المحتوى الرئيسى

رحيق الحياة‮ ‬الاستبداد ‮ ‬السياسي والديني

03/24 22:17

لم‮ ‬يلتزم احد‮ - ‬للأسف‮ - ‬بقرار المجلس الاعلي للقوات المسلحة الذي حظر التعليق والنقاش علي التعديلات الدستورية قبل الاستفتاء بيوم لعدم التأثير علي الناخبين،‮ ‬فقد تم توزيع المنشورات الداعية بالتصويت ل‮ " ‬نعم‮ " ‬للفوز بالجنة ونيل نعيمها،‮ ‬واستكمل الشيوخ نهج الترغيب والترهيب لمن‮ ‬يقول‮ " ‬لا‮ "‬،‮ ‬وفي المقابل وزعت المنشورات المضادة واستعدت الاتوبيسات لحمل المسيحيين إلي اللجان الانتخابية،‮ ‬تحول الجدل السياسي إلي احتقان ومعركة دينية افسدت الصورة النبيلة لملايين المصريين الذين خرجوا لممارسة حقهم الانتخابي بحرية لاول مرة،‮ ‬تجاوزات كثيرة تم رصدها بالصوت والصورة في مشاهد الفيديو علي اليوتيوب،‮ ‬اكثرها مرارة مشهد احد شيوخ السلفية وهو‮ ‬يخطب في الناس عن النصر المبين في‮ " ‬غزوة الصناديق‮ "‬،‮ ‬كل هذا جعلني استدعي كتاب‮ " ‬طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد‮ " ‬لعبد الرحمن الكواكبي‮ ‬الذي‮ ‬يعد من أهم كتب علم السياسة في‮ ‬العصر الحديث‮ . ‬يبدأ الكواكبي‮ ‬كتابه متسائلا عن تأثير الاستبداد علي الدين،‮ ‬علي العالِم،‮ ‬علي المُجِدِّ،‮ ‬علي الأخلاق،‮ ‬علي الترقي،‮ ‬علي التربية،‮ ‬علي العمران،‮ ‬مقدما طرق الاستدلال علي الاستبداد،‮ ‬وكيفية التخلص منه،‮ ‬فالاستبداد في تعريفه صفة للحكومة المطلقة العنان فعلا أو حكما،‮ ‬التي‮ ‬تتصرف في‮ ‬شؤون الرعية بلا حساب ولاعقاب،‮ ‬حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي‮ ‬تولي الحكم بالغلبة أو الوراثة،‮ ‬ويشمل التعريف‮ " ‬الحاكم المنتخب من الشعب متي كان‮ ‬غير مسؤول‮ "‬،‮ ‬و"حكومة الجمع ولو كانت منتخبة أيضا،‮ ‬لأن المشاركة في‮ ‬الرأي‮ ‬لا تدفع الفساد‮ "‬،‮ ‬و"الحكومة الدستورية المفرقة بين قوة التشريع وقوة التنفيذ والمراقبة‮"‬،‮ ‬ومن أشد مراتب الحكومة المستبدة التي‮ ‬يُتعوذ بها من الشيطان‮ "‬حكومة الفرد المطلق الوارث للعرش،‮ ‬القائد للجيش،‮ ‬الحائز علي سلطة دينية‮ " ‬ويؤكد الكواكبي ان أخطر نتائج الاستبداد تتمحور في إرساء جهالة الأمة،‮ ‬والجنود المنظمة،‮ ‬التي‮ ‬يقصد بها تجنيد وتطويع الجيش الخاضع للحاكم المستبد الذي‮ ‬ينفذ أوامره،‮ ‬مما‮ ‬يشيع الرعب في‮ ‬نفوس الرعية،‮  ‬ويصف المستبد بأنه دائم الاستعداد للشر،‮ ‬ويسعي دائما لترويض رعيته بحيث‮ ‬يكونون كما الأنعام‮ ‬،‮ ‬أويكونون كالكلاب في‮ ‬التذلل والتملق‮ .‬ويُرجع الكواكبي‮ ‬أسباب استبداد الحاكم إلي الاستبداد الديني،‮ ‬كلاهما‮ ‬يتعاونان لإذلال الرعية،‮ ‬والفرق بينهما أن الإذلالَ‮ ‬السياسي‮ ‬يُنهك الأجسام،‮ ‬بينما الإذلالُ‮ ‬الديني‮ ‬يُنهك القلوب والعقول،‮ ‬ويشير إلي تعاليم البوذية واليهودية التي‮ ‬تهدد أتباعها بالكوارث في‮ ‬الحياة إن هم شذوا،‮ ‬أو كالنصرانية والإسلام تهددهم بعد الممات وفي‮ ‬الحياة أيضا،‮ ‬والنجاة عند تلك الشعوب المُستبَدِّ‮ ‬بها طريقها‮ (‬الحُجّاب‮) ‬ممن لا‮ ‬يأذنون للناس بدخول جنة النعيم،‮ ‬ما لم‮ ‬يعظموهم مع تذلل وإصغار ويرزقونهم باسم نذر أو ثمن‮ ‬غفران،‮ ‬حتي أنهم‮ ‬يحجزون فيما‮ ‬يزعمون لقاء الأرواح بربها ما لم‮ ‬يأخذوا عنها مكوس المرور إلي القبور،‮ ‬وفدية الخلاص من مطهر الأعراف‮  ! .‬ويصل الكواكبي إلي الخلاصة قائلا‮ "‬ما من مستبد سياسي‮ ‬إلا ويتخذ له صفة قدسية‮ ‬يشارك بها الله،‮ ‬مشيرا إلي طائفة الكهنة والقساوسة والشيوخ لانهم وسطاء باسم الأديان،‮ ‬ويتهمهم بأنهم‮ ‬يعمدون من أجل ترسيخ نفوذهم إلي تقسيم الناس إلي شيع وأحزاب متصارعين،‮ ‬يعادون بعضهم بعضا،‮ ‬لكي‮ ‬يخلو الجو للاستبداد ليبيض ويفرخ‮ .‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل