المحتوى الرئيسى

الهند.. مرة أخرى..!

03/24 08:18

يتباهون فى الهند بمفهوم اسمه «حياد الدولة»، وهو أحد المفاهيم المؤسسة لدستور تلك الدولة العريقة، والصاعدة بمعدلات نمو كبيرة، سابع أكبر بلد فى العالم من حيث المساحة، والثانية فى العالم من حيث عدد السكان، والثانية عشرة من حيث قوة الاقتصاد بناتج إجمالى قدره 1.237 تريليون دولار أمريكى، يجعلها رابع أكبر قوة شرائية، ويتجاوز دخل الفرد فيها 1.068 دولار، ومعدل النمو يتراوح بين 5.8% و7.5% خلال العقدين الأخيرين. كل مشكلة لدينا هنا فى مصر تجدها مضاعفة ومضروبة فى ١٠ على الأقل فى الهند، نعانى من زيادة سكانية، لا تقارن بتعداد سكان الهند، ونعانى من مشكلات فى التركيبة الدينية للمجتمع بسبب وجود مسلمين ومسيحيين وعشرات اليهود والبهائيين، فيما تضم الهند عشرات الديانات بين الرسالات السماوية الثلاث والديانات الأرضية، يتصدرها الهندوسية والإسلام والسيخ والمسيحية والبوذية والزرادشتية، إلى جانب عشرات الديانات المحلية البدائية. لكن الهند قبل أن تبنى اقتصاداً قوياً، وقوة عسكرية هى الثالثة أو الرابعة فى العالم، ومشروعاً نووياً سلمياً وعسكرياً، وسياسة خارجية مستقلة، وتعليماً صاعداً، بنت أول ما بنت «المواطنة» ورسخت فكرة الدولة المحايدة، والقادرة على الاستفادة من هذا التنوع الدينى والطائفى، وصهره فى إطار عام واحد، رفعت شعاراً رسمياً للدولة يقول: «الحقيقة وحدها تنتصر»، ورسخت لدى مواطنيها حقيقة أن الله رزقنا هذه الأرض الخالدة العريقة، وقدرنا أن نتعاون جميعاً لنموها وخيرها وتقدمها. لم تتبن الهند مبدأ «حياد الدولة» بذات النسق العلمانى المتطرف الذى يعادى الدين ومظاهره ورموزه، وإنما فى سياق يشجع على التدين، ويحاول أن يكون لهذا التدين انعكاس مباشر على الأخلاق، وفى الوقت نفسه لا يستدعى الدين ونصوصه ورجاله لحسم مشاكل سياسية فى مجتمع تعددى ثقافياً ودينياً وسياسياً. بنت الهند هذا النموذج الرائد والملهم فى التعايش والاندماج بمسارين أساسيين، أولهما: نظام انتخابى واسع منح الهند، بجدارة، لقب «أكبر ديمقراطية فى العالم» وثانيهما: نظام سياسى قائم على مبدأ أصيل هو تداول السلطة، وقناعات اختيار لدى مواطنى الهند لا تجعلهم ينظرون كثيراً لأديان المرشحين، فتجد رئيس الدولة مسلماً، وقد تجد رئيس الوزراء هندوسياً، وقد تجده مسيحياً، إلى جانب نظام لا مركزى فى الحكم وحكومات وبرلمانات إقليمية منتخبة ديمقراطياً، وأحزاب قوية وذات حضور، تختلف فى الأيديولوجيا، لكنها لا تختلف على مصالح البلاد العليا، ولا تقامر بسلامة نسيجها الوطنى، إلى جانب نظام تعليمى غير طائفى يرسخ لدى متلقيه انتماء أساسياً ورئيسياً للدولة، ويزرع فيهم أمانة الحفاظ على هذا التنوع الطائفى والسياسى والثقافى فى إطار الوطن الواحد. لذلك تصعد الهند وتتقدم وتستقر وتفرض إرادتها فى منطقتها رغم معاناتها فى قطاعات الخدمات ومكافحة الفقر، وتتجاوز الأزمة المالية العالمية لتواصل نموها، وتواصل تماسكها الداخلى، وديمقراطيتها الرائدة، لتطرح نفسها باستمرار كدولة نموذج، مؤهلة لمزيد من الصعود ومزيد من الفرص للمشاركة فى قيادة العالم. الدولة المحايدة هى دولة جميع مواطنيها، ولأنها كيان اعتبارى من اختراع الإنسان لتنظيم حياته، فلا يجوز أن يكون لها دين تعتقد فيه، الواجب أن تقدر وتجل أديان مواطنيها على السواء، وأن تحضهم على تدين لا ينفى الآخر، ولا يحرض عليه، لا أن تتفرغ هى للعبادة وممارسة الوعظ والإرشاد، دولة دينها مصالح مواطنيها، جميع مواطنيها..! * نشرته فى يناير 2010 sawyelsawy@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل