المحتوى الرئيسى

"ذا مان ماشين"

03/28 02:17

إبراهيم توتونجي ليس كابوساً. شاهدتهم. كانوا أربعة. زين العابدين، حسني مبارك، معمر القذافي، علي صالح. يرتدون قمصاناً حمراء. وربطات عنق سوداء. شعر رؤوسهم ممشط بعناية. مالس لا يخرج منه الشيب الأشعث المصبوغ. أطراف «السوالف» مقطوعة، مسواة على الموس، كما في قصات شعر الأربعينات. يقفون على سلّم كمن يتجهز لصورة فوتوغرافية. صورة غلاف مجلة أو وجه أسطوانة. بدا لي أنني رأيت هذه الصورة من قبل. أو صورة شبيهة، لكنني غير متأكد. بحثت في الأدراج، في المكتبة، في الخزانة، في صندوق الاسطوانات، وعثرت عليها. كانت صورة فريق الـ«كرافتورك» الموسيقي الألماني، الذي ساهم في سبعينات القرن الماضي، وبداية الثمانينات، في نشر الموسيقى «الالكترونية» في العالم. «ذا مان ماشين» اسم الأسطوانة الصادرة في العام .1978 لم أكن قد ولدت بعد. لكن الشبان الأربعة رالف هوتير، فلوريان شنايدر، كارل بارتوس وولفجانغ فلور بدوا في الصورة، مفعمين بالأمل والحرية والتغيير. لم تكن حقبة السبعينات قد هضمت أفكار وفلسفات وثورات العقد السابق بعد، وكانت روح الثورة لا تزال تسري في نفوس الشباب حول العالم، تدعوهم للتغيير فبادر شباب الـ«كرافتورك» (بالألمانية تعني محطة الكهرباء) بتقديم مشروعهم الموسيقي الجديد الذي أثر في أجيال لاحقة. ولكن ماذا يفعل الأربعة، البائد منهم والماثل على أرواح تزهق وجماجم تجمع، في هذه الصورة لهم ذات نظرة الموسيقيين الألمان. وذات الهندام،. حين رأيت غلاف الأسطوانة للمرة الأولى،. قلبت الأسطوانة وتفقدت عناوين الأغاني: «الرجال الآليين»، «أضواء النيون»، «ميتروبوليس»، «مختبر الفضاء». بدت كلها أغان لموضوعات متلائمة مع تلك الحقبة الزمنية التي تميزت بالاختراعات الآلية والاكتشافات الالكترونية واختراق الفضاء. لم يكن هناك حفلات ماجنة لمصاصي الدماء، على غرار أفلام هوليوود. بدا عالماً الكترونياً يحتفي بالجنون والتغيير. أفتش على الانترنت. أبحث عن هذه الصورة. أربعة رجال بقمصان حمراء. تورد موسوعة ويكيبيديا ان غلاف الأسطوانة متأثر، من الناحية الفنية، بإعمال فنان روسي اسمه «ال ليسيتزكي». هذا أثر في شيوع الطابع الفني للحركة الجديدة في أوروبا خلال النصف الأول من القرن الماضي. كما أنه من أوائل من ابتكر أساليب أسست فيما بعد لتأثيرات الغرافيكس على الفوتوغراف والفنون بمجملها، وتحديداً الفنون الشعبية (البوب). أقرأ انه كان يهودياً خصص جزءاً كبيراً من حياته لنشر الثقافة اليهودية بين الأطفال في روسيا المعادية لليهود آنذاك. كما انه أصبح في بداية العشرينات سفيراً ثقافياً لروسيا في ألمانيا، مما عرف الجمهور الألماني والأوروبي على أعماله. لا يعرف الأربعة شيئاً بالطبع عن فريق «كرافتورك» ولا عن أسطوانتهم الشهيرة «ذا مان ماشين»، ولا عن غلاف الأسطوانة المتأثر بالفنان الروسي اليهودي، لكن شيئاً ما في دماغي جمعهم في كابوس، ينحصر في الأحمر ومص الدماء! *نقلا عن"البيان" الاماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل