المحتوى الرئيسى

اليابان الساحرة بقلم:داود البوريني

03/27 18:47

اليابان الساحرة ▲ داود البوريني هكذا الميكادو قد علّمنا أن نرى الاوطان اماً و أبا هذا البيت الجميل للشاعر حافظ ابراهيم هو اول ما علق في ذهني من هذه القصيدة الانسانية الرائعة التي ودّع فيها الشاعر صديقته اليابانية التي انطلقت إلى بلادها عند سماعها باندلاع الحرب اليابانية الروسية سنة 1905، كان هذا في اواخر خمسينات القرن الماضي ونحن مازلنا في المرحلة الابتدائية، في تلك الايام أيضا بدأنا نتعرف على اليابان بطريقة سلبيه عن طريق الافلام الامريكيه عن الحرب العالمية الثانية والتي قدمت الياباني كإنسان في غاية القسوه ولا تنسى أيضا قصة أرنست همينغواي جسر على نهر كواي والتي لم تقترب كثيرا من الياباني حتى تقدمه بطريقه لائقه بأن تقوم بالتمييز بين الانسان العادي والانسان الجندي الذي ينفذ أوامر تصدر له في أقسى ظروف يوجد فيها انسان تحت النار، بين الموت والحياة أو النصر والهزيمة، قطعا فالحرب غالبا ما تظهر أسوأ ما في البشر من صفات وأنا شخصيا مع احترامي لأكاذيب هوليوود شبه المتقنه لا أعتقد بأن الجندي الاميركي كان افضل حالا من الجندي الياباني في تلك الحرب فقد رأيناه على حقيقته قاسيا ومتوحشا في اليابان نفسها في هيروشيما وناجازاكي وكوريا وفيتنام والدومنيكان والعراق، ثم بدأنا نرى الياباني من خلال صناعاته التي بدأت ترد إلى بلادنا في تلك الفترة والتي عانت كثيراً من المنافسة الاوروبية الشديدة والنقد الاوروبي اللاذع والذي لم يكن له من الحقيقة أي شيء فقد برهنت الصناعة اليابانية أنها تتفوق نوعا على مثيلاتها الاوروبية أن لم تتساوي معها ولكن بنصف السعر تقريبا ولازلت أذكر تعليق السويسري السيد جوزيه جوليتا نائب المدير العام في شركة نجار في ثمانينات القرن الماضي عن الانتاج الياباني حين علّق قائلا بأن العامل الياباني يتقاضى أقل من نصف أجر العامل السويسري لكنه يعطي ضعف إنتاجيته وهذا قطعا ما صنع الفرق. كان الصف أمام ضابط الجوازات في مطار ناريتا طويلا في تلك الظهيره من أيار 1986 في زيارتنا الاولى لليابان وبناء على دعوة مميزه من الشركة لنا ومعنا نحو 700 مدعو آخر، كان الصف طويلاً، وهو طويل جداً لمن وصل بعد 20 ساعة طيران متواصلة من باريس عبر لندن إلى طوكيو عن طريق الاسكا في الولايات المتحدة، لكن صبرنا لم يطل إطلاقاً فقد كان انجاز العمل سريع جداً وأول ما رأينا من اليابان كان الابتسامة المشرقة لضابط الجوازات والاستقبال الطيب، كان كل شيء قد تم إعداده اعتباراًمن باريس، لم نهتم للحقائب التي وجدناها في غرفتنا في الفندق ومعها هديه جميلة لكل واحد منا.. انا قليلا ما اشاهد اطفالي الثلاثة وزوجتي أسّر صديقي السيد تاشبكاوا وعندما سألته ان كانوا يقيمون خارج طوكيو أجاب بأن لا، نحن نعيش معا وكذلك ، يعيش معي والداي وكلاهما في الخامسة والثمانين ولكن والدي ضريراً وحركته بطيئة جداً وحسب التقاليد اليابانية فوالداي يعيشان معنا في نفس الشقة البالغة 68 متراً مربعاً وتقوم زوجتي على خدمتهما أيضا، أنا أغادر البيت في الساعة السادسة صباحاً للذهاب إلى العمل وأبنائي نيام وعندما أعود بعد العاشرة مساءً يكونون نياما أيضا فلا يبقي لي سوى أيام السبت والاحد لكن كما تعلم فأنا أعمل في التصدير وأسافر كثيراً خارج اليابان وهذا السفر غالبا ما يكون يوم السبت أو الاحد .. انا آسف يا صديقي انا لن أستطيع لقائك غدا لأنه يتوجب علي أخذ أبنائي إلى المدرسة وعندما سألته كيف يكون هذا وغدا هو السبت أجاب أن السبت هو لدروس التقوية فالانسان الياباني حتى يحصل على عمل مميز يجب أن يتخرج من جامعة مميزة والتي تتطلب معدلات عالية جدا وامتحانات حقيقية وهذا لن يكون دون تخرج كفؤ من الثانوية العامة ودون تركيز على تعليم الطفل ابتداء من مرحلة الروضة في عمر الثالثة، هذه اليابان يا صديقي والتنافس العادل على أشده، كان هذا ما قاله زميلي السيد كوباياشي في ذلك المساء الرائع في روبونجي . لقد زرت اليابان الجميلة مرات عديدة آخرها كان سنة 1999 في تموز تلك السنة توفي والدي رحمه الله، في شهر آب حضر أحد مدراء الشركة اليابانية من هولندا إلى عمان في زيارة لمدة يومين فقط وكانت معه دعوة لي ولزوجتي لزيارة اليابان، الدعوة في اليابان يعني تذكرة السفر أولا وثمانية أيام بسبعة ليال يتواضع أمامها كرم حاتم الطائي، في كل مرة كنت أزور اليابان كنت أكتشف أشياء وأشياء مثلاً هل تعلم بأن لدى اليابان احصائية عن انتاج البلاد من الارز لثلاث آلاف سنة الماضية؟ وهل تعلم أنها ترفض استيراد الارز من الخارج حتى بنصف تكلفة انتاجه؟ في اليابان أيضا عندما تدخل إلى بيت ياباني في الريف سوف تجد لائحة بأسماء مختلفة، هذه ليست شجرة العائلة بل أسماء الأشخاص الذين ساعدوا صاحب البيت في بناء منزله ( عونه )وذلك حتى يقوم هو لاحقا أو احفاده بالقيام بالواجب تجاه من ساعدوه في بناء البيت، أكثر من ذلك في زيارات تسعة إلى مدينة طوكيو شاهدت رجال الشرطة مرات قليلة جداً، رايت شرطيا في كابينة الشرطة Police Box في الطريق من جينزا إلى اكاسوكا لكن إياك أن تعتقد بأن البلد فلتانه ففي ذات منتصف ليله حصلت مشكلة في جينزا وفي أقل من خمسة دقائق كانت هناك أكثر من عشرة سيارات نجده في المكان، شرطة لا تراهم إلا عندما تحتاجهم، طبعا نسيت أن أقول أنه في تلك الايام وربما إلى الآن لم اشاهد يابانيا واحدا بلباس الجينز وغالبا ما يكون مرتديا ربطة العنق صيفا وشتاءً. أنا أعمل وأتعامل مع يابانيين منذ نحو الاربعون عاماً لم يكذب فيها علي أو يحاول خداعي واحد منهم، لم يخلف أي منهم موعداً ولم يخن امانه، أنا على يقين أن كل انسان في هذا العالم مدين لليابان بصورة أو بأخرى، بشكل مباشر أو غير مباشر فقد ساهمت اليابان بشكل فعال في معظم الاختراعات التي تهتم بصحة الانسان وبرفاهيته وبجعل حياته أكثر سهولة ومتعه، كما ان لم تتخلف عن تقديم المساعدات التقنية والمادية للعديد من شعوب الارض التي احتاجت لمثل هذه المساعدات . اليابانيون في أغلبيتهم الساحقة أي نحو 97% هم بوذيون واتباع ديانة الشنتو أيضاً، يذهبون إلى المعابد المنتشرة مرات قليلة طيلة حياتهم ولكنهم من الناحية الجوهرية الانسانية في تعاملهم واخلاصهم لا يقلون عن اتباع الكتب السماوية الحقيقيين صدقاً وأمانة. في الرحلة الاخيرة إلى اليابان بعد أن ارتفعت الطائرة ما يكفي من مطار اوساكا الممتده مدرجاته بعيدا في المحيط في أعجوبة هندسية وكان اتجاهنا إلى شمال غرب اوروبا في طريقنا إلى لندن بدأت تتراءى في ذلك الطقس الصافي القرى والبلدات اليابانية الرابضة على سواحل المحيط، بلدات تمتد على شريط ساحلي ضيق، المحيط الجبار من امامها والجبال العملاقة الشديدة الانحدار من خلفها، جبال مكسوه بالغابات لا يساعد انحدارها على أي زراعة جيده او ربما حتى بناء، في هذه البلدات الوادعه يعيش قسم كبير من أبناء الشعب الياباني الشجاع الذكي، هذه هي البلدات التي ربما شاء قدرها أن تتلقى تلك اللطمه الجباره من قبضة التسونامي، قبضه هائله بارتفاع عشرة أمتار وعمق مئات الكيلومترات على عرض كيلومترات كثيرة أيضاً، بعد ذلك الزلزال المدّمر والتسونامي المرعب أصيب اليابانيون بذهول للحظات ولكن ما كاد وقع الصدمه أن ينتهي حتى بدأوا جميعاً واولهم حكومتهم بالعمل بأقصى سرعة وأعلى درجات الشجاعة لتجاوز آثار غضبة الطبيعية القاسية لقد مرّ نحو العشرة أيام الآن على هذه الكارثة الانسانية الهائله وأنت ترى فيها اليابانيون بهدوء وكبرياء وعزيمه يواجهون آثارها المدمرة، لقد فاجأ اليابانيون العالم مرّه أخرى بهدوءهم وصبرهم وعزيمتهم وشجاعتهم، شجاعة الكاميكازى وكبرياء الهيراكيري، دأب السلاحف وحكمة الرهبان لن تهزم امام الصعاب والكوارث ابداً، بلاد عوضها الله عن الثروة الطبيعية بالذكاء والحكمة والقدرة الهائلة على التنظيم والعمل الجماعي والصبر على الشجاعة سوف تنتصر. كان الرجل الياباني الشجاع يقف امام حطام منزله منتظرا فرق الانتقاذ قائلا لقد نجوت أنا من الموت لكن والدي العجوز ميت تحت الانقاض وانا لا استطيع أن أقوم بأي شيء قبل دفن والدي، دموع كبرياء مختفية ووفاء عزّ نظيره وقوة إراده لا تنكسر هذا ما أراه في اليابان واشعر به واعيشه . مثل معظم هذا العالم فقد هزتني الكارثة الطبيعية التي ضربت اليابان مؤخرا وقد اعتصرت امواج التسونامي قلبي وكافة مشاعري إلى النهاية، كان صعب جدا على مشاهده الناس الذين وفي دقائق قليلة قد فقدوا كل ما يمكلون أو معظم ما يملكون ولكن الاهم قد فقدوا أحبتهم الذين لا سبيل لتعويضهم، ادعوا الله أن يساعد اليابان على تجاوز هذه المحنة وأن يخفف عن المصابين ويسارع من شفائهم، اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل