المحتوى الرئيسى

عن الثقافة والمستقبل

03/25 10:18

بقلم: محمد برادة 25 مارس 2011 09:45:12 ص بتوقيت القاهرة تعليقات: 0 var addthis_pub = "mohamedtanna"; عن الثقافة والمستقبل  لا تكاد تخلو فترة من تاريخ المجتمعات من طرح أسئلة تتصل بالثقافة ومستقبلها ومحاولة التعرف على ملامح تـُطمئنُ الناس على أن الفكر والإبداع والبحث العلمى والتدبيـر الاقتصادى والصناعى هى على جادّة الصواب، وأن المثقفين والمعنيين بشئون الثقافة ساهرون على بلورة الخطط والمقترحات ليتمكن المجتمع والدولة من الاستهداء بها فى بناء مستـقبل أفضل، يحقق التوازن والتقدم.. ذلك أن الثقافة، فى معناها الواسع، تشمل طرائق العيش والسلوك والتفكير وتجديد القيم، كما تشمل بلورة العلائق بين الفرد والدولة، وترسى دعائم الحوار الجماعى والحوار مع الآخر.. ولأجل ذلك يغدو كل تفكير فى المستقبل مقترنا بالتفكير فى واقع الثقافة ومنجزاتها الملموسة واللامادية على السواء. وهذا الطابع الشمولى للثقافة الذى يجعلها تلامس كل المجالات والفئات، هو ما يجعلها بمثابة تيرموميتر تـُـقاس به أوضاع المجتمع المختلفة، وتـُحـدد على ضوئه الأسئــلة الحيويـة والملحـّة التى تـُــفـرزها الممارسة الاجتماعية، والصراعات السياسية. ولكن الثقافة، إلى جانب ذلك، تـمتـلك جانبا يــعـلـو على الظـرفىّ والعـابـر لأنه يـتصل بقـيم أخلاقية وعادات وذاكرة جماعية، هى مـُكـوّن أساس للهوية التى تعيش فى جدلية دائمة بين الثابت والمتحول، وتخضع لصيـرورة ليس لها قــرار.مـا يلفت النظـر فى تاريخ الثقافة العربية الحديثة، هو أن الجانب الموروث منها والـممتـد فى جذور التاريخ، بقـدر مـا كان منطــلقا لنهضة «إحــيــائــية» تواجه التـأخــر والاستـعـمـار، بقـدر مـا صــار عـائــقا أمام التفاعل الإيجابى مع ثقافة القرن العشرين فى مستواهـا العـالـمى، وتجلياتها العلـمية والمنهجية التى انعكست على تنظيم المجتمع، وتحريـر العقول، وتجديد الحضارة.. بعبارة أخرى، الثقافة العربية ــ الإسلامية الموروثة سـرعان مـا أصبحت وسيـلة فى يــد القـوى المحافظة، الـتقـليـدانـيـة، لـرفض «الآخـر» والاحتـماء فى قوقـعة الخصـوصية ومـا أنجـزه الأسلاف الصالحـون! ولـكن دينامية المجتمعات العربية، أثناء الكفاح من أجـل الاستقلال وبـعــده، مـدّتْ الجسـور مع المثــاقـفـة وأتاحت تـبادل التأثـيــر مع ثقافة العالم الحديثة وسيـرورة العـلم والفـكر والإبداع. وجميع هذه التداخلات والتحولات عرفت طـريقـها إلى مجالى السياسة والأيديولوجيا، كمـا انعكست على الحقــل الثقافى وأسئلته وصراعاتــه. ويستطيع الباحثون اليوم، أن يعيدوا قراءة مـُـنحـنى التطور السياسى منذ الاستقلال إلى اليوم، على ضوء الأطـروحات والتصورات الثقافية الأساس التى كانت تسـند مختلف الاتجاهات والكـُتل السياسية المـُؤثـرة.فى هذا السـياق، يطــالـعنـا كتاب طه حسين «مستقبل الثقافة فى مـصـر» الذى كتبه سنة 1938، ونشره بعد ذلك بسنوات. ولعلى لا أبتعد عن الحقيقة إذا زعـمتُ بأن وراء هذا الكتاب ــ المنعطف، رغـبة فى تنـظـيـر لحظـة تاريخية بدأتْ منذ عشريـنيات القرن الماضى، حين أخذ المجتمع المصـرى يـفرز تـوجـّهـات تجديديـة فى التفكير والبحث والإبداع، أعلنتْ عن نفسها بقوّة من خلال «أسس الحكم فى الإسلام» 1925، لمصطفى عبدالرازق؛ و«فى الشعـر الجاهلى» 1926 لطه حسين. ذلك أن التـيـار التحديثى فى مختلف المجالات، كان يـواجه عـقـبات وخصـوما يـتـمـتـرسون وراء الثقافة الموروثـة بدعوى أنها قادرة على تحقيق «الإحياء» وتشيـيد نموذج يـصـدُّ «الآخـر»، مستعـمـِـر الأمس والمـُهـيمن الجديد على العالم.وإذا كانت حـركيـة الواقع ومـعـاضـدة المثاقفة قد أسـعـفـتـا الحداثة العربية على أن تـغـرسـا بذورها الأولى، بغـير قليل من التضحيات، فإنها قد أفـرزتْ فى الآن نفسه أسئلة ثقافية كبيرة تـتـطـلـّـب حوارا وأجوبة تـنـيـر أفق المستقبل. ومن هـنا تأتى أهمية كتاب طه حسين: من كــونـه جـرُؤ َ على أن يصوغ الأسئلة المـُضـمـرة، ويـُؤشــر على «تـركيـب» ممـكن بين الأطروحات المتعارضة التى تحتــلّ ساحة السياسة وحقل الثقافة، منذ أواخـر القرن التاسع عشر. لـم يـغفـل طـه الحديث عن الثقافة العربية الموروثة وأمجادها، ولم يـقفـز على الجذور الفرعونية وأصالة بعض قيـمها المـُـجاوزة لسياق نـشأتـها. ولكنه عرف كيف يدافع عن ضـرورة الانفتاح على قـيـم الحداثة المـُتجـسدة آنذاك فى الغـرب، وبـخاصةٍ فى بلدان البحر الأبيض المتوسط التى قدمت نماذج حضارية جـديـرة بأن تكون موضع استيـحاء وتقدير. إذا اعـتـبـرنا مـا طرحه طه حسين نـوعـا من التـنـبـؤ بـما كان يـرى أنه سيـُشـكّل مستقبل الثقافة فى بلاده، فـإن تلك التـنبؤات لـم تتحقق على النحو المـُخصب الذى تـمـنـاه، لأن تأثـيـر القوى المحافظة كان أقوى من حضور وفعالـية الفئات المدافعة والمشخصة للحداثة التى لـم تعرف كيف تـتـمـثـّل الأنموذج الغـربى بدلا من أن تستـنـسـخـه.. وعلى الرغم من أن صاحب «الأيام» قد أعطى جرعات قوية لتجسيد مشروعه حين أصبح وزيـرا للتعليم، فإن غيــاب طبقة بورجوازية مصـرية تـمـتـلك خـلفيــة عـصـر الأنوار فى القرنين 18 و19 بأوروبا، عــرّضَ المستقبل الذى تـنـبـّـأ به طــه إلى مـصـيــر التلــفـيـق والمحاكاة العمياء والتعــايش الاحـتـرابى بين اتجاهات الثقافة، فى ظــلّ نـظـام سياســــى يفـتـقـر إلى الديمقراطية والحوار والمراهنة على الحداثة الحــقّ.على ضوء مـا تقدم من ملاحظات، سأحــاول أن أطــرح الإشكالية الثقافية، لا من زاوية «التـنـبـُّـؤ» بالمستقبل، وإنما انطلاقا من مفهـوم «ثــقـافة المستقبل» اعــتـبارا لـكـوْن خـارطة الثقافة فى العالــــم غـدتْ مكشــوفة ومــعروفة الأهداف والغايات، ولكون مــسـار الثقافة العربية «الحديثة» صـار أيــضـا مبــســوطــا أمام الناظرين من غير حجــاب، خاصـة بـعد الخلخــلة العميقة التى اجـتـرَحـتـْـها كل من تونس ومـصـر، والتى تفتح الطريق أمام إعادة النظـر فى كثير من القضايا والأسئلة الإلحاحيـة حتـــى تتمكن المجتمعات العربية من «تصحيح» المنطلقات، وضبط المفاهيـم على ضوء مـمـارسة ثورية جديدة، تـُخـرج المثقف والشابّ العربيـيـْن من منطقة «تفـسـير» أزمة المجتمع إلى مستوى تـغيـيـره و«إعادة صـُـنعـه» وفـق أسس ديمقراطية، حوارية، تتخـذ من الحداثة وسيلة للنقد المستـمـر، والجرأة على طــرح القضايا طـرحـا جذريا، يؤسـس لمستقبل التحـرر والعدالة والانتماء إلى العـصـر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل