المحتوى الرئيسى

ثورة المدن العربية ..بقلم:زياد هواش

03/27 19:18

ثورة المدن العربية .. على أنظمة القواعد العسكرية والأمنية الأمريكية لا يمتلك النظام الرسمي العربي في زمن الثورات الحتمية، أي قابلية ولو بسيطة حتى، باتجاه الإصلاح أو بالتعبير المهذب التطوير، إن خياره الوحيد هو "القمع". لقد بُني هذا النظام عبر عشرات مستمرة ومستقرة من السنين، على قواعد القمع (الجسدي والنفسي والاقتصادي والديني). ونجح في بناء هرمية مؤسساتية سلطوية حقيقية ولكنها واقفة ثم معطلة، وفي بناء طبقة اجتماعية حاضنة حقيقية ولكنها فاسدة ثم مافيوية. البنية الواقفة والمعطلة للنظام الرسمي العربي أعطت للثوار العرب مساحات الحركة، وفساد ومافيوية طبقته الاجتماعية الحاضنة، فتح في تلك البنية الصلبة ممرات التغيير الثوري لإسقاطه من داخله. دخلت الأنظمة الرسمية العربية دوامة الثورات واضحة المقدمات والملامح، دخولا بدا للوهلة الأولى مفاجئا وصادما حتى، بسبب تعطل (الحساسات الاجتماعية) سواء منها الأحزاب الخشبية الجمهورية أو الحالة القبلية الملكية، ويعود هذا التعطل في أسبابه المباشرة إلى أرضية مشتركة خلقتها تلك الأساليب الأمنية البوليسية والفساد المافيوي في طول بنية وهرمية السلطة وعرضها. (الطبقة المتوسطة العربية الحرّة والنظيفة)، الجيدة الثقافة والصادقة الانتماء الوطني، والقادرة على الاستقلال الاقتصادي النسبي والعيش خارج دائرتي الأمن والفساد، والتي تمتلك الخبرات الحقيقية في الميادين كلها، والتي استهدفها النظام الرسمي العربي على مساحة الأقطار والكيانات، والتي استبدلها بصنيعته المسيخة (الطبقة المتوسطة العربية الفاسدة والقذرة). هذه الطبقة الحرّة والنظيفة، أخلت ومنذ دائرة العام 1970 الساحات كلها لهذه الطبقة الفاسدة والقذرة، وفي مكان ما، وبالرغم من كل شيء، فعلت خيرا. والآن , تخرج الأجيال القائدة للثورة العربية , من رحم هذه الطبقة الحرّة والنظيفة، التي ابتعدنا عن طريقها نحن الآباء العرب الأحرار الخائفين، وتركناها تخرج لتنتصر على أجيال السلطة العربية المولودة من رحم تلك الطبقة الفاسدة والقذرة، التي تحاول عبثا الدفاع عن آبائها الصهاينة العرب الاستعماريين. عبّر وعبَر، "الوعي الصعب" لحتمية التغيير في بلاد العرب من خلال جسد الثائر العربي العظيم "البوعزيزي"، لو تعلم يالبوعزيزي ماذا فعلت من أحرقت من أيقظت من استنهضت أي نار أشعلت في هشيم العرب الأبدي. الثورة العربية، (ثورة المدن العربية) ثورة استقلالية لإسقاط النظام الرسمي العربي الصهيوني، وثورة اشتراكية يحاربها أغنياء الفساد ومشغليهم الإسرائيليون والأمريكان، وثورة ديمقراطية تواجه نظاما ديكتاتوريا أمنيا، وثورة سلمية تمتلك وعيها وأدواتها، وثورة مدنية تمتلك حداثتها وقابليتها الحركية. الشعب العربي، يريد إسقاط نظام (المَلكية المطلقة) المعلنة أو غير المعلنة، ويريد استعادة الجمهورية الغائبة أو المغيّبة، وبناء النظام البرلماني. بلا مقدمات تحولت ساحات المدن العربية المقهورة والمسحوقة إلى ساحات صراع ثوري حقيقي بين "أحرار العرب" وبين "صهاينة العرب". بل صراع وجودي، بين جمهورية ثورية عربية وبين ملكية بوليسية صهيونية، لقد أُجبر النظام الرسمي العربي على استخدام آخر وأخطر أدواته (الجيش الوطني) في داخل المدن العربية، بعد أن حوله إلى (جيش الأغنياء) الذي يحاصر المدن العربية. قرارين، لا يمكن لحكام القواعد العسكرية الأمريكية الشرق أوسطيين اتخاذهما، متى يأتي أحدهم إلى السلطة، ومتى يذهب منها وكيف. في جغرافية النفط والغاز والأنابيب والممرات البحرية الإستراتيجية، النظام الرسمي الشرق أوسطي الأمريكي المُتحد في البنية والجوهر، تقوده (القاعدة الاستخباراتيه الأم إسرائيل)، وجيوش الأنظمة الفرعية فيه، تتكامل، لتخدم (الإستراتيجية الاستعمارية الأمريكية) المتداعية. ولذلك، هي (ثورة المدن العربية) بتوصيفها الصحيح، على الهيمنة الأمريكية الشرق أوسطية المباشرة، بقيادة الكيان اليهودي إسرائيل. ثورة على الإدارة الأمريكية (الأمنية_الاقتصادية) المافيوية الفاسدة والقذرة، للعالم كله، بعد انهيار المؤسسات الرأسمالية بحتمية قوانينها الناظمة لعملها، أمام الإغراق النقدي للدولار الورقي لأسواق العالم، (دولار لعبة المونوبولي)، ثم محاولة تعويم هذا الدولار عبر المضاربات الأمنية_النفطية تحديدا. لقد سرق الأمريكان المدن العالمية كلها عبر عملاء محليين غرباء ومتغربين، وتثور اليوم المدن العربية المنهوبة لطرد عملاء أمريكا منها، لذلك اتجهوا جميعهم بغريزة الوحش الجريح إلى إحراق هذه المدن العريقة بأحرارها. نظام القواعد العسكرية الأمريكية عبر النفط والعالم، يواجه وسيواجه، سكان المدن الشرق أوسطية الثائرين, في (حرب كونية ثالثة تستعر)، لإنهاء أو تجديد عصر الألف عام الاستعماري. في المدن العربية، وتحت استمرارية تيار القهر اليومي والسلب اليومي لمافيا هذا النظام الرسمي العربي، قطبي دارة الضغط الاجتماعي، حدث (الصدع الطبقي الحاد)، وانزلقت صعودا سرطانيا بذور الفساد وهبوطا حادا بذور الثورة، لقد تحول الآن القلق الأمني والسياسي إلى قلق اجتماعي ثوري لا يمكن تجاهله أو تجاوزه، في بيئة متخمرة كانت تحتضن دائما أدواتها الثورية ووعيها الجمعي، وصارت تعيش لحظتها التاريخية وتمتلك قادتها الميدانيين الشباب. الفساد المافيوي الرسمي العربي أفقر بشدة الشريحة الأكبر من الشعب العربي وبحدة متزايدة سكان (مدن الملح العربية)، وحول التربة الاجتماعية إلى تربة يابسة قابلة لالتقاط أي شرارة، بانتظار زمن الحرّ "البوعزيزي" وقد جاء زمن العربي "البوعزيزي" أخيرا. والفساد السياسي الرسمي العربي الفاقع، (فساد جامعة الدول العربية)، وتمرير وتشريع وتسويق التآمر على الشعب العربي كله في مسرحيات دموية متتالية: تحرير الكويت وتدمير العراق مرتين، وسقوط بغداد ورمزيتها التاريخية العربية والإسلامية بيد الغزاة انطلاقا من القواعد العسكرية الأمريكية في بلاد العرب، وصولا إلى التآمر على المقاومتين الإسلاميتين في لبنان وفلسطين. لقد أحدث المشهد التآمري الممتد منذ العام 1991، القطيعة النهائية بين الشعب العربي وبين النظام الرسمي العربي، ولم يبقَ هناك طريق آخر إلى التغيير المُلحّ والثورة، وبكل الأثمان والتضحيات المُستحقة. لقد سقطت كل الأقنعة عن كل الوجوه، وهدمت كل الجسور وقطعت كل وسائل الاتصال وتعطلت كل تلك التفاهمات الناعمة، بين الجميع. ثائر عربي الآن وغدا، في مواجهة صهيوني عربي، في كل مدينة وحي وشارع وزقاق. بل لقد عاد الشارع العربي من المحيط إلى الخليج، ليضع القضية الفلسطينية، قضية العرب المركزية المُغيّبة، (أيقونة كرامة) على صدر ثورته. الحالة الاستعمارية الأمريكية في جغرافية الشرق الأوسط، والتي تحولت، وبسبب ضحالة مستوى حضارة العقل الأمني الأمريكي، وانعدام خياله، وشدة فرديته وذكوريته العنصرية البيضاء، إلى (أداة التغيير الحتمي غير الواعية)، لفعل الثورة. بسبب تحول المشهد الرسمي الشرق أوسطي إلى مشهدية انغماس بل سعار جماعي غير واعي في الطقس الدموي البدائي لما صار يعرف بـ (عبادة أمريكا) كبيرة آلهة (ديانة الاستعمار) الوثنية والغرائزية. ولكن الشباب العربي الثائر اليوم، وصاحب المصلحة الحقيقية في الثورة والتغيير، سكان هذه البلاد الأصليين، هم (أداة هذا التغيير الحتمي الواعية). أهمية ثورة المدن العربية، أنها ثورة في المركز وليس في الأطراف، في (الجغرافيا المفتاح) للتحكم والسيطرة الأمريكية المباشرة، على الشرق الأوسط النفطي وعلى العالم الإسلامي، وبالتالي على الاقتصاد العالمي. ولذلك هي قاسية وعنيفة هذه الثورات العربية في مواجهاتها التصاعدية الحادة والمباشرة، وهي تنتشر في الجغرافيا العربية، والشرق أوسطية تاليا، لتواجه قوى (تراكم الفعل الاستعماري التاريخي) في كل زاوية وعند كل منعطف. ولذلك هي ثورة (وعي جمعي تاريخي ومستقبلي) أيضا، إنها ثورة كسر حاجز الخوف والصمت، والخروج لاستعادة القيم الحضارية والإنسانية، في الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية، ثم الديمقراطية وبناء دولة القانون والعدالة الاجتماعية. وهي لذلك أيضا، (ثورة الأبناء على الآباء)، ثورة الشباب العربي الحرّ الواعي الشجاع، على بنية العقل الذكوري العربي الفردي الخائف. لقد أطلقت تونس فعل التغيير الثوري، وأطلقت مصر فعل الثورة المدنية، وتطلق البحرين فعل الثورة الاستثنائية، وفي ليبيا واليمن تنطلق الثورة العربية بأبعادها العقائدية كلها. ثورات المدن العربية (تتكامل وتتفاعل وتحمي بعضها البعض)، وفق اصطفافها الطبيعي، كساحات مترابطة لشعب عربي واحد، في مواجهة تاريخية عظمى، مع الاستعمار الأمريكي وتوابعه وأدواته المحلية، حراس النفط والأنابيب والمرافئ والممرات البحرية على الأرض. عظمة ثورة تونس أنها حطمت رهاب الخوف الأمني الصامت، وعظمة ثورة مصر أنها حطمت رهاب الخوف البوليسي الفاجر، وعظمة ثورة ليبيا أنها حطمت رهاب الخوف العسكري الراسخ، واليوم وغدا تكرّس ثورتي اليمن والبحرين المنتصرتين حكما، دخول الشعب العربي كله إلى المستقبل. هذا النظام الرسمي العربي لم يعد يمتلك في مواجهة ثورات المدن أي خيار سلمي، وكذلك هو حال هذه الثورات الآن. فالنموذج الثوري الأكثر عنفا ثوريا وعنفا سلطويا صار مسرحه اليمن، والنموذج الثوري العربي الأكثر ترويعا صار مسرحه البحرين، والمحاولات السعودية المستميتة لمحاولة ضبط إيقاع الثورتين البحرينية واليمنية لمنع انتشار النار في النسيج الاجتماعي المتصل في جزيرة العرب وعلى جانبي مملكة آل سعود تحديدا، ستقود إلى حتمية انتقال الثورة بأسرع مما يتخيله الجميع، إلى داخل بلاد الحرمين الشريفين، إلى الرياض، أهم وأخطر معاقل الصهيونية العربية أمنيا، وقاعدة التمويل الرئيسية للحروب الأمريكية الاستعمارية القذرة. لقد أسقطت المدن العربية المنتصرة اليوم على حكامها الصهاينة ومن أيديهم، كل الأدوات الاستعمارية، التقليدية منها، متمثلة بالتلاعب الطائفي والمذهبي والقبلي والعشائري والطبقي الرخيص والمبتذل والوضيع فعلا، والأمنية منها، متمثلة بالإرهاب السلطوي الحاد والمباشر على مدار اليوم والأيام، والحديثة منها متمثلة بوسائل الاتصالات والإعلام شديدة الحضور وقدرة الاختراق لكل العقول وكل الخصوصيات. هذا ما قاد وسيقود، في الأشهر القادمة للثورة العربية الطالعة ربيعا حتميا في جغرافية بلاد العرب، إلى (مواجهات ميدانية في كل مكان)، بين شباب عربي خرج سلميا للتطوير، وفشلت الأنظمة كلها في استيعاب حركته التاريخية، واتجهت إلى إرهابه وتخويفه تقليديا بدون أي رحمة أو خيال، فألبسته بذلك قسريا ثياب الميدان، وأجبرته على البحث عن بندقية. قد تبدو همجية وبدائية للغاية، أساليب القتل المباشر، الفردي والجماعي، التي تمارسها وستمارسها، ميليشيات النظام الرسمي العربي، الحزبية القبلية والأمنية والبوليسية والعسكرية، والمرتزقة العرب والمسلمين والإسرائيليين والأجانب. ليس لأن النظام الرسمي العربي مجرد نظام همجي وبدائي، تعبر أدواته القمعية عنه بصدق ووضوح، بل أكثر من ذلك هناك عين استعمارية وحيدة في بنية (العقل الاستعماري الرسمي العربي الواحد)، ينظر من خلالها إلى الشعب العربي كله على أنه أمر شاذ وطارئ في هذه الجغرافيا، وهو غريب عنها لاجئ عليها، وغير جدير بالحياة فيها، يمكن إبادته وتدمير مدنه، بل يجب الآن القيام بذلك. هذا يعني أن الحالة الاستعمارية تحتضر وتنتحر، والحالة الثورية تتقدم وتتكرس. وأن الرأسمالية انتهت، وولادة العالم الجديد بدأت، والبشرية تنتقل إلى المفاهيم الكونية الرؤية والاتساع، ومن الطبيعي أن يبدأ كل شيء محلي من الأطراف، وكل شيء عالمي من المركز، والمركز هو هذه المنطقة العربية، تلك قصة الجغرافيا، وما يحدث هو (حالة تحول) تاريخية حتمية عظيمة وكونية، لا يمكن وقفها أو تعطيل مفاعيلها وتداعياتها وارتداداتها، وفي زلزال اليابان عبرة. وما سيحدث محليا عربيا، ليس مؤامرة، وليس حربا أهلية، وليس استجلابا للقوى الاستعمارية، بل هي ثورة استقلالية اجتماعية عربية حقيقية لمدن الملح العربية العطشى للحرية، يحاول عبثا وقفها، وبوحشية متصاعدة الحدة، وبكل الوسائل والسبل، الاستعمار المحلي والعالمي. ثورة عربية لها أعماقها الإنسانية وأبعادها الكونية، في انطلاقتها، نهائية نجاحها، وفي استمراريتها، تلقائية انتشارها. 19/3/2011 سوريا العربية / زياد هواش ..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل