المحتوى الرئيسى

نفيسة الصباغ : الاستقرار لا يأتي بمنع الحقوق

03/26 18:20

الثورة التي قامت لتخلق مستقبل أكثر أمانا للجميع وآدمية ، بالتأكيد هدفها التأسيس لوضع آدمي مستقر ينال فيه الجميع حقوقهم سواسية دون تمييز وبطرق قانونية معروفة. هذا هو الاستقرار الدائم الحقيقي الذي يجب أن يسعى إليه الجميع وليس الموات الذي عرفته مصر في السابق بدعوى “الاستقرار”. اليوم الدولة بكل مؤسساتها تخرج من وضع إلى وضع ولا يمكن حل الأمر في لحظة ولا أيام ولا شهور، فالثورات تستمر سنوات كي تحقق أهدافها، وهو ما يجب أن نضعه كمصريين شعبا وحكومة نصب أعيننا.ولعل الإجراء الأخير بتجريم الاحتجاجات والتظاهرات بحثا عن استقرار، أراه وقتيا، بل ونموذج للعودة لما فات بل إنه يتجاوز في قمعه ما فات لكن هذا لايمنع من الوقوف للنظر في الأسباب المعلنة للقرار، والتي تتركز أغلبها في أن القانون يعتبر الوسيلة الوحيدة في يد الحكومة حاليا لتهدئة الأوضاع والبدء في العمل، لكن ما يغيب عن أصحاب هذا الراي أن الاستقرار سيأتي بعودة الحقوق وليس بقمع الحريات.فالمظاهرات والاحتجاجات التي يطلقون عليها كلمة “فئوية” ويعتبرها البعض ثورة مضادة هي التي عجلت برحيل الرئيس المخلوع حين انتشرت الإضرابات العمالية في المئات من المؤسسات والمصانع والهيئات في مصر في الأيام الأخيرة للثورة وكادت تتحول إلى عصيان مدني شامل، فكان أن رحل مبارك في أول خطوة لنجاح الثورة.ينسى الكثيرون أيضا أن عمال مصر دفعوا دماءهم قبل عقود من الثورة لمواجهة الخصخصة وسعيا لفضح كثير من الفساد الذي ظهر للجميع الآن .. فأضربوا وتظاهروا احتجاجا على تدخلات وفساد رجال الأعمال والشركات الأجنبية التي تسرق جهدهم وتسرق ثروات مصر، لكنهم لم يجدوا من يدعمهم فاعتبر البعض تلك المشكلات “فئوية” لا تخصهم، بينما اعتبر آخرون أن الحديث عن العمال والاعتصامات “كلام بتوع اليسار”، فلم يهتموا به.ما أرغب في توضيحه الآن هو أن الإضرابات والاعتصامات هي وسيلة سلمية لنيل الحقوق لكل الموطنين فحين توافق على القانون بصيغته الحالية فكر في نفسك إذا ظلمك صاحب العمل وكيف ستأخذ حقك؟ لن يكون حينها في يدك أي شيء غير الاستمرار في عمل يظلمك ويستعبدك دون قدرة على تحسين أوضاع العمل.أعتقد أن الطريق الصحيح للتعامل مع الإضرابات والاحتجاجات بشكل عام ينبغي أن يتم على أساس أنهم جزء لا يتجزأ من الشعب المصري لهم الحق في أن ندعمهم فكل فرد أو فئة تنال حقوقها مكسب للجميع لأنه إرساء لمبدأ الحقوق.البعض يتخوف – ولهم الحق- من اندساس فلول الحزب الوطني أو أمن الدولة وراء بعض الإضرابات أو الاحتجاجات، لكن على هؤلاء التأكد من أن هؤلاء إن وجدوا هم  الأقلية وهنا لا ينبغي أن نأخذ الجميع بجريرة البعض، أما المخربون الذين يعتدون على المال العام والخاص خلال الاحتجاجات فهم ليسوا في حاجة لقانون جديد لأن هذه الأفعال مؤثمة بالقانون الطبيعي .. أما مشروع القانون الجديد فجاء ليجرم كل من حرض أو دعا أو شارك أو روج للمظاهرات أو الاحتجاجات أو الإضرابات. ما يفعله القانون هو حرمان الجميع من حق إنساني أصيل لمواجهة قلة مندسة كان الأولى أن تواجه وتقدم لمحاكمات عاجلة فيتخلص الجميع منهم.السيد رئيس الوزراء يشعر بضغط كبير من التجمهر والإضرابات خاصة حول مجلس الوزراء وهنا ليس الحل تجريم التظاهرات، ولكن الإعلان عن لجنة أو هيئة يتوجه إليها ممثلين عن الفئات المختلفة لتقديم شكاواهم والتفاوض حولها. ويمكن لتلك اللجنة أن تقوم بتشكيل لجان فرعية في شمال وجنوب مصر للقيام بنفس المهمة. وستكون الفائدة هي وقت أطول في فهم خريطة الاحتجاجات والمظالم الاجتماعية والاقتصادية في مصر ووضع استراتيجية عمل للحكومة الحالية وأيضا المقبلة لتحقيقها واستكمال أحد أهم أهداف الثورة وهو العدالة الاجتماعية.نسبة كبيرة من الاحتجاجات هي ثورة على الفاسدين، والسؤال هنا بعدما كان من حقنا جميعا كشعب أن نختار من يمثلنا في الحكومة ورفضا أن يمثلنا مبارك كرئيس للدولة، أليس من حق المجموعات المختلفة اختيار من يدير شؤونها؟ ولأنني أعمل في الصحافة يمكنني التحدث عن الإعلام الذي يؤثر من خلال رؤساء تحرير ومجالس إدارات المؤسسات الإعلامية المختلفة وتوجهاتهم في الرأي العام المصري وبالتالي لا يمكن أن يستمر كما كان يتملق المجلس الأعلى للقوات المسلحة كما كان يتملق مبارك، وسيتملق الرئيس المقبل إذا استمرت القيادات في مواقعها. لماذا لا يتم الإعلان عن انتخابات في المؤسسات المختلفة، خاصة القومية منها، لاختيار ممثليهم ورؤسائهم؟ القرار ليس صعبا وبعدها تنتهي أزمة الإعلام ويبدأ العمل الحقيقي في هذه المنطقة. المثال أعتقد ينطبق على الكثير من الهيئات والقطاعات الأخرى التي يرفض الناس فيها فساد رؤسائهم.إذا أرادت الحكومة مواجهة المندسين والمخربين فلديها ترسانة من القوانين التي وضعت لمواجهة هذه الأفعال المجرمة من الأساس ، لكن أن تجرم الاعتصامات والإضرابات والتظاهرات، فهو ما لا يجب أن نوافق عليه- على الأقل هذا رأيي- فكل منا سيكون عرضة لتطبيق هذا القانون عليه لمجرد أن شخصا آخر مجهول استغل الإضراب أو المظاهرة لتخريب أو تهييج. ولمن يقولون بأن القانون مؤقت ومرتبط بحالة الطوارئ يكفي القول بأن حالة الطوارئ ذاتها كانت مؤقتة منذ أكثر من ثلاثين عاما ولم تنته حتى اليوم، فالمؤقت يعني ربطه بفترة زمنية محددة ولتكن شهرا أو اثنين وليس بقانون لا نضمن إلى أي وقت سيستمر. ؟ فهل سيكون قانون تجريم الاحتجاجات حينها مؤقتا؟النوايا الحسنة لا تبرر أبدا تجريم الحقوق ولا ينبغي أن نسكت عليها، وعلينا تذكر مقولة “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”، فحين أسهم فريق من التيارات الإسلامية في قمع اليسار والحركة الطلابية والعمالية في عهد السادات بدعوى محاربة العلمانية والكفر خسر الجميع، وحين تواطأ بعض اليساريين وصمتوا على قمع الإسلاميين بدعوى محاربة التطرف والإرهاب خسر الجميع والنتيجة هي أننا صمتنا عن حقوق غيرنا حتى طالنا القمع جميعا دون استثناء.رفض القانون لا يعني بأي حال عدم تقدير الحالة التي تمر بها البلاد لكنه دعوة  للتعامل مع الاسباب التي أدت لانفجار الثورة بشكل عملي ومواجهتها  بدلا من التهرب منها أما بقايا حزب رجال الأعمال وأمن الدولة الذين يخشون أن يصلهم الدور في الحساب فيفضلونها فوضى تأكل الوطن فلدينا من القوانين ما يكفل حسابهم يا سادة لسنا في حاجة لقانون جديد بل نحن في حاجة لتفعيل مبادئ العدالة والحرية . حاسبوا من يقوم بالتخريب أو بما تقولون إنه تهييجا دون وجه حق، وإذا كان لابد من وجود قانون فليكن قانونا واضحا يستهدف فئة بعينها لها تعريف واضح ومحدد في نص القانون، وتحديد زمنه بفترة قصيرة وليس بحالة طوارئ يمكن أن تستدعي الظروف استمرارها. وأعتقد أنه لو تمت المحاسبة سريعا فلن يكون هناك حاجة لمثل هذا القانون المجحف بكل المقاييس.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل