المحتوى الرئيسى

عايزين "نظبط مصر" قبل الدستور والانتخابات!

03/28 21:48

بقلم: شعبان عبد الرحمن كنت أشعر بشيء مريب وراء الحالة الهستيرية التي انتابت البعض ممن كانوا يعارضون التعديلات الدستورية حتى فكَّ لي المحامي الأستاذ عصام سلطان بعضًا من اللغز، عندما كشف بالصوت والصورة مساعي فريق من العلمانيين أو الليبراليين (سمهم ما شئت) لـ"تظبيط البلد" قبل أي انتخابات حتى لا يفوز الإخوان فيها بالأغلبية، روى عصام سلطان ما جرى معه في ذلك المؤتمر الذي استضافته فيه صحيفة (المصري اليوم) قبيل التعديلات الدستورية، والذي تمَّ فيه حشد أكثر من ألفين من الجماهير، ورأست جلساته المستشارة تهاني الجبالي (من أول الأصوات التي انطلقت ضد التعديلات قبل إنجازها)، وحضرته مجموعة من الليبراليين، ودفعت تكاليفه جهة أمريكية وفق تصريحات عصام سلطان التي تمَّ بثها على (اليوتيوب).   يقول عصام سلطان: بمجرد إعلاني في بداية كلمتي عن تأييدي للتعديلات الدستورية، انهالت عليّ الشتائم والسباب من كلِّ مكان مِن قِبَل جمهور الحاضرين، وبعد أن انتهيت من كلمتي وخرجت التف حولي البعض وقال لي المخرج خالد يوسف: "بصراحة يا عصام أنت صدمتني برأيك، إحنا عايزين "نظبط البلد" قبل أي انتخابات، وقبل إعداد الدستور حتى لا يستولي الإخوان على الأغلبية"، وعلق عصام قائلاً: "هذا كان منطق الحزب الوطني، وكان منطق أحمد عز "تظبيط البلد""، انتهى كلام عصام سلطان الذي وضع بؤرة ضوء قوية على طريقة تفكير فريق مهم من الليبراليين يضم مستشارين وسياسيين وكتابًا، وتقوده صحيفة يومية في العمل بكلِّ ما أوتوا من قوة سياسية وإعلامية لقطع الطريق على الإخوان المسلمين أو لشلِّهم أو عزلهم سياسيًّا إن أمكن.   وهنا يمكنني أن أفهم سر حملة الأخبار الملفقة التي تنشرها (المصري اليوم) بين الحين والآخر، ومنها خبر قيام المرشد العام لجماعة الإخوان بتجاهل طابور الاستفتاء والدخول للجنة الاستفتاء مباشرة؛ ما قوبل بامتعاض الناخبين، وهو خبر مُلفق جملةً وتفصيلاً، وردت عليه صور المرشد العام بين صفوف الجماهير.   والتفكير بهذا الشكل يمثل خطأً قاتلاً، أقول قاتلاً لذلك الفريق وكل المتحالفين معه من العلمانيين بشتى فئاتهم والمتعاطفين معه من التيار اليساري بشتى تصنيفاته، ويبدو أن هؤلاء ظنوا عندما هرعوا إلى ميدان التحرير للمشاركة في الثورة كمصريين، وعلت حناجرهم كثيرًا عبر الفضائيات، ودوت مقالاتهم في الصحافة ضد الظلم والفساد والمطالبة بحكم ديمقراطي عادل لجميع فئات الشعب، أقول ظن هؤلاء بعد نجاح الثورة أنهم الوريث الطبيعي للحزب الوطني ومنظومة الحكم السابق، وكانت أول أفكارهم في وراثة هذا النظام هو "تظبيط البلد" لقطع الطريق على الإخوان، بالطبع فإن آليتهم في "التظبيط" تختلف كثيرًا عن الحزب الوطني التي اعتمدت الأسلوب البوليسي والضغط الأمني الرهيب، متزامنًا مع الحملات الإعلامية الشرسة، أما هؤلاء فيعتمدون على الحملات الإعلامية المضللة، ويستغلون الضغط الأمني بالدعم الأمريكي في صورة معونات لدعم الديمقراطية، فقد أعلنت الولايات المتحدة عن تقديم 160 مليون دولار دعمًا للديمقراطية، وبالتأكيد فإن هذا المبلغ المعلن مُوَجَّه لأصدقائها ورجالها في "تظبيط مصر".   لقد تولدت لدي كغيري من جموع المصريين خلال وبعد ثور 25 يناير ثقة في أن كل ألوان الطيف المصري دون استثناء ومنهم المخرج خالد يوسف بالطبع استوعب درس الثورة جيدًا، وسيمارس العملية السياسية بشفافية ومصداقية ونظافة، بعيدًا عن ألاعيب العهد السابق العفنة، وسيرضى بنتائجها مهما كانت على غير هواه، وكان الأولى بهؤلاء وقد اكتسبوا شرعية جديدة كغيرهم من الثورة ومن الشعب أن ينطلقوا من هذه الشرعية وهذه الثقة، ويتحركوا بين الجماهير لا بتلفيق القصص، ولا بالاستناد للدعم الأمريكي، ولا بتشويه الآخرين، وإنما بعرض أفكارهم ورؤاهم على جماهير الشعب المصري التي ثبت ذكاؤها ووعيها، وأثبتت أنها لا يمكن خداعها لا "بشنطة أكل" ولا بـ"شعار ملصوق على باب مسجد"، ولا أي شيء من هذه الادعاءات المغلوطة، فقد كرر هؤلاء المروجون نفس ما روجته منظومة الحكم السابق عن "كنتاكي التحرير"، وتوزيع "المائة دولار" لكل متظاهر، كرروها بشعارات أخرى، المهم أنها جميعًا تصب في تشويه الإسلاميين، وفض الناس عنهم أو تخويفهم منهم، كان الأولى بكلِّ المعارضين للتيار الإسلامي والمناوئين له بل والرافضين لوجوده من الأساس أن يمارسوا موقفهم بين الجماهير، ويروِّجوا لبضاعتهم ومواقفهم بين تلك الجماهير بشفافية ونزاهة وشرف، لكن هذا الفريق وغيره ممن على شاكلته ضيعوا- في رأيي- فرصةً كبيرةً، واستبدلوا بالتحرك بين الجماهير التحرك على الإخوان.   إن فريق "تظبيط مصر" هو نواة لتيار واسع تتفاوت درجات معارضته للإخوان، بين متخوف من الإسلام والإسلاميين عمومًا، ورافض لهما معًا، ومتشكك فيما سيفعله الإخوان مستقبلاً، ومتخوف على الثورة ومستقبل البلاد منهم، وكل تلك الصور من المواقف مشروعة لكن علاجها يكون بالحوار المباشر والشفاف أمام الجماهير؛ لتكتشف بنفسها زيف المزيفين، وضلال المضللين وصدق الصادقين، أما أن يتحرك فريق ليفكر وينفذ ما يراه وبدعم أمريكي نيابة عن الشعب كما فعل السيد خالد يوسف وفريق "تظبيظ مصر" فذلك هو الفشل.   إن كان الحزب الوطني عبر 30 عامًا ومن قبله عبد الناصر، ومن قبله حكومات العهد الملكي فشلوا في ذلك، فأنظمة الحكم الملكية والجمهورية المتعاقبة وإن اختلفت في مجمل سياساتها اختلافًا جذريًّا إلا أنها توافقت على سياسة واحدة تجاه الإخوان، وهي هي "تظبيط مصر" لقطع الطريق على الإخوان، ومن يقرأ التاريخ جيدًا سيكتشف بسهولة أن كل العهود (ملكية وجمهورية) قامت بتنفيذ هذه السياسية بإحكام، وإن اختلفت طرق الأداء، فالنقراشي مثلاً قام بحلِّ الجماعة عقابًا لها على المشاركة في حرب فلسطين، وتجريد حملات اعتقال واسعة ضدها، وعبد الناصر جرد أقسى حملات اعتقال ضدها محاولاً اجتثاثها عن بكرة أبيها، ومبارك كرَّر نفس الحملات ولكن لمحاولة شلِّ الجماعة وإجهاض تقدمها بعد أن استعصت على الاجتثاث، وقد نجحت تلك السياسات كلها على المدى القصير، ولكنها فشلت فشلاً ذريعًا على المدى البعيد، وما نشهده، اليوم، خير دليل، وكان ينبغي على ألا يخفى ذلك على ذكاء المتحركين الجدد لـ"تظبيط مصر" ضد الإخوان!   لقد ظنَّ بعض العلمانيين بعد نجاح الثورة أن الساحة باتت خالية، وأن مَن يسبق في الإسراع بالعودة إليها سيحجز المساحة التي يريد، ونسوا أن تلك الساحة ممتلئة منذ سنوات بقوى حية وفاعلة، وهو ما أثمر تلك الثورة والإخوان في القلب منها، هكذا ينطق الواقع.   إن ألاعيب النظم الشمولية الفاسدة التي تمَّ التسويق لها بشعارات تدغدغ المشاعر، لم يعد لها سوق في مصر، ولم يعد يجدي مع هذا الشعب أي محاولات "للتظبيط" فشعب قام بثورة كثورة 25 يناير أذكي وأمهر وأبرع ممن يظنون به غير ذلك.   وإن أوهام "التظبيط" تصلح لتكون سيناريو رديئًا لفيلم يحوله المخرج المبدع خالد يوسف إلى فيلم الموسم! ------------ * كاتب مصري- مدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل