المحتوى الرئيسى

د. نادر فرجاني : بإقامة العدل وليس بتجريم الحقوق تهدأ الاحتجاجات

03/26 13:22

‏ نشكر للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولحكومة تسيير الأعمال برئاسة الدكتور عصام شرف، رعايتهم لثورة شعب مصر، وسهرهم على نيل غاياتها. و اللفظة المحورية في الجملة السابقة هي الرعاية، وهي بكل تأكيد ليست وصاية. حيث هناك خطر دائما في أي موقع سلطة أن يتسلَّط المسئول وينسى أنه مكلّف ومحل مساءلة. باختصار، الشعب، من خلال الثورة التي أبهرت العالم كله، هو من كلّف المجلس، والحكومة، بمهمة رعاية الثورة والسهر على تحقيق غاياتها، ويحمد لرئيس الحكومة أن اعترف بطبيعة هذا التكليف في زيارته لميدان التحرير فور تكليفه. وبناء على ما تقدم، يحق للشعب من حيث المبدأ، إعفاء المجلس والحكومة من التكليف إن لم يثبتا جدارة في المهمة كما أسقفط حكومة تسيير الأعمال السابقة. كما أن مدى خدمتهما لغايات الثورة ستحدد مكانتهم في تاريخ مصر.لذلك يحز في النفس أن تنزلق الحكومة بالتحديد إلى تصرفات لا تليق براع أمين على ثورة شعب مصر. والمقصود هنا هو قانون تجريم الاعتصام. ولا يكفي التطمين بأن “القانون سيكون ضمن القوانين التى تُنفذ فى حالة الطوارئ فقط.” حيث مازلنا نعيش في ظل حالة الطوارئ من دون أي إعلان عن وقت رفعها. كما نربأ بالشرطة العسكرية أن تلجأ لأساليب العهد البائد في فض اعتصام سلمي للطلبة بالعصي المكهربة على حين تستشري البلطجة والسرقة بالإكراه في البلد. ما يثير التساؤل إن كانت الشرطة العسكرية، ذراع أمن المجلس، قد حلت محل الأمن المركزي البغيض؟إن تجريم التظاهر والاعتصام، مادام سلميا، انتهاك لحق أساسي من حقوق الإنسان، وتحلل من الالتزامات الدولية لدولة مصر بالانضمام إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان التي اصبحت جزءا لا يتجزأ من الأساس القانوني للدولة المصرية، ما يثير الريبة في أن التزام الرعاة بالاتفاقيات الدولية لا يعني إلا اتفاقية السلام المجحفة مع العدو. كما أن لقضاء مصر الشامخ أحكاما رائعةتكرس حق الإضراب السلمي. منظومة الحقوق هذه يتعين أن تبقي مقدسة وعلى رعاة الثورة ان يجدو السبل لتحقيق هذا الالتزام وليس الالتفاف عليه، مهما كان نبل المقصد. فالطريق إلى جهنم، كما يقال، ممهد بالنوايا الطيبة. وعلى حين نتفهم الدافع الطيب للحكومة، إلا أنها اختارت طريقا يقوم على إقرار الظلم، ولا يؤدي إلى الغاية المبتغاة، ولا يعني في االنهاية إلا الوقيعة بين الحكومة والشعب والثورة. وعلى الحكومة والمجلس تذكر أن دولة الظلم تبدأ بمظالم صغير سرعان ما تتراكم ما لم يرجع عنها إلى سبيل الرشاد حتى يصير تراكم المظالم بحارا هادرة تطيح بأعلى سدود الحكم التسلطي، كما فعل شعب مصر العظيم بواحد من أعتى نظم الحكم التسلطية منذ شهرين. وللرعاة علينا حق النصح، حتى لا تبقى المشاركة في المجال العام الحر الذي خلقته ثورة شعب مصر الرائعة مجرد انتقاد سلبي. بداية على الرعاة أن يتفهموا أن لا الثورة ولا الشعب ولا المحتجين على مظالم مبررة هم المسئولين عن كبوة الاقتصاد في مصر. المسئولون هم قادة النظام السابق الذين نهبوا البلد وأفقروا شعبها وقهروه بالبطش البوليسي الغادر، ثم عندما ثار على تراكم الظلم حتى صار لا يطاق، أهدروا أمان البلد والاقتصاد عندما أمروا الشرطة بالتخلي عن مهمتها الأصلية، وأعطوهم والشقاة من بينهم، أوامر بأن يعيثوا في البلد فسادا وإفسادا. كما على الرعاة أن يتفهموا أن بين شعب مصر الآن فئات مطحونة تعيش حياة لا تليق بشعب مصر الحر، وليس من العدل في شيئ أن يتسع صدر الرعاة لزبانية النظام البائد حتى يبدو أنهم محميين حتى من المساءلة العادلة بينما يضيق صدر الحكومة والمجلس باحتجاجات بعض المعذبين في مصر من جراء جرائم النظام البائد، وطبيعي أن يدفهعم انتصار الثورة إلى المطالبة بحقوقهم التي هضمها المجرمون طويلا. هل يعلم رئيس الحكومة أن أسرا بكاملها تعيش على أقل من مائة جنيه في الشهر، وهل يقبله؟ وهل يكون مآل من يحتج على مثل هذا الظلم البين أن يسجن لمدة عام أو يغّرم مبلغا يصل إلى نصف مليون جنيه لا يملك منها مليما؟! عندى أن الحد من الاحتجاج الشعبي يقوم على إقامة العدل، وليس تجريم الحقوق، ويعني ذلك على وجه التحديد: أولا: تقوم الحكومة، فورا، على ضمان حد أدنى من العيش الكريم اللائق لجميع المصريين، ليس فقط في المسكن والمأكل، ولكن بتوافر الرعاية الصحية اللائقة والتعليم الجيد للأطفال جميعا في مصر. وهذه هي المهمة الأولى التي يتعين على وزير التضامن الهمام أن يتوفر عليها. ولا يجب ابدا التعلل بقلة الموارد، فكما هرول وزير المالية لإقرار اعتمادات ضخمة لتعويض أصحاب الأعمال عن خسائرهم من الإنفلات الأمني، ولصرف تعويضات كبيرة وغير مستحقة للصحف الحكومية حين كانت تعادي الثورة، فليشمر رئيس الحكومة ووزيرا التضامن والمالية عن ساعد الجد لتكوين صندوق “الكرامة الإنسانية” في مصر. ثانيا: عقد محاكمات عاجلة وحاسمة ولكن نزيهة لكبار رؤوس الفساد في النظام السابق، من دون استثناء رأس النظام البائد وعائلته التي يعلم الجميع الآن أنهم كانوان وربما مازالوا أس الفساد والاستبداد في مصر، بهدف الاسترداد العاجل لأكبر قدر من الأموال التي نهبوا من دم الشعب وعرقه، واستغلالها لتمويل ” صندوق الكرامة” ودعم تنمية الطاقات الإنتاجية في البلد، ومن ثم استكمال مقومات الكرامة بخلق كميات ضخمة من فرص العمل الجيدة لشباب مصر. وقتها سيشعر المظلومون في مصر بأن هناك احتراما لكرامتهم وعدالة ناجزة، ووقتها يمكن أن يمنحوا الرعاة مهلة حتى يحصلوا على حقوقهم كاملة، إقامة للعدل في ربوع مصر.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل