المحتوى الرئيسى

> طه حسين.. والثورة

03/28 21:17

لم تعرف مصر مثقفاً في مكان ومكانة وقيمة وقامة مثل عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي كان بحق «بصيرة وطن».. لقد عاصر د. طه حسين ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول وعاصر ثورة 1952 بقيادة «جمال عبد الناصر» وكان له رأي ورؤي مع ثوار ثورة 19 وثوار 1952، ولم يرحل عن العالم إلا يوم 28 أكتوبر سنة 1973 وكانت مصر قبلها بثلاثة أسابيع قد عبرت هزيمة يونيو 1967 بأكمل وأعظم انتصار حققته القوات المسلحة في السادس من أكتوبر 1973 . طه حسين الذي خاطبه الشاعر الكبير «نزار قباني» قائلاً: عد الينا.. فإن عصرك عصر ذهبي.. ونحن عصر ثاني سقط الفكر في النفاق السياسي وصار الأديب كالبهلوان عد إلينا.. فإن ما يكتب اليوم صغير الرؤي.. صغير المعاني أيها الغاضب الكبير تأمل كيف صار الكتاب كالخرفان! إن أقسي الأشياء للنفس ظلماً قلم في يد الجبان الجبان! إن ما كتبه د. طه حسين في الأيام والأسابيع القليلة التي تلت قيام ثورة يوليو 1952 يصلح للقراءة والتأمل لأحوال مصر الآن بعد ثورة 25 يناير المجيدة التي قادها وفجرها شباب مصر العظيم. كان د. طه حسين وقرينته «السيدة «سوزان» يصطافان في إحدي القري الواقعة شمال إيطاليا في انتظار انعقاد مؤتمر لليونسكو في سبتمبر 1952 عندما قامت الثورة وظل يتابع أبناء الثورة، ومن هناك أرسل إلي الأهرام مقالاً عنوانه «صورة» ونشر بتاريخ الثاني من أغسطس الذي قال في نهايته: لقد ثابت مصر إلي نفسها في هذه الأيام الأخيرة فعسي ألا تفقد مصر نفسها مرة ثانية، إن الآمال أمامها لواسعة وإن الطريق لواضحة وإن وسائل الإصلاح فيها لمكفولة، فهل هي سالكة طريقها الواضحة المستقيمة إلي آمالها الواسعة الكريمة وهل هي آخذة أمورها كلها بالحزم والجد والعدل والانصاف لتحقق في مستقبل أيامها القريبة مجداً يلائم أيامها البعيدة، بهذا كله تتحدث نفوسنا، وتخفق قلوبنا فاللهم اسمع واللهم استجب». وفي مقال عنوانه من بعيد نشره في صحيفة البلاغ يوم الخامس من أغسطس اختتمه بقوله: إني لارجو أن تكون هذه الثورة المباركة التي ردت إلي مصر كرامتها وشرفها في وقار وأناة ونالت بذلك إعجاب العالم الخارجي قد ردت إلي المصريين ثقتهم بوطنهم وحسن رأيهم في أمتهم، وردت إليهم شيئاً من التفاؤل الذي يجلو أمام أعينهم منظر وطنهم جميلاً نقياً كريماً يستحق أن يحبه أبناؤه ويكرموه ليحبه غير أبنائه ويكبروه». وفي البلاغ أيضاً وبتاريخ الرابع من سبتمبر يكتب مقاله «كلمة» فيقول: أيتاح لنا أن نري مصر ذات يوم وقد برئت قلوب أبنائها من الحسد والبغض والحفيظة والموجدة لأنهم جميعآً يعملون ويجنون ثمرة ما يعملون لا يتسغلون بعضهم بعضاً، ولا يستغلون بعضهم بعضاً ، ولا يكيد بعضهم لبعض ولا يمكر بعضهم ببعض وإنما يعيشون كما أراد اله للناس أن يعيشوا إخوانا متصافين يدير الحب حياتهم ويظلها العدل والأمن والاستقرار. وفي اليوم التالي - الخامس من سبتمبر - يطالع قراء «الأهرام مقال عنوانه هزل وجد يقول فيه د. طه حسين. ما أشد حاجة المصريين والمثقفين منهم خاصة إلي أن يقدروا وطنهم حق قدره ويعرفوا أنه أكبر وأعظم وأبعد صوتاً من هذا السخف الذي يمعنون فيه، ليكن فلان عالماً أو جاهلاً وليكن فلان قديماً أو فصيحاً، وليكن فلان حليماً أو سفيهاً فأي خطر لهذه الصغائر الآن حين تقبل مصر علي ما هي مقبلة عليه من عظائم الأمور». وفي 14 يوليو عام 1954 وعلي صفحات الأهرام وتحت عنوان «ثورتنا» كتب طه حسين يقول: وأول ما يجب علي المثقفين من المصريين في هذ الطور من أطوار ثورتهم إنما هو أن يخلصوا لها النصح وأن يمنحوها من ذات نفوسهم ما ينير أمامها الطريق ويبين لها معالم الخير لتسير إلي غايتها ثابتة الخطي، معصومة من الخطأ بقدر ما يتاح للناس أن يعصموا من الخطأ، ولا خير في ناصح غير منصف». والشعب الرشيد هو الذي يحسن الانتفاع بتجارب الشعوب من قبله، وتجارب الشعوب من حوله فيتعجل الخير من هذه التجارب ويتجنب الشر منها ويتقي بذلك ما لم تحسن الشعوب الأخري اتقاءه من الذلل والخطل والخطأ. ولست أخشي علي الثورة كما أخشي عليها مشورة أنصاف المثقفين الذين لا يحسنون الإحاطة بما يعرضون له من الأمر. هكذا كان د. طه حسين يفكر ويكتب عام 1952 وأظن أن ما كتبه يصلح للاستفادة منه هذه الأيام.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل