومة الجديدة عن نظام الاقتصاد الحر‏,‏ الذي روجت له أمانة سياسات الحزب الوطني‏,‏ والذي جسد الإطار النظري لإنفلات الفساد المنظم والجشع للتربح وفوضي السوق‏,‏ والذي سقط بسقوط الأصولية الرأسمالية في الأزمة العالمية‏.‏ وربما يكون الأمر وليد اختلاط المفاهيم بافتراض حسن النية وهو الأرجح في حالة حكومة الثورة‏,‏ لكن هذا لا يعفي المجموعة الاقتصادية في الحكومة من مسئولية عدم كشف التناقض في خطابها بين من يدعو الي الاقتصاد الحر‏,‏ من جانب‏,‏ ومن يدعو الي العدالة الاجتماعية وتصنيع مصر والأمن الاقتصادي القومي والإنساني‏,‏ من جانب آخر‏.‏ بيد أن الأهم هو حالة فقدان الاتجاه في الحركة الجماهيرية وفي الخطاب السياسي فيما يتعلق بالرؤية المستقبلية للنظام الاقتصادي‏,‏ وفي قلبه الدور المنشود للرأسمالية المصرية‏.‏ وقد كتبت من قبل عن النظام الاقتصادي بعد الثورة المصرية‏.‏ وحتي لا تستمر حالة فقدان الاتجاه نحو بناء نظام اقتصادي جديد‏,‏ يرتكز الي تشجيع الرأسمالية المصرية وتفعيل دور الدولة في الاقتصاد‏,‏ أكتفي بالإشارة الي الحقائق التالية‏:‏ الحقيقة الأولي‏,‏ أن السعي لتعظيم الربح قانون موضوعي لاقتصاد السوق‏,‏ لا تستطيع الرأسمالية‏,‏ نظاما وطبقة‏,‏ أن تعيش بغيره‏.‏ فلا جدال أن الربح الرأسمالي كان قاطرة التقدم‏,‏ التي نقلت المجتمعات من بؤس نظم ما قبل الرأسمالية الي عصر الثورة الصناعية‏,‏ ثم الي زمن الثورة المعرفية‏.‏ وكان تجاهل الربحية سبب سقوط الاقتصاد الاشتراكي الماركسي‏,‏ لأنه عجز عن تعظيم عائد تخصيص الموارد‏,‏ فتمخض عن عدالة توزيع الفقر‏,‏ وعجز عن رفع الانتاجية وحفز الابتكار‏,‏ وهزم في المباراة العالمية للتنافسية والتقدم‏!‏ والحقيقة الثانية‏,‏ أن سقوط اقتصاد الأوامر ـ بما في ذلك التطبيق المصري للاشتراكية ـ لا ينبغي أن ينسي الرأسمالية المصرية أن أهم نواقص السوق الحرة‏,‏ التي سقط بمعياري كفاءة تخصيص الموارد وعدالة توزيع الدخل‏,‏ هي تجاهل الربحية المجتمعية والمصلحة العامة من قبل رجال الأعمال‏,‏ وتغييب التدخل الواجب للدولة في الاقتصاد بتنظيم السوق‏,‏ وتوزيع الدخل‏,‏ والملكية العامة‏.‏ والأمر بإيجاز أن الربح المبرر والتراكم الرأسمالي الإنتخابي والتقدم الاقتصادي الاجتماعي مشروط بمواصلة دور الدولة في كبح الجشع الفردي والسعي للريع وتركز الثروة‏.‏ والحقيقة الثالثة‏,‏ أن الصورة الذهنية السلبية للرأسمالية المصرية في الإعلام والمجتمع قد وجدت لها سندا في واقع ما قبل ثورة‏25‏ يناير‏.‏ وأتصور أن تغيير هذه الصورة بعد الثورة يتطلب من كبار رجال الأعمال في مصر‏,‏ الي القبول بخفض أسعار منتجاتهم لمجابهة الركود الزاحف‏,‏ وعدم الإقدام علي طرد العمالة حفاظا علي مستويات أرباحهم‏,‏ حتي لا يدفعون نحو خفض الطلب الفعال للمستهلكين والعاملين‏,‏ ومن ثم يعمقون الركود ويهددون الربح‏!‏ ولنتذكر جميعا أن شعار‏GreedisGreat‏ أو الجشع عظيم‏,‏ الذي رفعه شارع المال الأمريكي‏,‏ قد سقط مدويا مع الزلزال المدمر للأزمة الاقتصادية التي قاد إليها‏!‏ وبداهة فإن علي الرأسمالية المصرية إدراك أن مصر ما بعد الثورة لن تقبل بالتعايش مع الفساد المنظم والجشع المقيت والإحتكار المنبوذ‏,‏ وهو ما ترفض التعايش معه جميع المجتمعات المتقدمة‏.‏ والحقيقة الرابعة‏,‏ أن الحاضر صورة المستقبل‏.‏ وبعبارة أخري‏,‏ أن فلسفة مواجهة فترة الانتقال ستحدد صورة مستقبل الاقتصاد المصري‏.‏ وإذا أردنا مجابهة تحديات الانتقال في سياق رؤية استراتيجية لصناعة مستقبل الاقتصاد المصري‏,‏ سواء قصدنا التنمية أو النظام‏,‏ فان نقطة البداية هي إدراك أن ما يقال ـ وبحق ـ عن مزية تنوع الاقتصاد المصري‏,‏ فإن ضعف مناعة الاقتصاد المصري يرجع بالأساس الي ضعف الاقتصاد الحقيقي نتيجة التخلي عن مشروع التصنيع وتراجع الزراعة وتفضيل الاستثمار العقاري علي حساب الصناعي والزراعي‏.‏ ولنتذكر أن قوة الاقتصاد الحقيقي في الصين جعلت أثر الأزمة العالمية محدودا في تراجع معدل النمو الي‏8%‏ سنويا‏!‏ وهو ما يزيد علي أحلامنا‏,‏ وأن حفز الاقتصاد الحقيقي يمثل الرافعة الأساسية التي تراهن عليها إدارة أوباما لإنقاذ أمريكا من الكساد‏!‏ وهو ما يغيب عن بالنا‏!‏ وأخيرا‏,‏ أستعير من مقال الرأسمالية المصرية في مواجهة الأزمة العالمية‏,‏ المنشور بجريدة الأهرام في‏22‏ فبراير‏2009,‏ صيحة الحكيم توما الأكويني اللهم الهمني الفضيلة‏..‏ ولكن ليس الآن‏!‏ وبكلمات أخري فإن فضيلة تعظيم الربح صار مرجوا تأجيلها‏,‏ لأن خطيئة خفض القدرة الشرائية للمستهلكين لن تدفع إلا نحو تعميق الركود‏.‏ وحين ترفض الرأسمالية المصرية هامش ربح أقل في ظروف أزمة الانتقال الراهنة‏,‏ وتواصل الحكومة دعم الطاقة للمصانع رغم تحرير أسعار المنتجات‏!‏ لن يعدو الأمر خصخصة الأرباح وتعميم الخسائر‏!‏ وهو ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي ويجعل من المستحيل كبح حركة المطالب العمالية والفئوية المعطلة للإنتاج والمضادة للثورة‏!‏ المزيد من مقالات د‏.‏ طه عبد العليم

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل