المحتوى الرئيسى

إمبراطورية "فيسبوك"

03/27 14:28

سالم خميس الشاعر ذات يوم عادي من أيام جامعة هارفرد في الولايات المتحدة، أوائل عام ‬2004، انكبّ الشاب مارك زوكربيرغ، ‬19 سنة، ابن السنة الثانية في الجامعة، على تصميم موقع إلكتروني أراد منه أن يكون قناة للتواصل وتبادل المعلومات بين الطلبة. وقبل ذلك بأيام، كان الشاب نفسه يجالس ثلاثة من زملائه من طلاب السنة الرابعة، حيث تناول الحديث أفكاراً محتملة لإنشاء موقع إلكتروني يحظى بإقبال كبير، وينضم إلى قائمة المواقع القليلة التي حفرت مكانتها بقوة في عصر الإنترنت. لم تكن شخصية مارك توحي بأكثر من كونه مولعاً بالإنترنت إلى درجة الانطواء، وكثيراً ما كان شارداً في دنياه الافتراضية. كان شارداً إلى الدرجة التي يمكن وصفها بالاغتراب الاجتماعي، تلك الحالة النفسية التي تفضي إلى الانسلاخ عن الواقع. لكن الشاب لم يكن مغترباً ولا منسلخاً عن واقعه. كان يسترق السمع بإمعان واهتمام، وكان يختزن في وعيه وفي ذاكرته كل ما يتداوله زملاؤه الأكبر سناً، عن المشروع الكبير الذي لم تتبلور معالمه بعد. التقط الشاب أول الخيط، وانسحب بهدوء إلى عالمه الخاص، وما هي إلا فترة قصيرة حتى استطاع لملمة تلك الأفكار المسترقة والمتناثرة، في النسخة الأولى من المشروع الذي سيملأ الدنيا ويشغل الناس تحت اسم (The Facebook). خلال سنوات قليلة تحول الموقع إلى ظاهرة «طوفانية»، وبات الفيسبوك أكثر من مجرد موقع أو شبكة تواصل، لقد أصبح ثقافة قائمة بذاتها؛ ثقافة لها أصولها ولغتها ومفاهيمها، ثقافة ستجعل الملايين من اليافعين حول العالم في حالة أشبه بذلك الشرود الظاهر على مارك، وهو يرقب بحواسه «الست» كل ما يدور من حوله، ويختزن باستشعاراته الذكية ما يجري، في انتظار اتخاذ قرار لا يتوقعه أحد. تم كل ذلك على بعد آلاف الأميال منّا، فكم استغرق الأمر قبل أن نصبح نحن جميعاً جزءاً من ذلك العالم المتخيل (أو الافتراضي) الذي تراءى في ذهن الصبي مارك؟! يكشف تقرير أكاديمي صدر قبل أيام في دولة الإمارات، عن معلومات مثيرة تصلح كإجابة شافية عن هذا السؤال، وتضيء على الدور الواسع للفيسبوك في حياتنا. من تلك المعلومات (مثالاً لا حصراً) أن عدد العرب الذين يشاركون بشكل نشط على الفيسبوك، يزيد على ‬21 مليوناً. والحقيقة الأكثر إثارة، تتمثل في أن عدد مستخدمي الفيسبوك العرب لم يكن قبل عام واحد فقط، أي في يناير ‬2010، سوى ‬12 مليوناً، أي أن العدد ارتفع بنسبة ‬78٪ خلال العام الأخير. هل ثمة شيء يعبّر عن مفهوم الطوفان أكثر من هذا؟ لعمري إنه طوفان حقيقي. لاحظوا هنا اختلاط الحقيقي بالافتراضي، وهذه إحدى النقاط التي أود تسليط الضوء عليها، والتي أشار إليها التقرير المذكور. فقد بلغ الفيسبوك (وأخواته) من التأثير في عالمنا الواقعي، مبلغاً جعل حياتنا نفسها مزيجاً مما هو واقعي وما هو افتراضي. ولا أظن أني بحاجة إلى سرد الكثير من الشواهد عن مدى تأثير الفيسبوك وجيل الفيسبوك، في مجتمعاتنا العربية.. انظر حولك، وستجد من تلك الشواهد الكثير. ماذا يعني كل ذلك؟ في رأيي أنه يشي بأمور كثيرة، لعل من أهمها أن جيل الفيسبوك الذي يبدو غارقاً وشارداً في عوالمه الافتراضية، هو أكثر وعياً بالواقع مما نعتقد. إنهم يلتقطون الأفكار والرؤى المتناثرة من حولهم، ويحسنون إجراء المقارنات بما أوتوا من قدرة على التواصل مع العالم بأسره. وهم، وإن كانوا قليلي الكلام وكثيري التحديق في شاشات الكمبيوتر، فهم ليسوا مغتربين ولا شاردين. كل ما في الأمر هو أنهم أبناء زمانهم بقدر ما هم أبناؤنا، لهذا يتصرفون مثل مارك زوكربيرغ. شئنا أم أبينا، ثمة مسحة من شخصية مارك زوكربيرغ في الغالبية من أبنائنا؛ جيل الفيسبوك. وقد يرى بعضنا في ذلك نذير شؤم، وقد يراه آخرون فألاً حسناً. تختلف الرؤى، لكن من الصعب أن تجد من يجازف بالدعوة إلى حجب الفيسبوك انطلاقاً من مقولة «الباب الذي تأتيك منه الريح». إن محاولة من هذا القبيل لن تزعج مارك زوكربيرغ أبداً، فقد اتسع «الطوفان» حتى باتت مواجهته عبر إقامة السدود الصغيرة، نوعاً من العبث. الحقيقة التي أودّ التوقف عندها، هي أن الفيسبوك يمكن أن يكون تياراً جارفاً يسرق جيلاً بأكمله، من واقعه وثقافته، بقدر ما يمكن أن يكون تياراً مولداً لطاقة عظمى تنهض بالتنمية الإنسانية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية، وتعيد الجيل اليافع إلى دائرة الانتماء الفاعل والنشط. هذه حقيقة يتعين على ذوي الشأن في كل المجتمعات مناقشتها، وخصوصاً في البلدان التي تتسم بمعدلات عالية من الإقبال على فيسبوك وأخواته. ومن هذه البلدان، بطبيعة الحال، دولة الإمارات العربية المتحدة، التي وضعها التقرير ضمن البلدان العشرة الأكثر استخداماً للفيسبوك في العالم. فنسبة مستخدمي الفيسبوك في الدولة تصل إلى ‬45٪ من إجمالي عدد السكان، وهذا وضع لا تضاهيه إلا بلدان قليلة جداً. إن البلدان العربية ذات النصيب المتواضع من النشاط على الفيسبوك، لن تبقى كذلك لفترة طويلة. ويشير التقرير إلى بلد عربي ارتفع عدد مستخدمي الإنترنت فيه بأكثر من ‬8٪ في شهر واحد، ما يعني حوالي ‬100٪ زيادة سنوية، والدول العربية الأخرى ليست مختلفة كثيراً عن ذلك. إن مجتمعاً ينتمي ثلث سكانه إلى الفئة العمرية ‬15 ــ ‬29 سنة، هو مجتمع فيسبوك بامتياز. ولن نضطر لانتظار المستقبل كي يثبت لنا ذلك، فالتقارير تؤكد أن الوطن العربي يشهد واحدا من أعلى معدلات استخدام الفيسبوك على مستوى العالم. أما انتشار الفيسبوك في مناطق العالم الأخرى، فتلك قصة وأي قصة، حيث تجاوز عدد مستخدمي الفيسبوك النشطين ‬500 مليون مستخدم، مما يجعله ثالث أكبر دولة في العالم من حيث عدد "السكان". *نقلا عن "البيان" الإماراتية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل