المحتوى الرئيسى

والنص الموازي في رواية " عزازيل" ليوسف زيدان بقلم محمد جرادات

03/24 20:22

سيميائيةعنوان الرواية : أول ما يقابل القارئ في رواية زيدان هو عنوانها الرئيس " عزازيل " ويقرأ أيضاً على غلاف الرواية اسم المؤلف وكلمة ( رواية ) التي تحدد نوع هذا الكتاب ودار النشر وعبارات أخرى مثل : ( حائز على الجائزة العالمية للرواية العربية) و ( الطبعة الأصلية ) . ولعل عنوان الرواية هو أهم العناصر المشكلة للنص المحيط ، أو كما أسماه الناقد الفرنسي جيرار جنيت بالعتبات "فهو عتبة مهمة نلج من خلالها إلى عالم النص ، كما أنه نص في حد ذاته ، لأنه رسالة يبثها المرسل (الكاتب) ليستقبلها المرسل إليه (القارئ) ، فالعنوان ينتصب مرسلة لغوية كاملة تتميز باستقلال وظيفي في إنتاجيتها الدلالية بما يمنحها نصيتها الذاتية و فرادتها ، بالنظر إلى أن العنوان ليس مجرد فضلة لغوية للعمل الأدبي ، ومن هنا سيكون تحليل عنوان عمل ما مختلفا منهجيا عن تحليل عمله ، وقد يكون العنوان "كلمة ، ومركبا وصفيا ، و مركبا إضافيا ، كما يكون جملة فعلية أو اسمية و أيضا قد يكون أكثر من جملة " ونحن نقف على عتبات هذه الرواية(عنوانها) انطلاقا ، وهو مفتاح الدخول إليها نتساءل : ما هو عزازيل ? وما صلته بالرواية ؟ و ماذا قصد زيدان بعزازيل ؟ عند رجوعي لقاموس الكتاب المقدس وجدتُ معانى عديدة لكلمة عزازيل أكثرها يندرج تحت دلالات الشيطان والأرواح الشريرة" أو الجن في الصحاري والبراري أو ملاك ساقط " (1) فعزازيل كما رأى أكثر الباحثين الاسم العبري القديم للشيطان ،إبليس الذي يعد شخصية رئيسية في الرواية ويبدو ذلك جلياً في كلام هيبا عن عزازيل الذي يظهر في مواضع كثيرة في الرواية : " وما أنا يا إلهي إلا ريشة في مهب ريح ، يمسكها أصبع ضعيف ينوي أن يغمسها في الدواة ليخط كل ما وقع معي ، وكل ما جرى ويجري مع أعتى العصاة عزازيل وعبدك الضعيف ، ومرتا ... " (2) أو في عبارات مثل : " خدعه عزازيل اللعين بوسوسته ، فأخطأ آدم وعُوقب بالطرد من الجنة ، بحكم قُدوسية الرب الإله."(3) ولعزازيل هذا صلة متينة بالرواية وأحداثها ؛ فهو الذي دعا هيبا لتدوين الرقوق ، وبسببه يقاتلُ الناس بعضهم باسم الدين ، كصراع الوثنيين والمسيحيين وانقسام الكنائس المسيحية ، وهو من جعل هيبا يتيه في غوايته مع اوكتافيا ومرتا ، فهو شر في شر ، يسري داخل الإنسان سريانَ الدم في الوريد . نلحظ ذلك على لسان هيبا حين يقول : " ما الذي يريده عزازيل مني ، ولماذا يدفعني لكتابة ما كان وما هو كائن ؟ لا بد أن له غرضاً شريراً ، موافقاً لطبيعته لقد احتال عليَّ حتى أغواني بحكاية ما جرى ما أوكتافيا من فحش وخطية ، فتدنست روحي وتكدرت. " (4) . وأوضح زيدان في لقاءاته وحواراته العديدة ، أن كلمة عزازيل وإن كانت في العبرية تشير إلى الشيطان " إلا أن الهدف الحقيقي وراء لرواية هو التأكيد على إعادة بناء الأشياء و المفاهيم التي استقرت في أذهان الأشياء بشكل خاطئ "(5) فهو كما يرى زيدان صدى لما في داخل الإنسان وعقله الباطن الذي يدور فيه صراع الأفكار ، صراع يقوم على ثنائيات : الإنسان وذاته / الخير و الشر/ الإيمان و الكفر . عزازيل هو الباطن والوساوس التي تعتري الإنسان . أو كما يقول في الرواية مخاطباً هيبا : " نعم يا هيبا ، عزازيل الذي يأتيك منك وفيك "(6) أو ما يظهر في صفحة 100 من الرواية " يا هيبا قلت لك مرارا أني لا أجيء ولا أذهب. أنت الذي تجيء بي، حين تشاء. أنا آت إليك منك، وبك، وفيك. أني انبعث حين تريدني لأصوغ حلمك، أو أمد بساط خيالك، أو اقلب لك ما تدفنه من الذكريات. أنا أحمل أوزارك وأوهامك".(7) ويضيف هيبا قائلاً : "في أصل عزازيل، آراء وأقاويل. بعضها مذكور في الكتب القديمة، وبعضها منقول عن ديانات الشرق. لا تؤمن كل الديانات بوجوده، ولم يعرفه قدماء المصريين العرفاء 00 ويقال أن مولده في وهم الناس.. عزازيلُ نقيضُ الله المألوه.. هو أذن نقيض الإله الذي عرفناه، وعرفناه بالخير المحض. ولأن لكل شيء نقيضا، أفردنا للشر المحض كيانا مناقضا لما أفردناه أولاً، وسميناه عزازيل وأسماء أخرى كثيرة ". (8) الإهداء : تأتي صفحة الإهداء بعد صفحة الغلاف ، ونص هذه الإهداء هو : " إهداء خاص جداً إلى آية .. تلك يا ابنتي ، آيتي ، التي لم تجعل للعالمين ! " ولا أدري إن كان للدكتور يوسف زيدان ابنة اسمها آية حقاً أم لا والتي أهداها هذه الرواية إهداءً خاصاً جداً فهل كان هذا الإهداء حيلة فنية من تلك الحيل التي بنا الكاتب روايته عليها ؟ يتناص الإهداء تناصاً عكسيا مع الآية القرآنية الكريمة : ( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (1) أنستطيع القول بأن هناك صلة بين الرواية ـ التي تتحدث عن حياة راهب مسيحي يجول في فكره هواجس حول عقائد الديانة المسيحية سيما طبيعة يسوع وتجسده ، وأمه مريم ـ وبين هذه الآية الكريمة ؟ تتحدث الآية عن مريم وابنها عليهما السلام وكونهما معجزة للناس أجمعين ، ولكن "العالمين " اختلفوا في شأنهما كما يظهر في الرواية وتنازعوا حول طبيعتهما . فلم يُجعلا آية للعالمين ؛ بسبب ظلم البشر لبعضهم البعض باسم الدين كما يظهر ذلك في أحداث الرواية ؛ حين شب الصراع بين نسطور أسقف الكنيسة القسطنطينية وكيرلس أسقف الكنيسة المرقسية في الإسكندرية بسب اختلاف اعتقادي لدى كل منهما بطبيعة الأقانيم المقدسة المتمثلة بيسوع وأمه مريم ، وإنكار نسطور بأن المسيح اله وهذا ما أدى لعزله ونفيه . أم قصد زيدان بآيته تلك "بنات أفكار المبدعين التي لم تجعل آية للعالمين بسبب القهر الفكري للمجتمعات الظلامية "(2) والرقابة على أي إبداع فني ، كما حصل معه تماماً من هجوم رجال الدين عليه بعد نشره هذه الرواية ؟ الحديث الشريف : يصدر المؤلف روايته بعد صفحة الإهداء بحديث نبوي شريف : " لكل امرئ شيطانه، حتى أنا، غير أن الله أعانني عليه فأسلم " ( حديث شريف ، رواه الإمام البخاري بلفظ قريب ) يتضح للقارىء بسهولة أن هذا التصدير لم يكن عبثاً ، ولم يختر الكاتب هذا الحديث الشريف اعتباطياً ، بل هناك صلة وثيقة بين الحديث وموضوع الرواية ، فعزازيل هو الشيطان الذي يوسوس لهيبا ويزين له المحرمات ، ويدفعه في أتون الحيرة والقلق والاضطراب ، وهيبا هنا هو معادل موضوعي لكل إنسان أيا كان . لوحة الغلاف والصور تُعد لوحة الغلاف مخطوطة قبطية ( أو بردية محفوظة بمتحف فيينا كما بين المؤلف في ملحق الصور ) (1) وهي تصور الأسقف القبطي ثيوفليس يقف وتحت رجليه أجزاء من معبد الإله الوثني سيرابيون أو سيرابيس الذي كان أكبر معابد الإسكندرية الوثنية . حيث يأمر هذا الأسقف ـ كما تُظهر ذلك المخطوطة أو لوحة الغلاف ـ عوام المسحيين بهدم معبد السرابيون الكبير وتخريبه ، وهذا مرتبط بأحداث الرواية ، فنذكر هنا حديث اوكتافيا لهيبا حين سألها عن أستاذة الزمان هيباتيا ، إذ تقول: " إنها تلقي دروسها بالمسرح الذي بقلب المدينة ، أبوها ثيون كان يلقي دروسه في المعبد الكبير السيرابيون الذي كان يقف شامخاً عند الحي المصري ، جنوبي المدينة ، لكن المسيحيين خربوه وهدموه على رؤوس من فيه أيام ثيوفيلوس ". (2) أما الصور ، فكما يقول المترجم الوهمي ، الذي ابتدعه المؤلف ـ : " ثم ألحقتُ بالرواية بعض الصور المرتبطة بأحداثها " (3) فقد وُضعت هذه الصور في آخر الرواية عكس أكثر الروايات العربية ، حيث ترافق الصور أحداث الرواية وترد في ثناياها وليس في آخرها كما في عزازيل . وقد ألحق المؤلف هذه الصور ليزيد أيهام القارئ ويشوقه ، كما فعل في بدايتها ( مقدمة المترجم ) . وهذه الصور لأماكن متعددة : مقل بقايا منزل هيبا في بلاده الأولى وما بقي من أرضية منزل التاجر الصقلي وبقايا المسرح الذي استمع فيه هيبا لهيباتيا والخرائب الأثرية الواقعة شمال غرب حلب ( حيث وُجدت الرقوق ) والمطل الغربي للدير ( السماوي ) وأطلال الدير كما تبدو اليوم . وهناك صور لأشخاص كالصورة التي قد تكون للسيد الصقلي ، المرسومة على تابوته ( من مجموعة : وجوه الفيوم ) وصورة لهيباتيا ، العالمة الجميلة القتيلة ( من خيال الرسامين ) وأخرى للأسقف ثيوفليس يدعو فيها لهدم السرابيون ( بردية محفوظة بمتحف فيينا ) و صور للصخور البيضاوية ، التي اعتقدوا أنها نزلت مع النيل من السماء . وكل هذه الصور مرتبطة بشخوص الرواية وأماكنها أوردها المؤلف ليوهم القارئ بأن هذه الرواية حقيقة وجدت في رقوق . (4)

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل