المحتوى الرئيسى

باسل رمسيس : أوهام ثورة يناير

03/28 20:51

برشلونة، منذ ثلاثة أسابيع، كنت مسرعا في مغادرة قاعة المؤتمرات، بعد إحدى الندوات التي يقام مثلها الكثير، في كل المدن الإسبانية، و الأوروبية، و يتم دعوة أمثالي إليها، لإشباع رغبات المواطنين في فهم ما يحدث من ثورات و انتفاضات عربية. تم إيقافي من قبل ثلاث نساء، ليعبرن عن امتنانهن بمداخلتي. شكرتهن بأدب، و قبل أن أتركهن سألتني إحداهن: (و لكن ألا تري أن كل ما يحدث في بلدانكم تم ترتيبه من قبل المخابرات الأمريكية لتخريب اقتصادنا الأوروبي)!!! بما أن أكثر السيدات الثلاثة شبابا قد تجاوزت علي الأقل الثمانين من العمر، تصورت إن لسؤالهن علاقة بأمراض الشيخوخة. فأجبت بأدب و اقتضاب و أنا أغادرهن، بأنه ليس هناك جهاز مخابراتي قادر علي تحريك كل هذه الملايين من البشر.كنت قد عدت حديثا من القاهرة، من ميدان التحرير، و لم أكن قد اطلعت بعد علي الحوارات المسيطرة علي الأوروبيين فيما يخص ثوراتنا. و هو ما جعلني أظن بأن تساؤل النساء الثلاث له علاقة بأمراض الشخوخة. لأكتشف سريعا خطأي الفادح. و هنا لا أستثني اليسار الأوروبي، الذي ينظر إلي كل الانتفاضات و الثورات العربية الحديثة نظرة ريبة واضحة، تبدو دائما في تعليقاتهم، و أيضا في مواقفهم القليلة للتضامن معها.كان آخر هذه المواقف يوم ٢٦ مارس، في مظاهرة مدريدية، رفعت فقط شعار رفض حرب حلف الناتو ضد النظام الليبي، و لم تعبر بوضوح عن دعمها للانتفاضات الشعبية الحاصلة، و رفضها للأنظمة العربية. و بجملة قصيرة تم التعبير عن تضامن مبهم مع محاولات “العبيد” للتحرر.هذا الموقف اليساري ينسجم مع غياب الثقة الدائم، لدي قطاعات واسعة من اليسار التقليدي – الأوروبي علي وجه الخصوص – تجاه التحركات الجماهيرية، إن كانت خارج عباءة هذا اليسار، و ليس هو القائد و المحرك لها. يجب التنبه أيضا إلي أن قطاعات من هذا اليسار هي علي علاقة وثيقة، نفعية أو مبدئية، مع نظام (شافيز) الفينزويلي. و ليس بإمكانها معارضة مواقفه المعلنة من ثوراتنا العربية و بالذات في الحالة الليبية.بالعودة للقطاعات الأوسع من الأوروبيين، فسنجد بأن مواقفهم لا تخرج عن حدود التساؤل عن تأثير هذه الثورات السلبي علي المصالح الأوروبية تحديدا و سعر برميل البترول. أما لدي آخرين من المثقفين و الأكاديميين، فأن المركزية الأوروبية علي المستوي الفكري، و التي تتعايش في سلام كامل مع الأفكار الإستعمارية التقليدية، ومع فكرة الحقيقة و الحق المطلقين الذين يملكهما الأوروبي دائما، هي التي تحدد مواقفهم تجاهنا. وخصوصا حين يتعذر عليهم فهم ما يحدث بوضوح.ربما تتوجب الإشارة علي سبيل المثال إلي زيارة وزيرة الخارجية الإسبانية، المعروفة بجهلها البالغ، لمصر قبل عدة أيام. و تم تغطيتها بحفاوة المنتصر في وسائل الإعلام الإسبانية. و بأنها قامت بدعوة شباب الثورة لزيارة إسبانيا، و للتعلم من التجربة الإسبانية في الانتقال الديمقراطى!!! بالرغم من أن الكثيرين يعلمون بأن الثورة المصرية قد تجاوزت ما حدث خلال السبعينات في إسبانيا، و بأنهما تجربتان مختلفتان بالكامل. في الحقيقة لا أعرف مع من اجتمعت الوزيرة، لكنني لا أستطيع أن أكتم ضحكي حين أتذكر أن هؤلاء الشباب قد أجابوها متسائلين (إمتي ممكن نلعب ماتش كورة مع المنتخب الإسباني؟)صحفي إسباني شهير قال لي: (أنت تعطينا أخبارا شديدة السوء)، و ذلك تعليقا علي إشارتي بأنه علي الأقل، في الحالة المصرية، لم تنته الثورة بعد و أن لديها إمكانيات للتجذر، و بأنها ستستمر لأعوام. و أنه إن نجحت شعوبنا في إقامة أنظمة ديمقراطية حقيقية، فسنتوقف عن كوننا البقرة الحلوب للأوروبيين، ليس فقط في مصر، وإنما في الخليج العربي أيضا.حين نتوقف أمام ظاهرة تاريخية مثل ثورات منطقتنا، و لا نفهم ما يحدث، فإن المخرج الوحيد هو صناعة الأوهام، تعميمها، و تصديقها. في الحالة الأوروبية هي أوهام من قبيل: ثورة الفيس بووك. الشعب الذي يقوم بالثورة و ينظف مكانه. و بأننا سنظل أصدقاء للأبد. من الأوهام أيضا الإيحاء للشعوب الأوروبية، دون تصريح مباشر، بأنه ليس هناك قلق مما يحدث، فنحن في الحقيقة لنا يد به، و نتحكم في مساره.هذا النص لا يستهدف أكثر من تحفيز القارئ علي تأمل “الأوهام” المرتبطة بثورته، و إمكانيات استكمالها. ربما نكون أكثر إدراكا لنوعية الأوهام – و المطبات – التي نصنعها نحن أيضا، من أمثال: أنها ثورة شباب. خلاص بقي ما احنا خلصنا الموضوع و طردنا مبارك. علاء الأسواني أسقط شفيق. أيه ده هو الجيش بيضربنا ليه. هو شرف و حكومته معانا ولا ضدنا. الجيش و الشعب إيد واحدة. و أيضا قصة “سلمية سلمية… و حتفضل سلمية”.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل