المحتوى الرئيسى

آن لــــــــك أن تســـــــــــــــتريحي قصة من وحي حياتي بقلم:محمد محمود عمارة

03/23 23:36

نظرت إليّ بعينين هدهما المرض فاستسلمتا لسطوته ، ومن دون الحضور حولها همست : " ادع لي الله أن يقصّر عمري في دنيا البشر و يعجل لقائي به. " كلظى البراكين نزلت كلماتها على قلبي فأحرقته و مزقت نياطه ، اندفعت نوافير مقلتيّ طوفاناً أختفت تحت أمواجه معالم وجهي ، ارتفع صوتي نهنهةً و بكاءاً كطفل صغير و أنا الراشد الذي انتصف الأربعين . " كيف تطلب مني هذا الطلب ؟ هل ظنت أن لساني سيطاوعني لأدعو عليها؟!! أي صخر أصم هذا الذي يطاوعه لسانه ليدعو على أمه بالموت حتى ولو كان في الموت راحتها ؟ حتى الابن العاق لا يفعلها ." انتحيت بنفسي بعيداً حتى لا ترى دموعاً فشلت كل حواجزي في السيطرة عليها ، لكني اكتشفت انني انتحيت بعيداً عن البشر لأقع فريسة ذكريات مريرة . أنظر إليها مشفقاً و أنا أعلم يقيناً أنها محطتها الأخيرة و أن المسألة ربما ساعات ...أيام ...أسبوع... أسبوعان ... لكنها لن تزيد عن ثلاثة ، هكذا أخبرني أخي الطبيب و هو يهاتفني ليطلب مني سرعة العودة إلى الوطن لعلي أحظى بساعات أخيرة إلى جوارها ، قال لي : إن نزفت أمك فاعلم أنها النهاية . و ها قد نزفت . أنظر إلى الفراش الذي استقر عليه جسد أنهكته الحياة بقسوتها ..بابتلاءاتها ...بمرها أكثر من حلوها ، فأرى النمل يحيط به من كل جانب .. لم يرحم ضعفها ..لم يقدر مرضها ..فراح ينهش جسدها المبتلى تاركاً أثاراً لا تخطؤها العين ، و كأنما اتفق مع المرض لينهشاها ، لكن كلٌ بطريقته ، أما هي فقد عجزت عن أن تدفع عن نفسها أذاه فاستسلمت لقدرها و قالت دعوه فلعل الله كتب له في جسدي رزقا. هكذا أمي ... تقف كطود شامخ أمام كل ابتلاء ، لا تشكو و لا تدع الآخرين يستمعون إلى أناتها .. أرى قسوة الألم تحفر صوره على وجهها فأسألها : "ما بك يا أمي ؟ " فتجيب : " لا شئ يا بني " ، هذا ديدنها لا تريد أن تشغل الآخرين بآلامها ولا أن تحملهم همومها. حتى الطبيب الذي كان يحقنها في المرئ ثماني عشرة حقنة ، استسلمت ليديه و لمنظاره يغرس سنه في مريئها كيفما يترائى له و استكثرت على نفسها الآهة حتى لا تزعجه. هذه المرأة التي ترقد هناك يفتك بها العطش و قد مُنعت من قطر الماء لأيام ثلاثة ..يكاد يعصف بي الجنون شفقة عليها و أنا أراها تبلل شفاها بلسان قد جف لعله يذهب بعضاً من ثورة العطش. شريط حياتها يمر من أمام عيني : محن و ابتلاءات . تمرد عليها رحمها فامتلأ أوراماً ، ولا أعلم هل عاقبه الطبيب أم عاقبها حين أزاله !! أما ظهرها فلم يمهلها فآلمها أيما ألم حتى كاد أن يعجزها عن الحركة و لم يهدأ إلا بعد أن شقه مشرط الجراح ليكتشف ورماً استوطن حبلها الشوكي و أعد العدة ليغزو باقي جسدها ليستبيحه . منذ يومين كنت سعيداَ و أنا أراها تنطلق كفراشة بين أبنائها و أحفادها ، تنطلق إلى شاطئ البحر معنا نهاراً ، و تتنزه مع أخوتي لتستمع بهواء البحر مساءاً، كانت الحيوية تملأ وجهها حتى أنني قلت بيني و بين نفسي " كذب الأطباء و لو صدقوا " و لكن يبدو أنها الحيوية التي تسبق علامات الموت. حين فرغت من وضوئي رن هاتفي متزامناً مع صوت المؤذن يعلن فجر يوم جديد ، اسم أبي يظهر على شاشة الهاتف و صوته ينادي من أسفل شرفتي ، فتحت بابها لأخبره أني مستيقظ و أني على وشك النزول إلى المسجد ، لكن كلماته كانت موجزة و مزعجة : " أمك تنزف " ، لقد نزفت و هي تتوضئ للفجر. كانت عيناه زائغتين .. لا أعرف كيف صرت أمامه ، كيف فتحت باب شقتي ، كيف هبطت الدرج ، كيف وصلت إلى هناك ؟ لا أعرف ، كل ما أعرفه أنني وقفت عاجزاً عن التفكير ، كل ما يدور في رأسي جملة واحدة: بداية النهاية. هاهي الآن تتوالى عليهاالحقن تتراً بشتى أنواعها حتى دكت آخر حصون تحملها فبكت ، نعم بكت كطفلة صغيرة و هي تتوسل إلى الممرضة ألا تعطيها المزيد من الحقن والممرضة تخبرها أن جسدها يغلى من ارتفاع الحرارة ، لكنها زادت في البكاء ، طلبت مني الممرضة أن أمسك بذراعها لكن يدي لم تطاوعني فتسلم المهمة أخي الأصغر الذي كان رابط الجأش ، غرست الممرضة إبرتها في ذراعها الذي اختفى بياض ثلجه تحت زرقة الحقن و حاولت أن تسحب دماً فأبى جسدها أن يجود بالمزيد حتى ولو كان قطرات. على الرغم أنها حُقنت للمرة الثانية في مريئها ، و على الرغم أن الطبيب طمأننا و سمح لها بالعودة إلى المنزل ، ها هي تنزف مرة أخرى ، ركضنا بها إلى مستشفى آخر ، نقلنا لها دماءاً لكن بقى معدل البلازما عند مستوى الخطر ، لكن وجهها يوحي بعكس ذلك ، كان كالقمر المنير ، يكاد يتفجر الدم منه . طلب أخي مني و من أبي أن نغادر و أن أذهب إليه عند منتصف الليل لأكمل الليلة مع أمي ، لكنه اتصل بي ليخبرني أن أمك بخير فابق و لا تأتي. في الصباح الباكر رن الهاتف : أمك تنزف للمرة الثالثة ، هذه المرة كانت تنزف و تنظر إلى شئ لا نراه ، لابد أنها النهاية التي نبأنا بها الأطباء ، وقفت عاجزاً لا أملك سوى دموعي و الدعاء و تلقينها الشهادة أكررها و أخوتي و لم نهدأ إلا عندما رأينا شفاها ترددها. أدار أخي سريرها و وجهها إلى القبلة ، وضعت يدها تحت خدها وفاضت روحها بسهولة غريبة ، نظرت إليها فوجدتها كطفل صغير نائم في دعة و سكون ، ذكرت الها ، قبلت جبينها وقلت لها و أنا أستعرض شريط حياتها : الآن آن لك أن تستريحي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل