المحتوى الرئيسى

> «شرطيان في الاحتياط» .. عن الفوضي التي تخدم القانون

03/26 21:15

لا يحاول الفيلم الأمريكي «The other guys» أو كما عرض تجارياً تحت اسم «شرطيان في الاحتياط» أن يأتي بما لم يأت به الأوائل، فالفكرة مطروحة تماماً: رجلا شرطة غبيان خارج الحسابات ينجحان في إنجاز قضية صعبة، وهناك معالجات كثيرة في إطارها من أشهرها سلسلة أفلام «الفهد الوردي» التي صنعت شهرة ومجد الراحل «بيترسيللرز» ولكن نجاح فيلم «شرطيان في الاحتياط» في الشغل علي الفكرة، وطرافة بناء الشخصيات، وابتكار مواقف كوميدية جيدة تثير الضحك، مع حوارات لاذعة ذكية، ثم إن أبطالنا ليسوا أغبياء تماماً، ولكنهم من رجال المقاعد الخلفية والمهن المكتبية الذين يستعينون بهم في مواقع خارجية، فيحققون المفاجآت، ولأن هناك تعباً علي «الورق» حقاً وصدقاً وليس من باب إطلاق التصريحات، فإن الفيلم يبدو جيداً رغم أننا شاهدنا معالجات مختلفة من قبل لفكرته المطروحة: شرطيان في الاحتياط لا يبدأ عند بطلين، ولكنه يبدأ من بطلين آخرين هما أيضاً من شرطة «نيويورك» الأشداء، ولكنهما أقرب إلي الفتوات الذين يخوضون المطاردات في الشوارع باستمتاع شديد، ونعرف في النهاية أنهما يبحثان عن كمية صغيرة من الحشيش تساوي عدة دولارات فيما تسببا في خسائر تقدر بـ12 مليون دولار، وكأنهما يكرران نموذج البطل الأحمق في فيلم «هانكوك» بطولة ويل سميث. السيناريو الذي اشترك في كتابته آدم مكاي - وهو أيضاً مخرج الفيلم مع كريس هينش»، يدخلك علي عالم الكوميديا من أول لقطة بالتأكيد علي أن هذين الشرطيين يعملان علي الخط الفاصل بين القانون والفوضي، ولا نستمر مع هذين «القبضايات» طويلاً إذ سرعان ما يلقيان بنفسيهما من الطابق العشرين إثر مطاردة لصوص يسطون علي أحد المحلات.. الحادث ليس مبرراً بالقدر الكافي، وكان يمكن أن يكون أكثر طرافة بمائة وسيلة، ولكنه يقودنا إلي البداية الحقيقية للفيلم عندما يحاول اثنان من رجال الشرطة الذين أسندت إليهم أعمال مكتبية أن يحلا محل الشرطيين المحترفين الراحلين، ويلعب دور أحدهما النجم المعروف «صامويل جاكسون». لا يقفز السيناريو إلي المهمة فجأة، ولكنه يرسم أمامك بذكاء ملامح كل واحد من بطلين: الأول «آلان جامبل» (ويل فيريل) وهو شخص هادئ وديع من الصعب استفزازه يعمل كمحاسب في إدارة البوليس. كل وقته يقضيه أمام الكمبيوتر، يتهم دائماً من قبل صديقه وزميله في المهمة الضاحكة بأنه يشبه الأنثي في مساعدته وتصرفاته، أما الثاني فهو «تيري هويتز» (مارك وولبرج) شرطي أحيل إلي العمل المكتبي بعد حادث شديد الطرافة، فقد كلف بتأمين إحدي مباريات الكرة، ولكنه أعتقد أن لاعباً شهيراً للكرة من الخارجين علي القانون، فأطلق عليه النار، فصار موضوعاً للتريقة في أمريكا كلها، تماماً كما لو أن رجلاً للبوليس اطلق النار علي أبو تريكة لأنه لا يعرفه! التناقض بين «جامبل» و«هوتيز» كامل وشامل الأول هادئ وأكثر غباء، وسنعرف في منتصف الفيلم أن عنده عقدة عجيبة هي عمله أثناء الدراسة الجامعية قواداً لزميلاته، ثم قرر أن يسيطر علي الشر بداخله بالعمل في جهاز الشرطة، وفي إدارة هادئة لا علاقة لها بالعنف هي الحسابات، أما «هويتز» فهو الأكثر عنفاً وشراسة، ولا يكف عن ترديد عبارة: «أنا طاووس.. وأريد الطيران»، والعبارة طبعاً ساخرة تماماً لأنه لا يوجد طاووس يمكنه الطيران، «هويتز» أيضاً محدود التجارب لدرجة أنه يعتقد في أحد المشاهد أن البنك المركزي الأمريكي ليس إلا أحد السجون! ورغم أن هذا التناقض بين «جامبل» و«هويتز» هو المصدر الأساسي للضحك الذي يمتلئ به الفيلم، إلا أن السيناريو الجيد يجعل من اتفاقهما في وجود امرأة في حياة كل منهما مصدراً إضافياً للسخرية، «جامبل» مثلاً متزوج من حسناء فاتنة اسمها «شيلا» (ايفامنيديز) لا يصدق زميله «هويتز» إنها زوجته بسبب جمالها الصارخ، مظهرها يوحي بأنها بائعة هوي معتزلة، ثم نكتشف أنها ممرضة تعرفت علي «جامبل في المستشفي، وأن زوجها هو الذي كان يعمل قواداً أثناء دراسته الجامعية، وفي أحد أجمل مشاهد الفيلم، يطلب «هوتيز» من «جامبل» أن يبلغ زوجته السلام، ويقول له إن من المحتمل أن يحل محله إذا لم يعد من مهمته، وفي المقابل، يوجد مشهد شديد الظرف يقتحم فيه «جامبل» صالة البالية التي تعمل فيها «فرانسيس» جيلته «هويتز» ويزيد الموقف اضحاكاً رفض «هوتيز» للمشاعر العاطفية بين «فرانسيس» وزميلها أثناء الرقصة، ولكي يؤكد لها أن الرقص ليس صعباً يدور حول نفسه مثل أمهر الراقصين، ثم يخبر صديقه أنه تعلم الرقص لمجرد أن يسخر في الشارع من الرجال المخنثين! رسم شخصيتي «جامبل» و«هوتيز»، هو منتصف الطريق الذي قطعه السيناريو بذكاء، ثم اعتمد عليه طوال الأحداث، وكانت المرحلة التالية في تدبير الجريمة التي سيحاول الثنائي القادم من الاحتياط التالية في تدبير الجريمة التي سيحاول الثنائي القادم من الاحتياط حلها، والحقيقة أن السيناريو لم يكن في حاجة أن تكون القضية التي سيتولاها بطلاه معقدة ومليئة بالتفصيلات إلي هذا الحد رغم طرافة الكثير من مواقف الفيلم، في هذه الأعمال يمكن أن تكون الحبكة أكثر بساطة، ولكن السيناريو شاء أن يتحدث عن جريمة اقتصادية يمكن تبسيطها علي النحو التالي: رجل استثمارات ثري جداً يدعي «دافيد إمرشون» خسر المليارات في المضاربة في البورصة، فقرر أن يعوض هذه الخسارة بالاستيلاء علي أموال مسابقات اليانصيب، وحسابات بعض الصناديق بما في ذلك صندوق العاملين في الشرطة اعتقد أن الأحداث كان يمكن أن تكون أكثر حيوية لو كانت القضية ابسط، ولكن كانت لدينا مناطق كثيرة ومواقف ضاحكة مثل محاولة «دافيد» رشوة الثنائي «جامبل» و«هوتيز» بتذاكر للذهاب إلي حفلات غنائية أو مسرحيات موسيقية علي مسارح برودواي، ومثل فشل محاولة «هوتيز» لتمثيل دور الشرطي الشرس في مقابل تمثيل «جامبل» دور الشرطي الطيب، إذ يصبح «جامبل» أكثر شراسة ويضرب «دافيد» بعنف شديد لدرجة أنه يوافق علي أنه تاجر مخدرات، مع أنه لا علاقة له بهذه التجارة! الخطوة الثالثة في بناء معالجة مختلفة في جمل الحوار اللاذعة، وفي العناية ببعض التفصيلات، وفي الشغل علي الموقف الكوميدي لاستنزاف إمكانياته، هناك مواقف كثيرة جداً يتضح فيها ذلك منها ذهاب «جامبل» لتوديع زوجته «شيلا» الفاتنة التي تقيم عند والدتها العجوز، ولأن المنزل مراقب من رجال دافيد فإن «شيلا» تستخدم أمها العجوز في توصيل رسائل شهوانية «جامبل» الذي يحمل الأم رسائل أكثر شهوانية عن علاقته الحميمة بزوجته، ومن أفضل المشاهد الذي استخدم فيها الحوار اللاذع محاولة «هوتيز» استفزاز «جامبل» بالشتائم والكلمات العدوانية فيرد الأخير بمنتهي الهدوء ويفند كل عبارة وكأنه يناقش رسالة دكتوراة. في الخطوة الرابعة لابد من التنفيذ الجيد للسيناريو، وهذا ما تحقق إلي حد كبير وإن كنت أعتقد أن حذف ما يقترب من ثلث الساعة كان سيجعل الفيلم أكثر سخونة وإثارة، ولكن كلاً من الظريف «فيريل» و«ولبرج» منحا شخصيتي «جامبل» و«هوتيز» حيوية وطرافة ومن المستحيل تقريباً أن تتبدل الأدوار، المخرج آدم مكاي كان موفقاً في ضبط إيقاع كل مشهد كوميدي، وكان ناجحاً في ضبط الافيهات بحيث تحدث تأثيرها الضاحك، مشاهد الأكشن أيضاً كانت جيدة التنفيذ، وحتي استخدام الزووم، وتوظيف بعض لقطاته كان جيداً، الفيلم بأكمله غير ممل ومضحك في كثير من المشاهد ، الخلفية، مع سخرية غير خافية حول الذين يحترفون صناعة الفوضي أحياناً تحت شعار تطبيق القانون.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل