المحتوى الرئيسى

> رياح التغيير والجامعة العربية

03/27 21:17

علي مدار عقود تواجدت جامعة الدول العربية كتكتل إقليمي فرعي أريد له، علي الأقل نظريا، أن يعكس الإرادة العربية المشتركة بحثا عن موقع يتناسب مع إمكانيات المنطقة وأهميتها علي الساحة الدولية، إلا أن القراءة المتأنية لتاريخ الجامعة والتفاعلات التي دارت في أروقتها تظهر ما يلي: 1- منذ البداية كان من الواضح أن الجامعة وفرت مسرحا لصراعات عربية-عربية أطلق عليها بعض المحللين الغربيين "الحرب الباردة العربية"، وقد تجلي ذلك في الخلافات بين توجه ثوري قادته مصر بزعامة جمال عبد الناصر وآخر محافظ تزعمته المملكة العربية السعودية. 2- كان من الضروري علي الجامعة أن تتأقلم مع الوضع القائم علي الساحة العربية لتكون انعكاسا للنظام العربي الرسمي بجميع نقائصه ونقاط ضعفه، وأصبحت الصيغ التوافقية تمثل المخرج الوحيد للتعامل مع هذا الواقع بما يعنيه ذلك من مواقف يغلب عليها الطابع الخطابي أكثر منه العملي وتفضيل الحلول الوسط بما يحيطها من غموض علي المواقف الصريحة التي تعكس إرادة واحدة ومشتركة للتعاطي مع المواقف والأزمات. 3- في الوقت الذي كان فيه القرار العربي نتاج توازنات بين المواقف السياسية للنظم القائمة، افتقر الأمين العام للجامعة للقدرات اللازمة التي تمكنه من لعب دور ملموس في التعامل مع القضايا العربية من خلال موقف يمكن وصفه بالموقف العربي، وقد تجلي ذلك بوضوح أبان الأزمة التي نشبت بين عراق صدام حسين والكويت في أعقاب انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية، فعلي الرغم من أنه تم إقحام الجامعة في الخلاف بين الدولتين من خلال مذكرات سياسية تم توجيهها إلي الأمانة العامة، بل وتوزيعها علي العواصم العربية، تتضمن الاتهامات والاتهامات المضادة، لم يكن في وسع الأمين العام للجامعة آنذاك إلا التنقل بين بغداد والكويت بحثا عن تسوية ما في ضوء افتقاره إلي أدوات التأثير علي المواقف سواء من خلال الترهيب أو الترغيب. 4- شكل احتلال العراق للكويت عام 1990 وما أعقبه من تدخل دولي لوضع نهاية له، بداية النهاية لقدرة الجامعة علي حصر الخلافات والمشاكل العربية في نطاق عربي، بل كان من الواضح أن الجامعة لم تكن مهيأة أو قادرة علي التعاطي مع مثل هذه الأزمات مما قاد إلي التدويل من أجل الوصول إلي تسوية لم يكن من شأنها أن تصب بالضرورة، علي المستوي البعيد، في صالح العمل العربي الجماعي المشترك، ومنذ ذلك التاريخ أضحت قرارات الجامعة تعكس توازنات السياسة العربية والدولية وبات من الشائع الحديث عن مواقف عربية رسمية لمعسكر أُطلق عليها صفة "الممانعة" وآخر عُرف تحت مسمي "الموالاة" في إشارة واضحة للمواقف العربية من السياسات الأمريكية في المنطقة خاصة فيما يتصل بالأزمة اللبنانية والقضية الفلسطينية. 5- اتسمت الدعوات والمشروعات المقدمة تحت مسمي "إصلاح" الجامعة، فإنها شأنها شأن سياسات "الإصلاح" داخل الدول العربية بالافتقار إلي المصداقية أو الرؤية الواضحة والمخلصة لمستقبل العمل الجماعي العربي المشترك، وحتي وإن عكست بعض المقترحات أفكارا وتوجهات جديدة كان مصيرها الاصطدام بالمعارضة الصريحة أو الضمنية من قبل النظم السياسية القائمة أو الاحتفاظ بها في أرشيف المنظمة تحت مسمي "المزيد من البحث والدراسة" من خلال لجان فرعية. 6- عجزت الجامعة عن تحديد موقف عربي جاد من سياسية "المعايير المزدوجة" التي مورست من قبل القوي الخارجية تجاه قضايا المنطقة وفي مقدمتها الصراع مع إسرائيل، ففي الوقت الذي أعلن فيه أمينها العام أن عملية السلام قد "ماتت ودفنت" استمرت بعض النظم العربية في مساعيها "لإحياء" العملية السياسية التي كان من الواضح أنها لن تقود إلي أية نتيجة انطلاقا من المعطيات القائمة وفي مقدمتها تشرذم المواقف العربية، وفضلا عن ذلك فإن التهديد بخيار اللجوء إلي الأمم المتحدة لم يكن من شأنه أن يحقق الاختراق المطلوب في ضوء الانقسام الواضح في صفوف النظم العربية حول طبيعة الخطوات التالية لاستخدام واشنطن لحق النقض في مجلس الأمن ضد أية مشروع قرار جاد يهدف إلي التسوية أو علي الأقل تحديد المسئوليات. وفي ضوء ثورة الشارع العربي علي نظمه الرسمية، والتغييرات المنتظرة علي طبيعة وشكل السياسات الخارجية لنظم يراد لها أن تعكس إرادة الشارع، يظل التساؤل مطروحا: هل يمكن للجامعة العربية بشكلها الحالي وسجل انجازاتها وإخفاقاتها أن تبقي بمنأي عن الواقع العربي المُعاش، أم أن التغيير يجب أن يطالها خاصة أنها تمثل انعكاسًا مباشرا للواقع العربي؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل