المحتوى الرئيسى

حجاب وفساتين قصيرة‏!‏

03/27 14:28

نبيل عمر أمام باب لجنة تصويت في المهندسين وقفت فنانة في نقابها الأسود في طابور النساء دون أن يميزها أحد‏,‏ وكان حوار دائر بين المنتظرات للتصويت‏,‏ فالطابور أطول من قطار بضاعة بطئ الحركة‏,‏ والانتظار الصامت أكثر مللا من الصبر علي فراش المرض‏,‏ ولا يفله إلا الكلام مع الناس‏,‏ وكانت سيدة غير محجبة تشرح لجارتها في الطابور لماذا ستقول لا‏,‏ فإذا بالفنانة المنتقبة تكشف جزءا من وجهها صارخة فيها‏:‏ طبعا تقوللي لا‏..‏علشان منتتوش عايزين تتغطوا ونشب فاصل من الردح الخفيف الذواتي‏,‏ انتهي فور قدوم زوج الفنانة بعد أن أدلي بصوته‏,‏ وقال‏:‏ يهديكم الله ياعلمانيين‏..‏لسنا أقل من تركيا‏! ‏ ولم تفهم النساء الواقفات في الطابور ماذا يعني بعلمانيين‏,‏ هل يقصد تكفيرهن خاصة أن أغلب الدعاة والشيوخ ورجال الدين أخرجوا الكلمة قصرا من معناها ومدلولها المعروف في الكتب والقواميس والتاريخ الإنساني واقرنوها بكلمة كافر أو كاره للإسلام‏..‏وهي أبعد ما تكون عن هذا المعني تماما‏!‏ ثم امسك الزوج بزوجته ومضي إلي حال سبيله لا يلوي علي شئ‏..‏ لكن القضية التي طرحتها زوجته لم تمض في حال سبيلها بعد‏,‏ بل هي قادمة إلي قلب حياتنا بقوة وقد يتبادر إلي الذهن‏:‏ ما علاقة التصويت علي التعديلات الدستورية بغطاء النساء؟‏!‏ هل كنا نصوت علي أسلوب انتخاب رئيس جمهورية‏,‏ أم كنا نصوت علي نظام دولة‏:‏ ديني أو مدني؟‏!‏ بالقطع يجب أن ننحني جميعا احتراما وتنفيذا للتصويت بنعم‏,‏ فرأي الأغلبية هو القانون‏,‏ طالما صادر بطريقة مشروعة وليس شرعية‏,‏ لكن التساؤل يظل ملحا‏,‏ والإجابة عليه ضرورية‏..‏ وتبقي مسألة ثانية وهي حكاية تركيا‏,‏ التي يلح جزء كبير من التيار الديني المعتدل في وصفها بأنها النموذج الذي نسعي إليه في مصر‏.‏ كلام جميل ورائع‏..‏وفعلا النموذج التركي قد يكون الأقرب إلينا‏.‏ لكن هل نحن علي وعي بالتجربة التركية‏,‏ أم أننا نأخذها من علي السطح؟‏!‏ هل هم يتحدثون عن تركيا كما يعيشها مسلموها أم يتحدثون عن تركيا كما يتصورونها هم؟ في انتخابات عام‏2007‏ قال رجب طيب أردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية في ندوة تليفزيونية‏:‏ أنا علماني أدافع عن دولة علمانية‏!‏ بالطبع العلمانية في مفهوم أردوغان لم يجر تحريفها وتكفيرها كما حدث في بلادنا زورا وبهتانا‏..‏ وكان يقصد أنه ليس رجل دين‏,‏ وتركيا دولة غير دينية‏..‏ ثم قال في مواجهة المظاهرات العلمانية المناوئة لحكومته‏:‏ من الخطأ الحديث عن تعارض العلمانية والدين الإسلامي في تركيا‏.‏ وحزب العدالة والتنمية ليس حزبا إسلاميا بالمعني الذي يفهمه تيار الإسلام السياسي في مصر والعالم العربي‏,‏ وإنما هو حزب ليبرالي علماني له قواعد من الإسلام‏,‏ علي شاكلة الأحزاب المسيحية في الدول الأوروبية‏,‏ مع الاعتراف بوجود اختلاف حقيقي معها‏.‏ والأتراك في حزب العدالة والتنمية لا يعتبرون الحجاب فرضا علي المرأة‏,‏ بل إن أغلب المرشحات من الحزب اللائي نجحن في انتخابات‏2007‏ علي سبيل المثال كن سافرات غير محجبات‏,‏ بالرغم من أن زوجة أردوغان محجبة‏,‏ فالزي في رأيهم مسألة شخصية‏,‏ وكما قال أحد زعمائهم في حوار صحفي‏(‏ لماذا لا يتعايش الحجاب جنبا إلي جنب مع السترات القصيرة؟‏).‏ وعموما‏..‏ السفور أو بمعني أدق عدم الحجاب لا يعني أن المرأة تمشي عارية في الشارع أو بمايوه بكيني أو تكشف أكثر مما تغطي‏,‏ فجداتنا وأمهاتنا في مصر سواء في الريف والحضر سافرات الوجه في ملابس محتشمة‏.‏ حتي الصراع الذي يبدو مشتعلا في الشارع التركي بين العلمانيين والإسلاميين فهو مختلف في جوهره عن المفاهيم التي يحاول الإخوان والسلفيون وغيرهم ترويجها بين العامة عندنا‏..‏هو صراع مخاوف أكثر منه صراع واقع معاش‏,‏ مخاوف من تسلل مفاهيم الجيران العرب عن الإسلام والدولة والعلمانية إلي الداخل‏,‏ وهي مفاهيم لو سادت قد تعيد تركيا إلي الوراء مرة ثانية‏,‏ وتضع نهاية مأساوية لنموذج دولة ذات أغلبية مسلمة قادرة علي أن تكون ديمقراطية وحرة ومتطورة‏,‏ حتي لو كانت بشروط الحماية المفروضة عليها من الجيش‏,‏ حماية تمنع الربط بين الدين والدولة‏.‏ ومخاوف الربط بين الدين والدولة هي التي تدفع حزب الشعب الجمهوري‏-‏ وهو أقرب الأحزاب إلي الفاشية إلي التشدد في معارضة حزب العدالة والتنمية وأي شعارات دينية‏.‏ وهذا الحزب يفهم العلمانية علي أنها نمط حياة وأسلوب معيشة‏,‏ وليست نظام حكم لا يلعب فيه الدين دور أداة القياس والتوجيه والتصنيف والتمييز بين البشر‏,‏ وهذا الفهم فيه قدر من المغالاة في الأخذ بالقيم الدنيوية‏,‏ وهو لا يقل خطورة عن الذين يدمجون الدين في الدولة‏,‏ ويغالون في الأصولية الدينية‏!‏ باختصار‏..‏في تركيا الإسلام ليس هو الحل‏,‏ وإنما الإنسان هو الحل‏.‏ الإنسان الذي يفكر في واقعه ويتدبر أحواله ويعقل ظروفه ويتوكل علي الله بعدها‏,‏ فالحلول لمشكلات البشر لا تسقط من السماء ولا تتحقق بالدعاء‏,‏ فكل مشكلة مرتبطة بظرفها الخاص جدا‏:‏ الزمان والمكان والثقافة والتطور التاريخي ودرجة التحضر‏,‏ ويستحيل أن يوجد حل دائم صالح في كل زمان ومكان لمشكلات الإنسان اليومية‏,‏ بل إن بعض الحلول قد تتناقض من مجتمع لمجتمع‏,‏ ومن بيئة لبيئة‏..‏ وقد قال عبد الله جول وقت ترشحه عن حزب العدالة والتنمية للرئاسة‏:‏ بعض الأشخاص يرون أن تركيا في أزمة‏,‏ والواقع أن الأزمة تبدأ لو أتي الإسلاميون إلي الحكم‏,‏ نحن لا نريد أن نكون إيران‏.‏ هذا ما يؤمن به حزب العدالة والتنمية‏,‏ ولهذا لديه تصور لمشكلات تركيا وبرنامج سياسي عملي‏,‏ برنامج لم يدع أبدا أن مرجعيته مستمدة من الشريعة‏,‏ لأن الأتراك يدركون أن الشريعة ليست نظرية في السياسة والاقتصاد والتنمية ومؤسسات الحكم وعلاقاتها ببعضها البعض‏,‏ وليست نظرية في القانون الدستوري‏,‏ وإن كانت فيها مسحة مما يتصوره البعض نظاما سياسيا واقتصاديا متكاملا‏..‏ولو كان موجودا لكان ذلك هو نهاية التاريخ فعلا‏,‏ فما الذي يمكن أن يضيفه الإنسان؟‏!‏ الإسلام في تركيا مجتمع وليس دولة‏,‏ فالمجتمع المسلم ممكن أن ينشأ في أي دولة‏,‏ في الصين أو الهند‏,‏ في كمبوديا أو شيلي‏,‏ في أمريكا أو السعودية‏,‏ مجتمع عاداته وقيمه وتقاليده وحياته وفق ثقافته الإسلامية‏,‏ دون أن يفرض نمط حياته علي الآخرين لا بالعنف ولا بالحيلة‏.‏ نقلا عن (الأهرام) المصرية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل