المحتوى الرئيسى

إصلاح مؤسسة الأمن وضرورة معالجة جذور الخلل

03/29 09:49

بقلم: أحمد إبراهيم محمود 29 مارس 2011 09:40:47 ص بتوقيت القاهرة تعليقات: 0 var addthis_pub = "mohamedtanna"; إصلاح مؤسسة الأمن وضرورة معالجة جذور الخلل  بالقطع لا يكفى إطلاقا ما يقوم به وزير الداخلية منصور العيسوى من جهود مخلصة، بدأت بحل جهاز مباحث أمن الدولة وإنشاء جهاز جديد بدلا منه باسم قطاع الأمن الوطنى، كما لا يكفى قط حبس وزير الداخلية السابق وبعض كبار مساعديه أو التحقيق فى الثروات الضخمة التى يمتلكها بعض كبار مسئولى الداخلية. فكل ذلك مهم جدا، ولكنه مجرد علاج جزئى لأحد أعراض مشكلة كبرى كامنة فى مؤسسة الأمن الداخلى فى مصر، التى وإن كان بعض جوانبها معلوما منذ فترة طويلة للكثير من المعنيين والمراقبين، إلا أن ما حدث خلال ثورة 25 يناير كشف عن أن أبعاد المشكلة أكبر بكثير مما كان يمكن لأشد المتشائمين أن يتخيله.فالمؤامرة المخيفة التى قام بها وزير الداخلية السابق وبعض كبار مساعديه، بمساعدة أعداد ليست هينة من المستويات الوسطى والصغرى فى هذه المؤسسة، ضد المجتمع ككل، التى تجلت بأقبح صورها يوم 28 يناير، كانت نتاجا لخلل جسيم فى الفكر والسلوك داخل هذه المؤسسة، يبدأ منذ مراحل الإعداد الأولى لأعضائها وصولا إلى أعلى المستويات القيادية بها، وهو ما جعل منها مؤسسة منفصلة عن المجتمع ومتعالية عليه، تتعامل معه بشكل أسوأ مما لو كانت قوة احتلال، وفى ظل جهل مطبق واحتقار شديد لأبسط مبادئ حقوق الإنسان، ومع انعدام الأخلاق والضمير لدى أعداد ليست بالقليلة من أفراد تلك المؤسسة.ويحتم ما سبق أن يحظى إصلاح المؤسسة الأمنية باهتمام مجتمعى كامل، باعتباره شرطا جوهريا لبناء نظام ديمقراطى، ولتوفير بيئة صالحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذ إن ممارسات هذه المؤسسة فى فترة ما قبل الثورة من تقييد للحريات وإنفاق ميزانيات ضخمة وغير شفافة والسيطرة الخانقة على المجتمع، إنما كانت تضرب فى الصميم فرص التقدم الاقتصادى والاجتماعى للمجتمع، كما كانت ببساطة تفاقم المشكلات الأمنية بدلا من أن تعالجها.وقد سبقتنا الكثير من الدول التى مرت بظروف مماثلة إلى إدراك أهمية إصلاح قطاع الأمن كركيزة جوهرية لإقامة نظام ديمقراطى حقيقى، وهناك فرع كامل فى الدراسات السياسية المعاصرة باسم «إصلاح قطاع الأمن»، بدأ ينمو ويتطور منذ سنوات عديدة، ويستحوذ على حيز رئيسى فى الاهتمامات الأكاديمية والسياسية والدولية.ووفقا للخبرات العالمية، هناك عنصران رئيسيان لإصلاح مؤسسة الأمن الداخلى هما: الالتزام بأقصى درجة من احترام حقوق الإنسان من خلال تطوير الرقابة المدنية والديمقراطية على هذه المؤسسة، وتوفير درجة أكبر من الأمن للمجتمع من خلال بناء قوة أمنية محترفة قادرة على تحقيق الأمن بأسلوب فعال وكفء وقانونى. ويصب هذان العنصران فى اتجاه تحويل عمل هذه المؤسسة من مفهوم «أمن نظام الحكم» إلى مفهوم يركز على تلبية احتياجات الأمن الحقيقية للمجتمع، وليس السيطرة عليه لحساب نظام الحكم الاستبدادى.ومن أجل تحقيق ذلك، هناك عدة شروط محورية لابد من تنفيذها، شرعت وزارة الداخلية فى القيام بالبعض منها، ولكنها تحتاج للمزيد من الجهود، بينما هناك أمور أخرى لم يتم البدء فيها قط. فقد تم البدء فى إعادة تحديد دور بعض أجهزة الوزارة، وجهود أخرى فى مجال إعادة الهيكلة، إلا أنها ليست كافية على الإطلاق، كما أن نتائجها سوف تتوقف على الاختبار الحقيقى لها من خلال الممارسة الفعلية للتأكد من جديتها.ولكن الجانب الأكثر أهمية يتعلق بتطوير الجانب المهنى، أى تطوير أنظمة عمل رجال الشرطة ومهاراتهم والمنظومة الأخلاقية التى تحكمهم، وهو جانب يعانى من خلل بالغ الخطورة بفعل ضعف الكفاءة ونقص التأهيل والفساد. ولم تكن تداعيات ونتائج هذا الضعف المهنى تقل خطورة عن تداعيات دعم تلك المؤسسة لنظام الحكم الاستبدادى، إذ كان الضعف المهنى مسئولا عن تخلف وسائل التحقيق والبحث الجنائى، كما كان وراء التورط فى ممارسات منظمة لا يمكن وصفها إلا بأنها إجرامية، مثل التعذيب والاعتقال العشوائى وسوء استغلال السلطة وأخذ رهائن من عائلات المطلوبين لتسليم أنفسهم وإهدار أبسط حقوق المقبوض عليهم.وتعتبر مسألة تطوير الجانب المهنى مهمة ومحورية لدرجة أنه لا يمكن تركها للمؤسسة الأمنية وحدها، لأنها تتعلق بمصلحة عامة للمجتمع ككل، وإنما لابد أن تتم بتعاون وثيق مع جميع الجهات الرسمية والمدنية المعنية، لاسيما المنظمات الحقوقية الوطنية التى بادر الكثير بعد الثورة بإعداد مبادرات متكاملة للمشاركة فى عملية إصلاح هذه المؤسسة. ومن الضرورى أن يتم التركيز فيها على تطوير عملية الإعداد والتأهيل منذ مرحلة الالتحاق بالكليات والمعاهد المتخصصة، وأسلوب التعامل مع الجمهور، وأساليب التحقيق والبحث الجنائى. وفى كل هذه المجالات، لابد من التركيز على تطوير المفاهيم والقيم، بما فى ذلك التخلى عن الموروثات المتخلفة من عهد الاستعمار وما قبله، التى تقوم على التعامل مع الشعب بشكل فوقى وعنصرى، مما أوجد تقاليد مازالت بكل أسف تحكم أداء الشرطة مع المجتمع.ويتبقى بعد ذلك شرط محورى سبقتنا إليه جميع الدول الديمقراطية، ويتمثل فى فصل الأمن عن السياسة، أى أن يكون وزير الداخلية مسئولا سياسيا، وليس بالضرورة شرطيا قادما من داخل المؤسسة الأمنية، طبقا لمبدأ الفصل بين المناصب السياسية والفنية، المعمول به فى أى نظام ديمقراطى. ولحسن الحظ أن لدى مصر بالفعل تراثا طويلا فى هذا المجال، حيث كان هذا التقليد معمولا به قبل ثورة 1952، كما أن لحسن الحظ أيضا أن لدى مصر الكثير من الشخصيات التى تتمتع بخبرات قضائية وقانونية عريقة تتيح لها شغل هذا المنصب الرفيع.ويحتاج تنفيذ هذه الإصلاحات المطلوبة إلى العديد من المتطلبات الحيوية الأخرى، يأتى فى مقدمتها تقوية دور المؤسسات الرقابية، المدنية والرسمية، بدءا من الإعداد والتأهيل، مرورا بوضع الميزانيات وتحديد الاحتياجات، وصولا إلى شغل المناصب العليا.ولكن قبل ذلك كله لابد أن يجىء إصلاح المؤسسة الأمنية المصرية نتاجا لإرادة سياسية قاطعة، وهى للأسف لم تتوافر حتى الآن بالقدر الواجب، ويعتبر وجودها جوهريا لبلورة رؤية وطنية شاملة، تشارك فيها جميع الإطراف المعنية. فهذا الإصلاح يعتبر مسألة شاقة وحيوية ومتعددة الأبعاد، ويتعين تنفيذه دفعة واحدة، وبشكل متكامل، وهو ما لا يمكن أن يتم إلا فى ظل قرار سياسى قاطع وتوافق داخلى واسع.إن إصلاح المؤسسة الأمنية لا يعتبر فقط شرطا جوهريا لبناء نظام ديمقراطى، ولكن أيضا للحيلولة دون العودة إلى أوضاع ما قبل 25 يناير، كما أن أى إجراءات أقل من ذلك لن تكون سوى إجراءات تجميلية محدودة لن تعالج المشكلات الجوهرية التى تعانى منها هذه المؤسسة، كما أن من غير الممكن استدرار التعاطف مع هذه المؤسسة من خلال الخطاب السطحى الذى يردده البعض الآن حول الحاجة لاستعادة الأمن بأى شكل. فالمؤسسة الأمنية جزء من بنية أى مجتمع، وممارستها لعملها ليس منة تتفضل بها على المجتمع، وإنما هو دورها الذى أنشئت من أجله، وإلا فما هو مبرر وجودها أصلا. ولا يمكن لهذه المؤسسة أن تكتسب التعاطف والاحترام إلا من خلال ممارسة عملها وفق مفاهيم وآليات جديدة، تقوم على احترام حقوق الإنسان والكفاءة المهنية والامتثال لحكم القانون

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل