المحتوى الرئيسى

شــهادة الليـث لا يبتسـم

03/28 11:45

  حققت الثورة العربية انجازا سياسيا وحضاريا هائلا في تونس ومصر واليمن.. وسوف يسجل التاريخ هذا الانجاز في أنصع صفحاته باعتباره انتصارا لإرادة الشعب علي سلطة الاستبداد والقهر والفساد والتخلف.. لكن ما يحدث اليوم في ليبيا وما سيحدث غدا في سوريا يشق مسارا مختلفا لهذه الثورة العربية.. يأخذها من النهج السياسي السلمي الي النهج العسكري المسلح.. ومن الإطار الشعبي الوطني إلي الإطار الدولي.. حتي تضاف في النهاية فصلا جديدا في كتاب "لعبة الأمم".إياك أن تظن انني أدافع عن الأخ العقيد معمر القذافي أو الأخ القائد بشار الأسد.. كلا.. فأنا من أشد المنتقدين للنظامين اللذين يمثلان أسوأ نماذج الحكم الديكتاتوري الفردي.. ولهما الريادة في التوريث وتسلط الأسرة والعائلة والطائفة والقبيلة علي الشعب.. ومن ثم فلم يكن هناك مفر من الثورة ضدهما.. الثورة التي تسقط النظام ولا تسقط الدولة.. وتخلع الحاكم دون أن تمزق الأرض وتقسم الشعب إلي طوائف ومذاهب متناحرة.فرق كبير بين الاحتجاجات الجماهيرية السلمية وبين عسكرة الثورة وتحولها إلي حرب أهلية أو طائفية علي النمط الأفغاني أو العراقي.. حيث ان خطورة الحرب الأهلية تكمن دائما في التدخل الأجنبي الذي يؤدي إلي خلط الأوراق والأهداف وتضييع المعالم.وإذا كنا علي يقين بأن الثورة العربية آتية لما فيه صالح الشعوب ومتجهة إلي الديمقراطية والاصلاح والعدالة إلا اننا لا ننكر تخوفنا من ان التدخل الأجنبي وبالكثافة التي نراها في ليبيا حاليا ليس بريئا من الأغراض والمصالح.. ولا يسير بالضرورة إلي نفس الأهداف التي تسير إليها ثورة الشعوب.. وهنا بالضبط يجب أن ننتبه إلي الأجندات الخارجية التي يجري تطبيقها في منطقتنا العربية وفق السياسات الأمريكية المعلنة.لم يكن في ميدان التحرير أجندات أجنبية وليس في ميدان التغيير في اليمن أجندات أجنبية.. لكن التلاعب بقرار مجلس الأمن 1973 الخاص بليبيا.. وتحويله من فرض حظر جوي وحماية المدنيين إلي تدمير القوة العسكرية الليبية تدميرا كاملا يعطي مؤشرا علي ان أمريكا تمهد لمرحلة جديدة يتم فيها إعادة صياغة الخريطة السياسية والاستراتيجية في المنطقة بما يناسب طموحاتها وطموحات حلفائها الأوروبيين.. بل طموحات اسرائيل في المقام الأول.وما تحقق حتي الآن من هذه الطموحات بلغ درجة مرضية لتلك الأطراف.. فإسرائيل تحكم قبضتها علي الضفة الغربية وغزة.. وتستعد لشن عدوان شامل وشيك علي الشعب الفلسطيني بينما العرب مشغولون بأنفسهم وأوضاعهم الداخلية.. ولم يلتفت أحد منهم لهذا التهديد باستثناء مصر.وعلي أرض الواقع فقد تم شطب أية مواجهة عربية جماعية مع اسرائيل من القاموس العربي ولا تفكير في ذلك تماما طبقا لما تقتضيه الاستراتيجية الأمريكية.. بل لا تفكير حتي في مواجهة مع الكاهن الأمريكي واين ساب الذي قام خلال الاسبوع الماضي بإحراق نسخة من القرآن الكريم أمام 30 شخصا.. وكانت مثل هذه الجريمة من قبل كفيلة بأن تقيم الدنيا في عالمنا العربي والاسلامي ضد أمريكا ولا تقعدها.ان من الصعب الاقتناع بأن الحرب الدولية الدائرة الآن علي أرض ليبيا.. وأصابع الفتنة التي بدأت تعبث الآن في اللاذقية في شمال سوريا ودرعا في جنوبا تستهدف إحلال الديمقراطية ومحاربة الفساد في البلدين.. والخطر الذي نتخوف منه ونتحسب له ليس مجرد الضرب والقصف وانما الخطر كل الخطر يأتي من التغيير الذي يحدث تدريجيا في النظام العربي.. واستغلال أمريكا وحلفائها لتيار الثورة العربية لهدم الثوابت العربية وتشكيل نظام جديد يغطيها الحق في قيادة ضربات جوية لدولة عربية بمشاركة دول عربية أخري.وسوف يسجل تاريخ هذه المرحلة انه لأول مرة تخرج طائرات مقاتلة من قطر والإمارات من مرابضها إلي خارج الحدود كانت للمشاركة في ضرب دولة عربية أخري وتحت قيادة الناتو اسما وقيادة أمريكا فعلا.. بما يكسر كل قواعد التضامن العربي وشعارات العمل العربي المشترك.. ناهيك عن اتفاقية الدفاع العربي المشترك.وكانت الثورات في الماضي تقوم ضد الممالك العربية لتحويلها إلي جمهوريات والآن تغيرت اللعبة.. حيث تقوم الثورات في الدول الجمهورية بينما تتم حماية الممالك العربية وتحصينها ضد الثورات.. ولو بالقوة المسلحة.يقول الصديق د. رفعت سيد أحمد مدير مركز يافا للدراسات ان واشنطن تعمل بكل جهدها لوضع الثورة العربية في خدمة أهدافها واستراتيجيتها في المنطقة.. وينبه إلي ضرورة الوعي بأن "ليس كل ما يلمع ذهبا".. وهذا حق.. فالدعم الأمريكي للثورة العربية محكوم بمصالحها ورؤيتها وترتيباتها للمستقبل.. وفرحة أمريكا بالثورة العربية مرتبطة بقدر ما تحقق لها ولحليفتها اسرائيل من أهداف.وقديما قال شاعر العرب "إذا رأيت تيوب الليث بارزة.. فلا تظنن ان الليث يبتسم".. والليث الأمريكي لا يفتح فمه ليبتسم وإنما ليأكل ويبتلع ويهضم الفريسة.. ولنا في أفغانستان والعراق عبرة وعظة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل