المحتوى الرئيسى

هل تؤدي ثورات العالم العربي لتغيير الكيانات الثقافية ؟

03/27 01:47

رياح التغيير التي بدأت من تونس وتحولت لعاصفة من الثورات والحركات الاحتجاجية يموج بها العالم العربي الآن و بات من المؤكد أنها ترسم ملامح جديدة و مختلفة لمستقبل المنطقة‏,‏ تتطلب أكثر من قراءة لأبعادها و تداعياتها علي كافة المستويات‏.‏  ومع زخم الأحداث و الأفكار و التحركات علي الأرض و كم المشروعات و الأحلام التي ترنو لإعادة صياغة الواقع المصري والعربي عموما و مواجهة كل التحديات الآتية و المستقبلية‏,‏ربما تكون من أهم هذه القراءات تلك التي تتم من منظور ثقافي‏.‏ وعن تقييم ما يحدث علي الأرض في العالم العربي وتأثيره علي واقعنا الثقافي والمجتمعي وإذا ما كانت الحالة الثورية الحالية ستؤدي لتغيير في الكيانات الثقافية الدولية وتحديدا منظمة الاليسكو‏(‏ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم‏)‏ سواء من حيث الإستراتيجيات أو الأهداف وعن دور المنظمة في استعادة الآثار التي تعرضت لعمليات نهب شبه منظمة منذ بداية شهر فبراير الماضي كان لنا لقاء مع د‏.‏ محمد العزيز ابن عاشور المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم‏.‏ عن تقييم الواقع الجديد الذي بدأ يتشكل في المنطقة العربية كان السؤال الأول‏,‏ فقال بكل الثناء لهذه الحيوية التي عبر عنها الشباب الذين تصورنا أنهم بعيدون كل البعد عن الوعي السياسي وتبين لنا أن له وعيا تاما بالشأن السياسي‏,‏ لو كنت تحدثت معك قبل أسبوعين لكان انطباعي يكون بشكل الحماس فقط‏,,‏ اليوم ومع النسق السريع الذي تسير عليه تونس ومصر أعتقد أننا لابد أن نقوم بدور أساسي تضامني لحماية مسار ومصير الديمقراطية‏..‏أن نحمي هذا المسار وهذا المصير من الانزلاقات‏,‏ بمعني أن نعطي لمجتمعاتنا الوقت الكافي واللازم لإمعان النظر في كل السبل الكفيلة بصيانة هذه المكاسب وألا تضيع التضحيات التي قدمها المجتمع والشباب في هاتين الثورتين‏,‏ التونسية والمصرية‏,‏ ولابد لنا أن نمر بشيء من التثبت نحو هيكلة المسار الديمقراطي بإحداث مؤسسات ضامنه للحوار الديمقراطي‏,‏ مؤسسات وهياكل تحمي هذا المسار الديمقراطي من الانزلاق للتطرف سواء كان تطرفا عقلانيا أم تطرف عقائديا أو دينيا بالأحري‏.‏ لابد أن نضع هذا المسار الديمقراطي علي مسلك الاتزان والوسطية في كنف احترام رأي الآخر والحوار وتبادل الأفكار‏,‏ وأن نسعي جاهدين إلي إحداث هياكل سياسية وأحزاب قادرة أن تجمع الشمل وطنيا وأن توضح مختلف التيارات السياسية ويكون هناك توازن بين هذه الأحزاب‏,‏ مع الاهتمام بهيئات المجتمع المدني‏.‏ الخطر أن نبقي دائما في ذلك الموقف الاحتجاجي بإفراط‏,‏ والإصرار علي استمرار التظاهرات والاعتصامات لحين تحقيق مطالبات قد تكون شخصية أو فئوية بغض النظر عن إمكانية تحقيقها في التو واللحظة‏.‏ وأنا أعتقد أن هذا الأمر متصل بالفترة الثورية وينبغي لنا جميعا ألا نترك مجالا لهذا السلوك ولاستمرار حالة الغليان‏,‏ فإذا كان الغليان مطلوبا في المرحلة الأولي للثورة‏.‏ لكن لابد أن نمر بسرعة علي هذه المرحلة إلي هيكلة هذا التيار مؤسسيا وحزبيا وفكريا ثم ننكب بعد الانتخابات وبعد اختيار الرئيس والمؤسسات التشريعية علي الأولويات‏.‏ واليوم الأولوية المطلقة في بلادنا العربية الاقتصاد وتشغيل الشباب‏.‏ هذه المشكلة الكبري اليوم‏,‏ فالثورة التي اندلعت في تونس لم تكن ثورة الحرمان والجوع‏.‏ هي ثورة شباب صار له من المستوي المعرفي حدا لا يستهان به وهذا الشباب لم يجد له آفاقا أو مستقبلا بالرغم من حصوله علي شهادات عالية‏.‏ فهذه الفجوة بين ارتفاع المستوي المعرفي وضيق السوق الاقتصادية وعدم وجود عمل تمثل أولوية ولابد من معالجتها في كنف الممارسة الديمقراطية وهذه الهيكلة الديمقراطية كفيلة بمعالجة هذه المنزلقات وغيرها كالفساد وتسيد المصالح الشخصية علي المصالح العامة‏.‏ الشباب كان أحد المحاور المهمة في حوارنا السابق مع د‏.‏ محمد العزيز ابن عاشور حيث أشار إلي أهمية تنمية مهاراته وإبراز قدراته وضرورة خلق جسور بين الماضي والحاضر كي يكتشفوا علي حد تعبير د‏.‏محمد العزيز حقيقة الذات والانتماء للحضارة العربية وأن الأصالة تكمن في الجرأة والإضافة للعصر والوسطية والانفتاح علي الآخر والتسامح‏,‏ ويبتعدوا عن النظرة الدونية للذات والهوية‏.‏ و لكن الماضي بات الآن يمثل حالة تبعث في النفس مشاعر سلبية‏,‏ وعن كيفية فك الاشتباك بين الماضي والحاضر كان السؤال‏,‏ فأجاب د‏.‏ ابن عاشور أنا في اعتقادي أن علينا أن نسعي إلي أن ينظر شبابنا للماضي القريب باعتباره لكل المعطيات‏.‏ ففي فترة الثورة‏-‏ وهذا أمر مشروع جدا‏-‏ كانت الناس تركز وتنظر للمفاسد والاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان وكل الجوانب السلبية فقط‏,‏ لكن لابد أن نخرج من أسر هذه المرحلة وأن ننطلق إلي المكاسب التي حققتها هذه المجتمعات في المجال الاقتصادي وحتي في المجال السياسي منذ خمسينيات القرن الماضي‏.‏ لابد أن يشعر الجميع بضرورة الربط بين الماضي والحاضر وإن الثورة اندلعت من أجل الإصلاح وتوظيف المكاسب التوظيف المحكم وألا تتجه الثورة الحالية للإصرار علي القطيعة مع كل ما سبق بكل مكوناته وكل أشخاصه‏.‏ فحتي بين من كانوا في النخب المتصلة بالأنظمة الحاكمة‏,‏ يوجد ناس من الطراز الممتاز جدا ونزاهتهم معروفة وحسهم الوطني واضح‏,‏ هناك أجيال قاومت ورفضت الفساد وأدت دورها لتمهد الطريق للشباب‏.‏ لابد أن نبتعد عن هذا الموقف المبالغ فيه‏.‏ نريد أن تكون هناك ثورة تؤدي لاصلاح دون إهدار للمكاسب التي تحققت في الماضي‏.‏ إذا قلنا إن كل ما مضي سلبي‏,‏ فأين نحن من هذه النواحي السلبية منذ نصف قرن‏.‏ أنا أقول أن جيلي كان علي قناعة بأن هناك بعض الجوانب الإيجابية وأننا سعينا في تعزيز هذه الجوانب وبالتالي لابد أن نحترم ما هو إيجابي في بلدانا وأن نقيم الأشياء بنظرة متزنة وموضوعية‏.‏ وعن رؤيته لدور وأهداف وإستراتيجية الاليسكو في الفترة الحالية وفي المستقبل القريب وإذا ما كانت ستشهد متغيرات علي خلفية الأحداث التي يشهدها العالم العربي الآن كان سؤالي‏,‏ فأجاب الرهان العربي المشترك هو أن تكون الاليسكو قادرة أن تقنع المجتمعات العربية أنها قادرة علي استيعاب تطلعات المجتمعات والشباب والحقيقة أن العديد من البرامج الحالية بالاليسكو وخطة تطوير التعليم ومقاومة الأمية تندرج تحت هذا السياق‏,‏ وهنا أود أن أشير إلي أن الثورة في تونس ومصر كانت متصلة اتصالا عضويا ومباشرا بالتعليم ومضامين التعليم‏,‏ ومنظومة القيم التي عبرت عنها الثورات العربية‏-‏ قيم الحوار الحرية‏-‏ كانت دائما محورا مهما قي مشاريع المنظمة ونريد الآن أن نعزز هذه القيم إضافة لقيم التسامح والوسطية والاعتدال والمعرفة لحماية الثورة من الوقوع في ظلامية التطرف وأن تسعي المنظمة لتنشيط الوعي السياسي للتعامل مع النخب الجديدة المتعددة‏.‏ وحول مشكلة حماية التراث الثقافي المادي وما يتعرض له خلال الأزمات من مخاطر وما تعرضت له أثار مصر من عمليات نهب مؤخرا ودور اليونسكو في هذه القضية كان سؤالي الأخير‏,‏ فقال‏:‏ منذ توليت منصبي بالمنظمة طالبت المنظمة والمجلس التنفيذي لاستحداث إدارة التراث وصارت عندنا منذ أسابيع مديرة متخصصة بالتراث‏(‏ وهي التونسية د‏.‏حياة قطاط‏)‏ وسنسعي لتعزيز كل الأعمال التي تقام في الدول العربية‏,‏ سواء قامت بها حكومات أو المؤسسات المدنية لصيانة التراث ولفت الانتباه للأخطار المحدقة بالتراث وبخاصة مسألة اختلاس العينات وبالنسبة للقطع المختلسة من مصر لابد أن تتحرك الحكومة المصرية والاليسكو علي استعداد لتقديم كل العون‏.‏

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل