المحتوى الرئيسى

الشعب الذي علَّم النخبة

03/27 14:17

بقلم: شافية معروف لقد أتى على مصر زمان اتكأت فيه بشدة على عصا الأمن الغليظة وهمَّشت ما عداها، وكانت القوة الباطشة في يد النخبة المترفة، لا تؤمن إلا بها حلاًّ ونظامًا، فأصبحنا على حال علت فيه القوة على القانون، وحين يبلغ حال أية أمة ذلك تكون الفتنة ويكون الهرج والمرج.   ولا بدَّ أن تكون النتيجة الطبيعية لذلك هي الانهيار في كلِّ شيء، وكان لا بدَّ لِمَن يعرف العلة ويحمل الدواء أن يأخذ زمام المبادرة ويتقدم للإنقاذ.   ولذلك هبَّ الإخوان المسلمون يواجهون طغيان الأشخاص وزخرف الأشياء وفتنتها، بالدعوة إلى الله بالحسنى والموعظة الحسنة، ينتصرون للحرية ويطالبون بالعدالة، ويجأرون بحتمية التغيير، ويدفعون ثمن ذلك غاليًا من حرياتهم.. وأمان أطفالهم.. وحرمة بيوتهم.. ومصادرة مدخراتهم ومصادر أرزاقهم.   وهم على حالهم سائرون على الطريق، لا يضرُّهم مَن ضلَّ إلا أذى، صابرون محتسبون، يحيلون سجونهم إلى خلوة وعبادة، وموتهم إلى شهادة، وتشريدهم إلى سياحة وريادة، يوقنون بأن الله معينهم وناصرهم، في كل معاركهم السلمية من أجل تحرير الإنسان من تسلط المترفين، الذين تكالبوا على الدنيا في شُحٍّ مُطاعٍ وهوى متَّبع ففسدوا وأفسدوا.   ماذا يفيد إذا استقلت أرضنا          واحتلت الأرواح والأبدان؟! ستعود أوطاني إلى أوطانها          إن عاد إنسانًا بها الإنسان   ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة"، فقد تفاعل غالبية الشعب مع دعوة الإخوان المسلمين، بعد أن لمس مدى صدقهم، وجرَّب سلامة توجههم.. ورأى عن قرب طول جهادهم؛ من أجل أن يحصل على حقه في الحرية والعدل، بل والإسهام في إعانة المحتاج من جيوبهم على قدر ما استطاعوا وأمكن لهم، بما يسهم في تعويض القصور الحكومي .   تأثر الشباب بدعوتهم، وآلمه ما يرى من حال حكامه معهم، وصدمه انسداد طرق التغيير السلمي الديمقراطي الذي أحدثه التزوير الفج للانتخابات المحلية والبرلمانية ونتائجها، والتبجح الفاحش لِمَن قاموا عليها، ومن روَّجوا لنزاهتها، مرددين: "إننا نعيش أزهى عصور الديمقراطية"، رغم أن أحد هؤلاء صرح أننا لسنا أهلاً لها.   بينما الشباب هو مَن وقف أمام اللجان، فلم يُمكَّن من الإدلاء بصوته، وهو الذي صوَّر التزوير ونشره على النت، وقبل ذلك هو الذي لا يجد عملاً ولا سكنًا ولا علاجًا ولا حريةً ولا كرامةً له في وطنه ولا أوطان الناس، بل ويموت في طوابير الخبز وأسطوانات الغاز؛ فكانت النتيجة الطبيعية جدًّا هي الثورة .   فهل كانت النخبة من المثقفين تتوقع الثورة؟   الحقيقة أنه لا أمريكا أو أوروبا أو "إسرائيل" ولا المنظرين في وسائل الإعلام أو من يطلق عليهم لقب المثقفين قد توقع أيٌّ من هؤلاء الثورة، بل إنها فاجأت الجميع، بما فيهم مَن حكمونا بالحديد والنار ومَن قاموا بها وأعني شباب (الفيس بوك)!.   فقد كان أقصى أمل هؤلاء الشباب هو تحريك المياه السياسية الراكدة، وتوعية الشعب بضرورة المطالبة بحقوقه (وكل حقوقه مسلوبة)، وأخيرًا إحراج الشرطة في عيدها؛ للتنبيه إلى المعاملة المهينة للشعب والتعذيب الممنهج الذي تتبعه ضدَّ المعارضين، غير أن الله أراد لنا شيئًا آخر..!!أراد لنا الخلاص.. وأراد لنا الحرية ..!!   فإذا بالثورة التونسية تعطي المصريين هدية هي أنه: نحن أيضًا نستطيع..   وإذا بمجموعة ردود فعل غبية وحمقاء وباطشة تؤجج الموقف، وتتسبب في ضم فئات عمرية مختلفة إلى ميادين الاعتصام، وإذا بنا نجد الشعب يجأر مطالبًا برحيل الرئيس وسقوط النظام، ورأينا مسلسل التخبط والتنازلات من الطاغية الذي أسقط في يده، ووضع الله الرعب في قلبه وقلوب بطانته، الذين استضعفهم فأطاعوه وأعانوه على بيع مصر وشعبها وتقاسموا معه الثمن .   ورأيناه وهو يتعثر في قراراته مما عجَّل بالإطاحة به، وحين قرَّر الاستعانة بالجيش كان يظن أنهم موظفون عنده يأمرهم بإبادة الشعب فيأتمرون، وإذا بوزير داخليته التي يُخصص لها من الميزانية ضعف ما يُخصص للتربية والتعليم، ويصل عدد أفراد الأمن المركزي ضعف عدد أفراد الجيش، يأمر رجاله في كل قطاعات الداخلية بخلع زي الشرطة والذوبان في الناس.   ونسي الديكتاتور، ومَن كان ترتيبه الأخير على دفعته في الكلية الحربية، أن عقيدة الجيش منذ ثورة عرابي هي الولاء لله والوطن والشعب وليس للأشخاص.   في خلال ذلك كله كان الإخوان في قلب الحدث منذ اليوم الأول، محركين وحاشدين.. وثائرين وداعمين لكل فعاليات الثورة في كلِّ أنحاء مصر من أقصاها إلى أقصاها، بل وداعمين معنويًّا ومؤلفين للقلوب المتنافرة، شهد بذلك العدو قبل الصديق، المؤيد لفكرهم والمعارض، شباب الميدان وشيوخ الإعلام، وليس هنا مجال ذكر شهادات الشهود، فمن يرجع إلى مواقع الإنترنت ومقاطع الفيديو على اليوتيوب سيحصل على ما يؤيد كلامنا، وسيرى أيضًا أن الإخوان كانوا في مقدمة الصفوف يوم 28 يناير ويوم "الجمل"، يحمون زملاءهم بصدورهم العارية، ومن حمى المتحف المصري بِمَن فيه كانوا هم، ومَن أمنوا الميدان من البلطجية كانوا هم، باعتراف الشباب الذين عاشوا معهم أيامًا وليالي الميدان، وكأنما تنبه المثقفون على واقع جديد عاشه الشعب في ميدان التحرير، لا يحبون الحديث عنه، بل لا يحبون أن يتحدث أحد عنه وينسب الفضل إلى أهله، إذا كان أهله هم الإخوان المسلمين، ولا أدري لماذا هذا الخوف والهلع من الإخوان المسلمين؟   ولكن لا مهرب لهم من ذكر الحقيقة حفاظًا على مصداقيتهم، فسرعان ما تداركوا أمرهم وبدءوا يشككون في اشتراك الإخوان في الثورة رسميًّا، ثم كجماعة، مفضلين القول إنهم رأوا في الميدان بعضهم، فهل صدقهم الشعب؟ أظن أن الإجابة، لا ..!!   بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية وقف كثير من النخبة صفًّا ضدَّ التعديلات الدستورية، إلا ما يعد على أصابع اليد، وتصدروا الشاشات وأعمدة الصحف لحشد الناس وراء لا، وتقمصوا دور مَن قام بالثورة الذي لا يريد التفريط في دم الشهداء إذا جاء التصويت بـ"نعم" للتعديل .   ثم نسبوا نعم للإخوان والحزب الوطني، ووضعوهم في سلة واحدة للإيحاء أن الاثنين على مستوى واحد من الفساد ومن الخطورة على الثورة، ورغم أن فلول الوطني قالوا "نعم" فقد صوَّتوا بـ"لا"..!! ولم تكن نعم الوطني إلا لإحداث الفتنة، ولعلمهم أن الشعب سيختار عكس ما اختاروا لكراهيته الشديدة لهم .   كان الجميع يبدو على يقين من أن نتيجة الاستفتاء ستأتي بلا، وذلك لأن الكنيسة وكل الأحزاب فيما عدا "الوسط"، وكثيرًا من الرموز المشهورين تليفزيونيًّا، وأكثرهم تأثيرًا، وأهمهم د. عمر خالد، قاموا بكل ما وسعهم لتحريض الناس على أن التصويت بـ"لا" هو لمصلحة مصر، ووفاء للشهداء وتحقيق لمبادئ الثورة، إلا أن الشعب وللمرة الثانية كذب توقعاتهم وأفشل تنظيرهم، وخرجت النتيجة بنعم لتعديل الدستور إلى أن تتشكل مؤسسات الدولة، ليتسنى القضاء على ما يُحاك من مؤامرات، على أن يتم تغيير الدستور في خلال ستة أشهر من بعد انتخاب مجلس الشعب، ويسقط في يدهم .   فهم لن يستطيعوا وصم الانتخابات بالتزوير، ولا الشعب بالتقصير، وصار تعبير الأغلبية الصامتة والقلة المنظمة الذي كانوا يلجئون إليه في السابق لإرهاب المطالبين بالديمقراطية، والذي يوحي بغطرسة النخبة، واستخفافها بالشعب واحتقاره، أصبح غير مناسب بعد الإقبال المذهل للشعب على الإدلاء بصوته، وهو أيضًا الشعب الذي استطاع أن ينزل الطغاة من عليائهم .   فلجئوا إلى تبرير آخر تكرر كثيرًا، وهو (أن الشعب عاطفي متدين، ويتأثر بالخطاب الديني الذي استغلته فيه الجماعة المنظمة والتيار السلفي بانتهازية شديدة)، وأصبحت النغمة التي يعزف عليها المثقفون والمنظرون في جميع المنابر الإعلامية.   تناسوا أن الشعب بعد 25 يناير قد شبَّ عن الطوق، ولم يعد في حاجة إلى وصاية من أحد، وأنه يعرف جيدًا ما يريد، وأن تدينه ليس نقصًا فيه، وأن ألف باء الديمقراطية التي طالما صدعونا بها كاختراع غربي، هي أن مَن يحكم الشعب هو مَن يرضى عنه الشعب، وهو بالضرورة لا بدَّ أن يكون كما يريد، فإذا اختار شخصًا متدينًا فالطيور على أشكالها تقع، وإذا كان غير ذلك فستأتي الديمقراطية بما يحب، فما هذا المنطق الأخرق؟ وما هذه الديمقراطية العرجاء التي تحاولون فرضها علينا؟   وما ذاك التذاكي والتعالي ووصم الشعب بالغباء وترهيبه من الإخوان المسلمين، والتحالف المريب الواضح بين التوجهات المختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؛ لإبعاد المخلصين عن خدمة شعبهم.   يا أيها النخبة المثقفة نرجوكم أن تكفوا عن محاولة إقناع الشعب بأنه قاصر، ويحتاج إلى مَن يفكر له ويختار له وينوب عنه فيما ينفعه وما يضره، فالشعب الآن هو المعلم، ونحن جميعًا نتعلم منه .   كفوا عن تخويف الشعب من التيارات الدينية، بل وحتى من الدين عمومًا، لمَ هذا الهلع من الدين أيها المنظرون، كفاكم عبثًا، هل تخافون أن يظلمكم شرع الله؟ لا والله ما نزل شرع الله إلا ليؤمن الناس على عقائدهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم.   فالوعي الديني هو مَن حمى مصر أيام الثورة، حين انسحبت قوات الشرطة، فلم تحدث حالة سرقة واحدة أو حالة تحرش .   فكفوا عن تخويفه من الإخوان المسلمين؛ لأنهم أخلص الناس لقضايا أمتهم، ولم يجرب أحد عليهم كذبًا أو عمالة أو نفاقًا أو خلقًا يخل بالشرف، وكفى ما عانوه في العهود السابقة، ما أدَّى إلى حرمان الحكم من الناصح المفيد، وحرمان الشعب من فرصة الحكم الرشيد.   أيها المثقفون الحائزون على أبواق الإعلام.. أقول لكم قولي هذا، وأفترض فيكم حسن النية، فتقبلوا ما تأتي به الديمقراطية، وإلا فأنتم تخافون مما خاف منه و. ك. سميث الذي قال:"إذا أُعطي المسلمون الحرية في العالم الإسلامي وعاشوا في ظلِّ أنظمة ديمقراطية، فإن الإسلام ينتصر في هذه البلاد، وبالديكتاتوريات فقط يمكن الحيلولة بين الشعوب الإسلامية ودينها".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل