المحتوى الرئيسى

د. محمد محفوظ : الرقص مع الذئاب .. قراءة في المشهد “اللاسياسى” المصرى

03/26 19:37

( الرؤية السياسية .. والبرنامج السياسى .. والمسئولية السياسية .. والانتهازية السياسية )( دائماً يطفئ النيران من لم يشعلها ؛ ويبدأ الحروب من لن ينهيها )قول مأثورأبسط تعاريف العمل السياسى ؛ بأنه أداة لإدارة مصالح الدولة بما تضمه من شعب وأرض وسلطات .ولا ينطلق العمل السياسى لأرض الواقع ؛ إلا من خلال ( رؤية سياسية ) ينتج عنها ( برنامج سياسى ) . وبينما تعنى الرؤية السياسية إدراك الحقائق الكائنة على الأرض ؛ فإن البرنامج السياسى يعنى إنشاء حقائق جديدة على ذات الأرض .وبالتالى ؛ فحيثما تغيب الرؤية السياسية نتيجة عدم القدرة على أو الرغبة في إدراك الحقائق , فإن البرنامج السياسى يصبح نبتاً شيطانياً مفارقاً للواقع ومعاكساً للمستقبل .أيضاً ؛ فإنه كلما لم يتفاعل البرنامج السياسى مع المصلحة الوطنية في ظل المراحل التاريخية الدقيقة ؛ فإنه يفتقر إلى المسئولية السياسية ويسقط في خطيئة الانتهازية السياسية .وتعنى ( المسئولية السياسية ) القدرة على تعطيل أو تفعيل البرنامج السياسى بما يلبى المصالح الوطنية في فترة تاريخية معينة . بينما تعنى ( الانتهازية السياسية ) القدرة على تعطيل أو تفعيل البرنامج السياسى بما يلبى المصالح الحزبية أو الأيدلوجية الضيقة .وتحتاج مصر في عهد الثورة إلى التمسك بفضيلة المسئولية السياسية ؛ ونبذ رذيلة الانتهازية السياسية . ولكن يبدو أن طول عقود الاستبداد والفساد منذ يوليو 1952م وحتى نهاية حكم مبارك ؛ قد أدت إلى تشويه القدرة على تكوين رؤى سياسية سليمة تفضى إلى برامج سياسية واقعية ؛ ومن ثم تصبح الانتهازية السياسية هى العنصر الحاكم في ظل بيئة سياسية تم إفسادها حتى النخاع ؛ بحيث يمكن وصف المشهد المصرى برمته بأنه مشهد ( لاسياسى ) ؛ لأنه يفتقر إلى الرؤية السياسية والبرنامج السياسى والمسئولية السياسية .المشهد اللاسياسى المصرى ؛ يتصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقراراته وممارساته التى تتناقض مع الشرعية الثورية .ولعل التعديلات الدستورية الأخيرة التى تم الاستفتاء عليها ؛ لكى يتم تضمينها داخل إعلان دستورى من المرتقب صدوره خلال الأيام القادمة ؛ لكى يصبح بديلاً عن دستور 71؛ لعل تلك التعديلات توضح مدى لاسياسية قرارات المجلس العسكرى . وتفرض سؤالاً يطرح نفسه بقوة يتمثل في الآتى : لماذا إذن تم استفتاء المواطنين على تعديلات دستورية رغم النية المبيتة لوضع إعلان دستورى يحل محل دستور 71 ؟ ما الهدف إذن من تلك التعديلات طالما أن الإعلان الدستورى المرتقب سيتكفل بإلغاء دستور 71 بكل مواده ؟؟ولعل الإجابة الخبيثة التى يمكن أن تكون حاضرة في هذا المجال هى : أن الهدف من الاستفتاء على التعديلات الدستورية ؛ كان يتمحور حول غاية واحدة فقط هى : شق صفوف جماهير الثورة ؛ وتقسيمها إلى فسطاطين .ولعل المتتبع لتشكيل لجنة التعديلات الدستورية برئيسها المستشار طارق البشرى ذو التوجهات الفكرية المتأسلمة ؛ وعضوية أحد قيادات الإخوان المسلمين بها ( صبحى صالح ) ؛ لعل المتتبع لذلك سيتيقن بأن الهدف من تطعيم اللجنة بعناصر متأسلمة فكرياً ؛ ما كان إلا لدفع كافة التيارات المتأسلمة للاصطفاف خلف تلك التعديلات ؛ وترك الحبل لها على الغارب لكى تلعب دينياً بعقول البسطاء في الشارع لكى يصطفوا هم أيضا خلف تلك التعديلات ؛ ومن ثم يتم شق الصف ؛ والهبوط بالزخم الثورى إلى الحضيض ؛ بدعوى الرغبة في عودة الاستقرار وعودة الأمن والأمان .نحن إذن أمام تكريس لممارسات الانتهازية السياسية يقودها المجلس العسكرى ويعاونه فيها التيار المتأسلم ؛ وهى لعبة بالغة الخطورة تعيد إلى الأذهان الخطأ الفادح الذي ارتكبه الرئيس الراحل أنور السادات ؛ عندما استعان بالتيار المتأسلم لضرب التيار اليسارى ؛ فكانت النتيجة هى اغتياله على يد من فتح لهم الباب للعمل السياسى .والواقع أن التيار المتأسلم لم يتهاون في اقتناص الفرصة السانحة ؛ فانتشر في الشوارع يوزع عطاياه التموينية وملصقاته الحائطية ولافتاته القماشية التى تروج للتعديلات ؛ باعتبارها الطريق لعودة الاستقرار والحاجز الذي يمنع إقصاء المادة الثانية من الدستور . وكأن المادة الثانية من الدستور هى التى جعلتنا مسلمين ؛ بينما كنا من قبلها ندين بديانة أخرى .وهكذا فتح المجلس العسكرى الباب لممارسات الانتهازية السياسية ؛ التى تساهم في استمرار المشهد اللاسياسى الذي ورثته مصر من نظام مبارك وما قبله .لكن المشهد اللاسياسى يمتد لكى يطال ممارسات مجلس الوزراء المصرى ؛ الذي أعلن رئيسه في ميدان التحرير أنه يستمد شرعيته من كل ميادين الجمهورية ؛ وإذا بمجمل ممارساته تخلو من الرؤية السياسية والبرنامج السياسى والمسئولية السياسية .والواقع أن الصفات الإنسانية والأخلاقية العالية التى يتمتع بها الدكتور عصام شرف ؛ قد تؤهله لكى يكون مواطناً مثالياً ؛ ولكنها لا تؤهله بالضرورة لكى يكون سياسياً ناجحاً ؛ فضلاً عن أن يكون سياسياً ثورياً .وللأسف ؛ فإن الواقع بدأ يثبت ؛ أن الدكتور عصام شرف لا يمتلك رؤية سياسية ولا يمتلك إرادة ثورية تجعله يراجع المجلس العسكرى في قراراته وممارساته اللاسياسية التى شقت صفوف الثورة . بل إن العكس بدأ يطفو على سطح الواقع ؛ من خلال مشروع القانون سئ السمعة الذي أرسله مجلس الوزراء إلى المجلس العسكرى لإقراره ؛ بشأن تجريم التظاهرات والاعتصامات التى تؤدى إلى تعطيل العمل والإنتاج . وبالتالى ؛ بدلاً من أن يمارس رئيس الوزراء ونائبه يحيى الجمل ووزراؤه صلاحياتهم لتطهير مؤسسات الدولة من الفاسدين الموالين للنظام السابق ؛ ومن ثم يتم فتح طاقة أمل للمضربين والمعتصمين فتهدأ خواطرهم وتبرد مطالبهم الفئوية التى طال إهدارها ؛ فإذا بمجلس الوزراء يواجه النتيجة وليس السبب الذي أدى إليها . نحن إذن أمام ممارسات لاسياسية تفتقر إلى الإرادة الثورية وتطعن الزخم الثورى في مقتل .وبالطبع ؛ فإن المشهد اللاسياسى يمتد ليضم الائتلافات التى نشأت مع الثورة ويضم الأحزاب السياسية . والواقع أن الأداء اللاسياسى لائتلافات شباب الثورة وللأحزاب السياسية ؛ هو الذي أتاح الفرصة للمجلس العسكرى لكى ينفرد بقيادة البلاد خلال الفترة الانتقالية . فعدم قدرة هذه الائتلافات والأحزاب على التحالف مع بعضها البعض ؛ لتشكيل مجلس رئاسى مدنى انتقالى يشترك مع المجلس العسكرى في القيادة ؛ فتح الباب لنقل كل قوى الثورة من موضع الفعل إلى موضع رد الفعل . مما جعل الاستجابة لمطالب الثورة تتم وفقاً لجرعات صغيرة ؛ بدءً من التشكيل البائس لمجلس الوزراء الذي استمر يضم وزراء من العهد البائد مثل ( سيد مشعل ) , ومروراً بعدم التعاطى بجدية مع مطلب حل الحزب الوطنى ؛ والالتفاف على مطلب إلغاء قطاع أمن الدولة من خلال استمرار بقاءه ولكن تحت اسم جديد ؛ وعدم تقليص قوات الأمن المركزى التى تمثل العصا الغليظة للنظام السابق ؛ وصولاً إلى عدم المساس بكل قيادات الحرس القديم أمثال زكريا عزمى وصفوت الشريف وفتحى سرور ؛ والاكتفاء بإحالة بعض قيادات الداخلية لمحاكمات مدنية رغم ما ينص عليه قانون الشرطة من ضرورة محاكمتهم أمام محاكم عسكرية نفاذاً لنص المادة 99 من قانون الشرطة التى تنص على الآتى : ( يخضع الضباط بالنسبة إلى الأعمال المتعلقة بقيادة قوة نظامية لقانون الأحكام العسكرية ) ؛ ونظراً لأن قوات الأمن المركزى هى قوات نظامية ؛ فإن كل من أصدر لها تعليمات ينبغى أن يخضع لقانون الأحكام العسكرية ؛ بحيث تتم إحالته للنيابة العسكرية الشرطية والمحاكم العسكرية الشرطية .المشهد اللاسياسى- وللأسف – يضرب بسلبياته كل أركان الثورة ويجهض منطلقاتها ؛ بما قد يؤدى إلى سقوط ثمرة الثورة في قبضة قوى فاشية ظلامية أو قيادة عسكرية تستعد لارتداء الزى المدنى . والسبب في كل ذلك ؛ أن الرؤية السياسية تغيب عن معظم المنتمين لقوى الثورة ؛ وإذا حضرت تلك الرؤية لدى البعض – وهم القلة – فإنها تفرز برنامجاً سياسياً يفتقر إلى المسئولية السياسية ويعتنق الانتهازية السياسية .المشهد اللاسياسى يحتاج إلى الحقن في النخاع بجرعات متكررة من المسئولية السياسية ؛ التى قد تحيله مع الوقت إلى مشهد سياسى يتناسب مع جلال الثورة .لذلك ينبغى على ائتلافات الثورة أن تدرك بأن الجلوس مع المجلس العسكرى لا طائل منه ؛ إلا بعد الجلوس مع باقى القوى السياسية المدنية لتكوين تكتل للأحزاب والقوى المدنية يمكنه مواجهة التيارات المتأسلمة ؛ التى فتحت مغازلة المجلس العسكرى لها – وفتحت نتيجة الاستفتاء – شهيتها إلى السلطة .تكوين تكتل للقوى والأحزاب المدنية ؛ هو عمل ( سياسى ) يضرب المشهد ( اللاسياسى ) في مقتل ؛ لأنه سيؤسس لتكتل يخوض الانتخابات التشريعية القادمة تحت راية مدنية واحدة لا تفرقها الأيدلوجيات الحزبية الضيقة ؛ بما يتيح القدرة على مواجهة القوى المتأسلمة التى تحاول استغلال ضعف الوعى السياسى لدى الشارع .تكوين تكتل للقوى والأحزاب المدنية ؛ هو عمل سياسى ينبغى أن يسفر عن مطالبات متشددة ؛ بضرورة وضع قوانين صارمة لمنع الدعاية الدينية والرشاوى الانتخابية . بحيث يتم حل الحزب أو شطب المرشح الذي يتورط في أى من تلك الممارسات التى يمكن توصيفها بأنها نوع من التزوير المعنوى الذي يجاوز في أثره التزوير المادى .تكوين تكتل للقوى والأحزاب المدنية ؛ هو عمل سياسى قد يطرح بقوة عدد كبير من التساؤلات التى لا يجيب عنها المجلس العسكرى ؛ والتى قد يتمثل بعضها في الآتى :- لماذا يصر المجلس العسكرى على الانفراد بالسلطة خلال الفترة الانتقالية ؛ دون إشراك باقى القوى السياسية – ولو بالتعاقب – في إدارة الدولة خلال تلك الفترة ؟- هل سيحافظ المجلس العسكرى في إعلانه الدستورى على استمرار نسبة الـ 50 % عمال وفلاحين بالمجالس التشريعية ؟ وإن أبقى عليها فإننا نسأله .. لماذا .. ؟؟- إذا كانت الانتخابات التشريعية ستتم – كما يُشاع – خلال شهر سبتمبر القادم ؛ بينما ستتم الانتخابات الرئاسية خلال شهر ديسمبر ؛ فلماذا لم يتم حشد الجهود لوضع دستور جديد ؛ بدلاً من التعديلات الدستورية البائسة التى شقت صف الجماهير ؟؟- لماذا يتناسى المجلس العسكرى دروس التاريخ ؛ ويخاطر كما خاطر الرئيس الراحل السادات ؛ بالرقص مع الذئاب ؟!!!.. كثيرة هى التساؤلات التى تظل معلقة في سماء المشهد اللاسياسى المصرى وتنتظر الإجابات الشافية .ولكن ربما تكون الثورة علمتنا ؛ بأن بعض الأسئلة ينبغى ألا ننتظر الإجابة عليها من الآخرين ؛ بل ينبغى علينا أن نجيب عليها بأنفسنا . لأنه دائماً ؛ يطفئ النيران من لم يشعلها ؛ ويبدأ الحروب من لن ينهيها !!!*****دكتور / محمد محفوظdr.mmahfouz64@gmail.comت : 0127508604مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل