المحتوى الرئيسى

الثورة العربية واكتشاف الذات

03/28 14:32

بقلم: د. حسن يوسف الشريف تحتاج الثورة العربية المعاصرة إلى مزيدٍ من الفحص والدرس، لاستخراج النتائج الإيجابية، وإحسان استثمارها في بناء أمةٍ عربيةٍ قوية ذات رسالة عالمية، لا تقل أهميةً عن ما أسماه الغرب بـ"رسالة الرجل الأبيض" التي حرص خلال القرون الماضية على نشرها في العالم.   لقد تعرَّضت "الذات العربية وثقافتها" إلى عملية تخريب وتدمير منظمة خلال العقود الماضية؛ من أجل إضعافها وتهميشها على الساحتين الإقليمية والدولية، ولقد مرت عملية تدمير الذات العربية وثقافتها بثلاث مراحل كبرى غير عشرات المراحل الصغرى.   كانت الأولى هو ما أسموه "الغارة على العالم الإسلامي"، وتمَّت باحتلال معظم دول العالم العربي، وخاصةً المهمة والكبرى والساحلية، وفيها تمت عملية تجهيل وتضليل وإفقار العالم العربي، وتم تدمير عملية النهضة الصناعية الكبري التي أقامها محمد علي؛ حتى تم تفكيك المصانع المصرية ونقلها إلى لندن، وأصبح العالم العربي هو المصدر الرئيسي للمواد الخام إلى دول الغرب وبأبخس الأسعار، وهذا ما ساعد على نهضة الاقتصاد الغربي وعملقته.   وهنا نذكر ملاحظتين، ذكرهما كثيرٌ من علماء الغرب ومفكريه، وخاصةً روجيه جارودي وناعوم تشومسكي، الأولى: أن ثروة الغرب الكبرى واقتصاده الضخم إنما هي نتيجة سرقة موارد وخامات العالم الثالث، والثانية: أنه ينبغي لدول العالم الثالث ألا تسدد ديونها للبنك الدولي وصندوقه؛ لأن الدول الغربية عمومًا أثناء استعمارها لدول العالم الثالث قد نهبت ثرواته وموارده، كما أن الغرب أخذ هذه الديون في صورة فوائد لهذه الديون، بالإضافة إلى أن شعوب العالم الثالث كانت أسواقًا مربحةً جدًّا لبيع منتجات الغرب.   كانت بشائر نجاح الاستعمار الغربي في تدمير الذات العربية وثقافتها مبهرة لهم، لدرجة أنهم ظنوا باستحالة خروجهم من هذه البلاد، وأنه لا يوجد مَن يستطيع مقاومتهم وإخراجهم، وخاصةً بعد أن جعلوا لغاتهم الغربية هي لغة الخطاب في كل المصالح الحكومية والمؤسسات للدول التي احتلوها، وكان الشيء المحزن لنا كعرب- نعتز بذاتنا وثقافتنا- أن الكثير من النخب العربية- إن لم يكن الأغلب- قد تحولوا إلى وكلاء للحضارة الغربية وثقافتها، يروجون لها وينشرونها وينصرونها (راجع كتاب "من يبيع مصر" د. رفيق صموئيل حبيب").   ورغم كل ذلك ظهرت المقاومة العربية ضد الاحتلال الغربي لدول العالم العربي، وتحررت بلادنا منهم، ولكن تركوا وكلاءهم يقومون بالدور بالنيابة عنهم.   كانت المرحلة الثانية هي تقوية الشجرة الخبيثة التي زرعوها قبل أن يرحلوا عن العالم العربي، وهي "الكيان الصهيوني"، فخططوا على أنه يمكن عن طريقها العودة إلى احتلال العالم العربي، فسلحوها بكل ما يملكون حتى السلاح النووي، وأرادوا عام 1956م القيام بهجوم ثلاثي بريطاني فرنسي صهيوني؛ للقضاء على نجاحات ثورة 1952م، وفشلوا في ذلك، ثم تكرر العدوان عام 1967م، وتم احتلال مساحات كبيرة من عدة دول عربية مع بقية دولة فلسطين العربية، وفي النهاية كانت مأساة التفاوض وعمليات السلام أو بمعنى آخر تطبيع العلاقات بكل أنواعها مع إسرائيل؛ ليكون وجود دولة الاحتلال الصهيوني أمرًا طبيعيًّا، ثم قيادة العالم العربي كله إلى الموافقة على هذا، وإعلانه في مؤتمرات القمة العربية "بأن السلام هو الخيار الإستراتيجي الوحيد مع الصهاينة"، وظن الصهاينة أنهم حققوا كل أهدافهم القريبة والبعيدة، ولكن الحقيقة أن المأساة الكبرى للكيان الصهيوني قد بدأت بظهور مقاومة باسلة من موضعين، كانت لا تتصور إطلاقًا أن المقاومة ستخرج منهما، وهما الداخل الفلسطيني والداخل اللبناني، ثم كانت الكارثة على الصهاينة كما يرى قادتهم؛ أن الثورة العربية المعاصرة قد قامت باقتلاع جذور أكبر أصدقائها في المنطقة "مبارك" و"بن علي"، وثورة العرب على الفساد والاستبداد منتشرة ومستمرة في طرق النجاح، وهو ما يزعجهم جدًّا.   أما المرحلة الثالثة: وهي ما أسموه "الحرب على الإرهاب"، وكانت في الحقيقة هي الحرب على الذات العربية والثقافة العربية التي تمثل حصن هذه الذات، فجففوا كل المنابع التي تقوم بمد هذه الذات بـ"غذاء الولاء" أو تمده بـ"ثقافة المقاومة"، لقد تدخلت أمريكا ومن خلفها العدو الصهيوني؛ من أجل تجفيف كل المنابع التي تقوي أو تحمي الذات العربية من الذوبان في ثقافة الآخر وحضارته؛ فتدخلوا في التعليم ووسائل الإعلام، وحتى الأزهر ومؤسساته العلمية والتعليمية لم يسلم من مؤامراتهم، واتهمه بعضهم بأنه مؤسسة إرهابية.   لقد كانت المرحلة الثانية والثالثة كما يصفها الدكتور رفيق صموئيل حبيب بقوله: "هناك مؤامرة ضد كل ما هو عربي وكل ما هو إسلامي حتى لا يوجد في منطقتنا العربية مَن يقول لهم: "لا".   لقد كانت الثورة العربية في مصر وتونس واليمن وليبيا كزلزالٍ مدمرٍ لطموحاتهم وآمالهم في القضاء على "الذات والثقافة العربية"، وخاصةً في مصر القلب النابض والعقل المفكر للعالم العربي.   لقد اجتمع الشعب المصري بكل طوائفه وأعماره وأفكاره من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في ميدان التحرير في ملحمة ملهمة ضد الفساد والاستبداد.. لم يذهبوا للتنزه في رحلة جميلة.. بل الكل كان مهددًا بالقتل إما بالرصاص أو بالدهس تحت السيارات المصفحة للطاغية حسني مبارك.   لقد أثبت هذا التجمع في ميدان التحرير أن الذات العربية وثقافتها ما زالت بخير رغم كل أنواع التضليل والتجهيل والمؤامرات والحروب التي تم تدبيرها وتنفيذها ضد الشعوب العربية.   وبعد إسقاط الطاغية وكثير من رموزه.. وانتهى الفصل الأول من قصة الانتصار على الفساد والاستبداد.. بدأ الفصل الثاني- وللأسف الشديد- بهجوم منظم على ذاتنا وثقافتنا.. إنها ظاهرة غير صحية من النخبة التي ما زالت تعيش بعيدًا عن بقية الشعب، ونخشى أن تظل بعيدةً عن أن تفهمه وتحترم إرادته الذاتية وثقافته العربية.   نرجو من هؤلاء ألا يتعالوا على شعبنا وثقافتنا، وألا يظنوا أنهم الأكثر علمًا أو فهمًا أو ثورية.. بماذا نفسر ما قاله بعضهم بأن مَن يقول "نعم" فقد خان دماء الشهداء.. ما هذا يا سادة؟!! وبماذا نُفسِّر حين يُعلن بعضهم عن امتعاضه وإنكاره لذكر المستشار رئيس لجنة الإشراف على الاستفتاء آية من القرآن حين إعلان نتيجة الاستفتاء.. أليس ثقافتنا العربية تؤمن بأن التوراة والإنجيل والقرآن كتب سماوية أم أن هذه النخبة غير عربية؟!   وسيتم الفصل الثاني في قصة الانتصار الثوري بخير إن شاء الله، ونحن على ثقةٍ بأن المستقبل سيكون للخير والعدل وللذات والثقافة العربية، فمهما كان حجم الهجوم القادم على ذاتنا وثقافتنا فلن يكون بمثل ما كان في مراحله الثلاثة قبل 25 يناير 2011م.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل