المحتوى الرئيسى

الثمن الفاضح والفادح‏!

03/27 23:47

حكم القيصر إيفان كان كل من ديمتري وفيرا شقيقين في صدر شبابهما‏,‏ يعيشان مع أبيهما بيتر الذي يمتلك فندقا يتولي إدارته‏,‏ يقع علي الطريق المؤدي إلي سجون سيبيريا‏.‏ ولأن تصور الرجل كان قاصرا لذا لم ينتج معني ضرورة التواصل الاجتماعي في اتجاه التضامن والمشاركة مع الآخرين ممن حوله‏,‏ وقبول المسئولية العامة تجاههم‏.‏ بل أنتج معني وحيدا تجلي في مخاتلة الأحداث والحقائق‏,‏ حتي لا يتحمل أية مسئولية في علاقته بالآخرين‏,‏ مستهدفا الانفتاح علي الحسابات النفعية التي تحقق مصالحه الخاصة‏.‏ ان هذا الموقف العاري من المنظور الاجتماعي‏,‏ قد شكل لدي بيتر حالة من المصالحة السلبية في قبول الجور والمآسي الاجتماعية التي تصيب الآخرين‏,‏ دون مشاعر إنسانية‏,‏ واحساس بالمسئولية‏,‏ استنادا إلي اقتناعه بنوع من السلام الضرير الذي يهجر المجتمع بأحواله‏,‏ وينصرف عن البشر وما يصيبهم بترديد تسويغات خادعة‏,‏ منها أن المرء لن يستطيع أن يحمل علي كتفه هموم الآخرين واعباءهم إضافة إلي متاعبه‏,‏ وأيضا مقولته الدائمة ما شأني بهذا الموضوع؟ أنا لم أخلق العالم‏,‏ فليرعه خالقه الكريم‏,‏ وأبونا القيصر لكن ديمتري وفيرا لم يذعنا لرغبة أبيهما بتكرار أسلوب حياته‏,‏ تطلعا إلي آفاق رؤية أوسع يصوغها الانخراط الواعي في مستويات الحياة الاجتماعية من حولهما‏,‏ تفعيلا لخارطة المشاعر الإنسانية‏,‏ والاحساس بالمسئولية العامة تجاه الآخرين‏.‏ ان هذا الوعي قد استولدته أسئلة الواقع من حولهما‏,‏ إذ كانت تتوقف عند فندقهما قوافل المعتقلين والسجناء من المعارضين لاستبداد القيصر‏,‏ في طريقها إلي معسكرات موت الاحياء في سيبريا‏,‏ فكانا يتأملان مسارات اهلاك البشر‏,‏ عندئذ كانت تضج أسئلة الواقع‏:‏ لماذا هذا المصير الفاجع والمعمم علي الناس؟ لماذا الاصرار علي جور الحقوق‏,‏ والوأد لحرية الناس؟ لذا رفض ديمتري العمل مع أبيه في إدارة الفندق‏,‏ أو اعتناق العدالة للجميع‏,‏ في حين ظلت فيرا إلي جانب أبيها‏,‏ لكنها اعتنقت منظومة قيم وأفكار تتمحور حول الحق والحرية التي تعني نقد المواقف وتغييرها‏,‏ انطلاقا من المسئولية العامة‏,‏ تطلعا إلي تحرير الواقع من حولها‏.‏ ضاق الأب بتلك الآراء والاختيارات لابنائه واستنكف أنهم لا ينهجون نهجه في الحياة‏,‏ فهو يؤكد أنه نجح في حياته بدون تلك الآراء‏,‏ إذ المال عنده هو البديل لكل شيء‏.‏ ويوما توقف فوج من السجناء عند الفندق‏,‏ فرحب الأب بالكولونيل وجنوده‏,‏ احتفاء بالعائد من الأموال‏,‏ في حين راحت فيرا تطعم السجناء وتواسيهم‏,‏ بوصفهم عشاقا للحرية عجزوا عن الحصول علي ما هو أفضل لمجتمعهم‏,‏ وأصبحوا يتحملون ما هو أسوأ بضياع مصيرهم‏,‏ وفجأة حملقت فيرا في شخص بينهم يخفي وجهه‏,‏ فتعرفت فيه علي أخيها ديمتري فطلب إليها الا تخبر اباهما حرصا علي حياته وأخبرها أنه انضم إلي جماعة تتحزب لتحرير روسيا من قمع القيصر‏,‏ وجنون استبداده‏,‏ فتبرع لها بكل أموال تكاليف دراسته‏,‏ وقد ألقت الشرطة القبض عليه‏,‏ وسيذهبون به إلي قبر الاحياء في سيبريا‏,‏ أصرت فيرا علي هروبه‏,‏ وأن تحل مكانه‏,‏ رفض ديمتري مشحونا بارادة من يعرف مصيره ولا يهابه لكنه شدد عليها أن تثأر له فأقسمت علي ذلك‏,‏ ناولها ورقة بعنوان الجماعة في موسكو لتنضم إليها‏.‏ تري هل كان ديمتري يدرك ان القيمة لا تتجسد إلا عندما يضحي الإنسان بحياته من أجلها؟ تهيأ الكولونيل للمغادرة فسلم كيسا من النقود إلي صاحب الفندق الذي راح يعد المال‏,‏ لاهثا بشكره‏,‏ لكنه فجأة لمح ابنه ديمتري خارجا من الباب وسط السجناء‏,‏ فانهار الأب‏,‏ وتعالت صرخاته تتساءل عن مصير ابنه‏,‏ ووثب خارج قناعاته السابقة كافة‏,‏ عارضا ان يشتري حريته بما يريدون‏,‏ وراح يلقي بأموال الكولونيل علي الأرض‏,‏ مستنزلا علي النظام الحاكم اللعنات والشتائم هل أدرك الأب معني ان ابنه ـ دون أن تعميه مصالح شخصية ـ ضحي بحياته لمواجهة سلطة مطلقة تبيح انتهاك حدود استحقاقات وطنه وحرية مواطنيه؟ لكي تنتقم فيرا التحقت بجماعة العدميين الذين يتأسس ميثاقهم علي أنه لكي يتمكنوا من حل التناقضات‏,‏ فان عليهم التضحية بالبراءة والحياة‏,‏ لذا جعلوا القتل مبدأ لهم‏,‏ امتثلت فيرا وأقسمت بأن عليها ألا تحب أو تدع أحدا يحبها‏,‏ الا تشفق علي أحد‏,‏ ولا تطلب الشفقة من أحد ألا تتزوج ولا تدع أحدا يتزوجها حتي يأتي اليوم الموعود‏,‏ ذلك لأن القيصر المطلق القوة يتصدي باصرار الجنون المتسلط رافضا مطالب الاصلاح من معارضيه‏,‏ حتي بعد ان تعرض للاغتيال أكثر من مرة‏,‏ وضاقت سجون روسيا بما وسعت‏,‏ كما أصدر القيصر أوامره بأن يعرض علي الملأ عمليات اعدام معارضيه‏,‏ في مشاهد درامية‏,‏ ترويعا بالمصير المنتظر لأمثالهم‏,‏ وأيضا أطلق سراح ابنه من محبسه الذي استمر فيه لمدة ستة أشهر‏,‏ ليريه مشهد اعدام عدد من جماعة العدميين‏,‏ ويبدو كأن كيان القيصر قد أفرغ من إنسانيته‏,‏ وكذلك الأمراء من حوله‏,‏ المهمومون بصنوف الملذات وبتفاصيلها‏,‏ فهم يمثلون نظاما اجتماعيا مبهما‏,‏ إذ يعلنون الازدراء للشعب ويرون أنه لا حقوق له‏,‏ وان الرصاص هو استحقاقه‏,‏ بل يؤكدون ان الديمقراطية الصحيحة هي أن يكون كل فرد فيها ارستقراطيا‏,‏ وتتبدي مسوخ هذا النظام الشيطاني في مشاعر قادته‏,‏ التي تطفح بغلو معقد يتجلي في أن يسير أحدهم بعربته في شوارع المدينة‏,‏ ليري ملامح المقت وعلامات الكراهية نحوه‏,‏ ترتسم علي وجه الناس‏,‏ فيشعر بسلطته وبمكانته‏,‏ بأنه رجل واحد ضد ملايين من البشر‏.‏ كان ولي العهد يجادلهما بعمق قناعاته المناهضة للعنف والاستبداد‏,‏ الحليفة للحياة الزاخرة بالديمقراطية والعدل‏,‏ المنتصرة لاستحقاقات الشعب التي ينفيها القيصر والأمراء معا‏,‏ فاكتسب كراهيتهم وارتاب علنا أبوه القيصر في أمره‏,‏ لذا فإنه دوما ما كان يأمر بحبسه في سراديب القصر‏,‏ لكنه كان يستطيع الهروب خارج القصر متخفيا‏.‏ أتراه كان يبحث عن منهج يتبعه في مواجهتهم؟ ان جريمة هذا النظام المسخ تتحدد في ممارسة ذلك الطغيان الاجتماعي الذي أحال الحياة إلي قفر وجدب فغدا التنعم بالكراهية يلقي الدعم‏,‏ وصار التنعم بالحب يقارب المستحيل‏,‏ والشعور بالمسئولية العامة أصبح جرما يحاكم الناس عليه‏.‏ هذه المهانة الجماعية التي تكرس للكراهية تصدت لها جماعة العدميين بمنشوراتها المروعة التي اخترقت مخدع القيصر‏,‏ وقصور الأمراء‏,‏ فأجج ذلك جنون القيصر وهياجه المستمر‏,‏ وتعاظمت وحشيته وافراط قمعه‏,‏ خاصة بعد أن أصبحت فيرا احدي قمم جماعة العدميين‏,‏ بما أنجزته من اغتيالات لشخصيات نافذة فشكل وجودها هدفا مشتركا لملاحقتها من شرطة موسكو‏,‏ وأوروبا كلها‏.‏ صحيح أن سخطا شديدا كان لدي الناس‏,‏ وأيضا لدي النخبة ضد القيصر ونظامه‏,‏ لذا نجحت الهجمات التآمرية علي النظام من جماعة العدميين‏,‏ لكن تري هل يمكن أن يكون ذلك ما شجع أليكسي ـ ولي العهد ـ علي الانضمام إلي العدميين‏,‏ غير كاشف عن هويته‏,‏ مدعيا أنه طالب بكلية الطب‏,‏ ليواجه نظام أبيه القيصر بالتآمر عليه؟ صحيح أن القيود التي تحرم من الحب‏,‏ تحرم الإنسان من أهم ما يميزه وهو الحق في الحب‏,‏ وصحيح أن فيرا قد أقسمت علي عهد العدميين بألا تحب‏,‏ لكن الصحيح أنها في لحظة أحست بالاستمتاع الحقيقي بفرحة الحب التي لا يعدلها أي بديل في الكون‏.‏ لقد أحبت فيرا رفيقا لها من العدميين هو أليكسي ولي العهد المتخفي‏,‏ حاولت ان تبعده عن الجماعة بتعليلات كثيرة‏,‏ فلاقت منه إيمانا باستحقاقات الشعب‏,‏ وكذلك حرصا مشوبا بغموض مشاعر مغزاها هو الحب‏,‏ فراحت فيرا تقاوم ذلك الحب وتطارده حيث في داخلها يتعايش إلي جانبه ذلك القسم القيد‏.‏ أتراها تستطيع مقاومة ذلك الحق والاستغناء عنه؟ اجتمع العدميون في مخبئهم يناقشون إعلان القيصر الأحكام العرفية‏,‏ بإيعاز من الأمير بول رئيس الوزراء أحد أهم رءوس الفساد‏,‏ حيث تتجلي تداعياتها في لجم تحركات العدميين وتعطيل خطط هجومهم‏,‏ وفجأة يعلن أحد الرفقاء أنه اقتفي أثر أليكسي فاكتشف أنه دخل القصر القيصري بسهولة كأنه أحد سكانه‏,‏ لذا فقد اتهمه بالتجسس علي الجماعة‏,‏ فطالب الجميع بقتله‏,‏ رفض أليكسي الاتهام الجائر‏,‏ في حين راحت فيرا تدافع عنه بحرارة اليقين‏,‏ وكأنها تحاول استبقاءه بعيدا عن القتل‏.‏ تري أليس الحب هو ذلك الشعور الطاغي لدي المحب‏,‏ بأن يحاول دوما أن يسعد من يحب؟ في أثناء نقاشهم اقتحمت الشرطة اجتماعهم‏,‏ فوضع الجميع الأقنعة علي وجوههم‏,‏ كأنهم ممثلون يتدربون علي أدوارهم‏.‏ انتصب الجنرال مع جنوده موجها إليهم أمر القبض عليهم‏,‏ فإذ بـأليكسي يرفع القناع عن وجهه‏,‏ كاشفا للجنرال عن هويته‏,‏ فتراجع منحيا أمامه‏,‏ مستمعا إلي تفسيره بأن تلك جماعة من الممثلين‏,‏ وأن وجوده معهم أحد تجليات مغامراته المتكررة‏,‏ فانصرف الجنرال بعد الاذن له انطوي الاتهام وتألق أليكسي إذ توج الحب علاقته بـفيرا حين أسعدها بإنقاذها‏,‏ عندما عاد أليكسي إلي القصر‏,‏ واجه القيصر‏,‏ ورئيس الوزراء الأمير بول معارضا الأحكام العرفية‏,‏ مدافعا عن حق الشعب في حريته‏,‏ فأعلن القيصر أن الشعب لا حقوق له‏,‏ وانتفض صارخا مدافعا عن سلطته المطلقة‏,‏ متسائلا كيف له أن يراجعه‏.‏ اعترف أليكسي بأنه أحد العدميين المعارضين له‏,‏ فأصدر القيصر أمرا باعتقاله‏,‏ وأن يؤخذ إلي الساحة ليرموه بالرصاص متوعدا الشعب بعذابات ستحاصره ولن يطيقها واتجه إلي الشرفة‏,‏ فإذ برصاصة ترديه أرضا ميتا‏.‏ بعد أن توج أليكسي قيصرا نفي إلي فرنسا الأمير بول رئيس الوزراء المخطط لكل الخراب والشرور والكراهية‏,‏ فإذ به يتصل بالعدميين‏,‏ ويعرض عليهم أموالا لقتل القيصر أليكسي انتقاما مما فعله به‏,‏ فتقبل الجماعة العدمية مطلبه ـ وهي تعرف عن يقين دوره بالنسبة إليها ـ لذا فان قبولها يجعلها وجها لوجه مع تناقضاتها‏.‏ وتوكل الجماعة مهمة القتل إلي فيرا بأن تتسلل إلي القصر وتطعنه‏,‏ وتلقي بالخنجر الملطخ بدمه من النافذة ليلتقطه العدميون المنتظرون وان لم تفعل فسوف يصعدون إليها لمساعدتها‏.‏ ولأن الاشياء وحدها هي التي لا تمتلك طاقات محتملة‏,‏ ولا انفعالات‏,.‏ ولا ادراكا للحقوق‏,‏ لذا فان فيرا عانت من جراء ذلك التكليف صراعا أثقل وجودها‏,‏ فقد تسللت إلي القصر‏,‏ والتقت أليكسي فتجلي في لقائهما فيض الحب الذي هو حق إنساني خاص‏,‏ إذ لا يقدر أحد أن يحب بديلا عن أحد‏,‏ أو يستشعر الحب نيابة عن أحد‏.‏ طلب إليها أن تتزوجه فوافقت‏,‏ وفجأة سمعت صيحات العدميين يطلبون اشارة قتلها له‏,‏ فأخرجت خنجرها وطعنت نفسها‏,‏ وألقت اليهم بالخنجر من النافذة ملطخا بدمائها لتنقذه‏,‏ وعندما سألها أليكسي عما فعلته اجابته وهي تحتضر‏,‏ أنها انقذت روسيا‏.‏ أتراها أنقذتها من اغتيالاتها بنجاحها في استردادها إنسانيتها؟ لا خلاف أن أوسكار وايلد‏(6581‏ ـ‏0091)‏ في مسرحيته فيرا أو العدميون قد انطلق من القاعدة التي تؤكد أنه كلما ازدادت شدة شعور المواطنين بشأن جدارة نظامهم السياسي ومؤسساته‏,‏ قل احتمال شعورهم بالثورة عليه‏,‏ لذا فانه في مسرحيته ادان نظام الحكم الذي يستولد الكراهية في نفوس مواطنيه‏,‏ ويشحذها بالافراط في اغتصاب استحقاقات الناس‏,‏ وممارسة الوحشية والاستبداد‏,‏ مستعذبا شذوذ الاستمتاع بتلك الكراهية لما تحققه من الاحساس بالتعالي المنفصل عن جموع الشعب‏,‏ كما أدان أيضا جماعة العدميين لتعاليها علي الإنسان بانكارها المطلق للشفقة‏,‏ والرحمة‏,‏ والحب‏,‏ وهو ما يعني الشر المحض الذي رهانه الانتقام‏,‏ والمحكوم بايديولوجيا القتل المفتتن بالموت‏.‏ لكن تري هل في القرن الحادي والعشرين‏,‏ مازالت هناك أنظمة حكم تستولد كراهية مواطنيها‏,‏ وتصر علي الاستمرار في السلطة‏,‏ استعذابا واستمتاعا بتلك الكراهية‏,‏ تعاليا علي جموع الشعب‏,‏ مهما كان الثمن فاضحا وفادحا؟ المزيد من مقالات د.فوزي فهمي

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل