المحتوى الرئيسى

كل هذه السيطرة لخمسة أشخاص فقط

03/27 13:17

بقلم: محمد سيف الدولة خمسة منابر إعلامية تقريبًا كادت أن تتحكم في الرأي العام المصري عشية الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة.   منها ثلاث قنوات فضائية هي (أون تي في) و(دريم) و(الحياة).   وصحيفتان هما (المصري اليوم) و(الشروق).   وكلها مملوكة لرجال أعمال كبار؛ ساويرس وأحمد بهجت والسيد البدوي وكامل دياب وإبراهيم المعلم.   وكلهم محل احترام على المستوى الشخصي، ولكننا نختلف مع منظومة مصالحهم الخاصة وأجنداتهم وحساباتهم السياسية والاقتصادية. ***** وبالطبع كانت هناك منابر إعلامية أخرى؛ ولكنها لم تكن بذات التأثير والخطورة. *****   والمنابر المذكورة لم تخل بطبيعة الحال من آراء مستقلة تغرد خارج السرب، ولكنها لم تستطع أن تنافس الحملة الإعلامية الموجهة ولا أن توازنها.   ولقد تفاوتت أيضًا درجات التوجيه من منبر إلى آخر، فـ(الشروق) ليست (المصري اليوم)،و(دريم) ليست (أون تي في)؛ ولكن الاتجاه لعام كان موحدًا في الأغلب الأعم. ***** صحيح أن الحملات الموجهة لم تقتصر على المنابر الإعلامية فقط.   فلقد كان هناك حملات موازية وموجهة هي الأخرى، وعلى الأخص من التيارات الدينية: إسلامية أو مسيحية.   ولكن الفرق كبير: فالتيارات الدينية تيارات قديمة ومنتشرة في الشارع المصري منذ عقود، ونشاطاتها سواء رفضناها أم قبلناها، هي نتاج جهود دءوبة متراكمة على امتداد سنوات طويلة، ستطيع القوى الأخرى، إن أرادت، أن توازنها وتنافسها بالعمل السياسي والشعبي الدءوب.   وذلك على العكس تمامًا من حملات رجال المال والأعمال التي استطاعت أن تعيد صياغة الخطاب الإعلامي المصري كله في بضعة أيام فقط، دون أن يكون لها أية جذور أو جهود أو وجود في الشارع المصري على امتداد سنوات طويلة.   إنها القوة الصرفة الفورية للمال وجبروته.  *****   ولطالما اندهشنا وانزعجنا من قدرة الشركات الأمريكية الكبرى على التحكم والسيطرة والهيمنة على الرأي العام هناك.   وكيف استطاعوا أن يقنعوا الجمهور الأمريكي بمشروعية كلِّ جرائمهم العدوانية في العراق وفلسطين وأفغانستان وغيرها.   وكنَّا دائمًا ما نعتب على الشعب الأمريكي، انحيازه لإسرائيل رغم كل جرائمها في فلسطين.   ولم نستطع أن نتفهم أبدًا كيف تغيب الحقائق الساطعة عن شعوب الغرب بأكملها.   ولكنني بعد أن رأيتهم يفعلونها في مصر، زالت دهشتي تمامًا   وفهمت مغزى المثل الإنجليزي القائل: Money Talks *****   ولقد كان الإعلام الرسمي المصري لنظام مبارك إعلامًا موجهًا أيضًا.   ولكنه كان توجيهًا غبيًّا، يكذب في كل صغيرة وكبيرة.   فلم يصدقه أحد.   ففقد تأثيره وخطورته. *****   أما خطورة إعلام رجال الأعمال فهو أنه يكتسي بطبقة زائفة من المصداقية، ثم يكذب بحرفية وفي قضايا معينة ومختارة بعناية للتخديم على مصالحهم، كما أنه يتجمل طول الوقت بتبني بعض القضايا الحقيقية والعادلة التي لا تمس صلب المصالح، أو بما يقدمه من خدمات إخبارية واسعة.   كما أنه يتجمل أيضًا بعدد من المحررين والكتاب والشخصيات المحترمة أمثال سلامة أحمد سلامة وفهمي هويدي وجلال أمين وآخرين. *****   وأنا لست هنا بصدد تقييم المواقف السياسية من التعديلات الدستورية وتوابعها، فالخلاف في الرأي هو أمر مشروع ومفهوم ومطلوب.   كما أنني لا أتناول مجمل عملية الاستفتاء بما لها أو عليها.   ولكنني أود التركيز على نقطة محددة لأهميتها وخطورتها وهي: القوة الهائلة لرجال المال والأعمال في التأثير على الرأي العام.   فخمسة أشخاص فقط.   خمسة مُلاّك لخمسة منابر إعلامية، تحكموا في إدارة الحوار حول التعديلات الدستورية، فأوهمونا جميعًا بأن الرأي العام المصري منحاز لاختيار معين؛ لنكتشف لاحقًا أن الحكاية في غالبيتها خدعة إعلامية موجهة.  *****   لقد كان الحوار والخلاف حول الاستفتاء في البداية خلافًا بريئًا، بين أطراف يمارسونه برقي وهدوء وتقبل وتفهم كامل، فالمشاركون كافةً من الطرفين هم شخصيات لها مصداقيتها الوطنية والتاريخية. *****   ولكن بمجرد أن دخل رجال المال والأعمال على الخط، تغيَّر الحال، فتسطح النقاش، وطغت المانشتات والتصريحات الزاعقة والمختصرة والزائفة على المقالات الرصينة، وتحوَّل الحوار إلى حملات دعائية وإعلامية شبيهة بإعلانات مساحيق الغسيل التليفزيونية. *****   إن رجال المال والأعمال ليسوا طرفًا أصيلاً في ثورة يناير، ولا في أي ثورة شعبية حقيقية؛ فلقد كانت الغالبية العظمى منهم دائمًا وعلى مر العصور وتعدد الأنظمة، تتقرب من السلطات، أي سلطات، حفاظًا على مصالحها.   وليس من المعقول ولا من المقبول أن نسلمهم قيادة الخطاب السياسي والإعلامي للثورة؛ لمجرد أنهم يملكون الأموال والصحف والفضائيات.   ------------- *Seif_eldawla@hotmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل