المحتوى الرئيسى

حتي لا تتكرر مأساة التليفزيون المصري

03/23 23:15

لاشك في أن الاعلام الجماهيري‏,‏ خاصة مؤسسة الاذاعة والتليفزيون‏,‏ يشكل محورا من المحاور الأساسية التي يجب تأكيد أهميتها‏,‏ خاصة ونحن في تلك المرحلة المهمة من مراحل التطور التاريخي المصري‏.‏ فثورة شباب‏25‏ يناير المجيدة فتحت الأبواب المغلقة علي مصراعيها لإنطلاقة هواء نظيف وصحي يحل محل هذا الهواء العفن الذي افسد كل شيء في مصر العظيمة‏,‏ وسمم ماءها وهواءها ومواردها البشرية والاقتصادية والثقافية والفكرية والعلمية ومنع بالقوة الجبرية مسيرة الحرية والديمقراطية والكرامة التي كانت مصر تتغني بها حتي في أحلك فترات الاحتلال البريطاني بأصوات وأقلام العديد من مفكري الأمة وفنانيها الكبار‏,‏ وجسد صوت أم كلثوم الخالد في نشيدها مصر تتحدث عن نفسها هذه العظمة التي اتصفت بها مصر ــ أرض الكنانة ــ هذا النشيد الخالد استعاد قدرته مرة أخري علي التأثير في المشاعر ودفع الأحاسيس إلي الانطلاق نحو الأمل ــ بعد أن غاب تأثيره طويلا ــ استعاد هذا النشيد قوته المؤثرة تماما كما كان يؤثر في جيل ثورة‏1952‏ ــ وكما كنا نتفاعل مع كلماته وأشعاره وموسيقاه الخالدة‏..‏ فلقد جسد عظمة مصر الثقافية والفنية ومكانتها ومكتسباتها الفكرية المتراكمة علي مراحل ممتدة منذ بدايات القرن التاسع عشر التي مهدت الي تكوين مرتكزات فنية بنيت بعناصر فكرية وثقافية وعلمية‏,‏ ومثلت منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتي منتصف ستينيات القرن العشرين القاعدة الوطنية العلمية والتربوية والبحثية والاقتصادية والثقافية‏,‏ كان هدفها الأول والأخير رفع قيمة الأمة وتحقيق رخائها وتقدمها‏,‏ واضعة مشروعها القومي لتحقيق التنمية في مجالات عديدة‏,‏ وكان له تأثيره العميق في مجالات عديدة‏,‏ اجتماعية وثقافية وحضارية‏,‏ فشكلت تلك القاعدة الحصن الحصين لمصر كنواة مهمة لم يستطع أي مفسد أن ينال من قوتها وقدرتها علي العطاء وتغيير أو إفساد وجه مصر الحضاري والثقافي والعلمي‏.‏ كما استطاعت هذه القاعدة أن تستبدل وجه مصر الذي كان قبل بدايات القرن التاسع عشر يعاني الفقر والجهل والفساد بوجه مشرق بالعلم والمعرفة العلمية والفكرية والبحثية في صورها المختلفة وأشكالها الأدبية والثقافية والفنية استطاعت إقامة الجسور والقنوات واستبدلت الجهل بالعلم والتخلف بالتقدم والازدهار‏.‏ ولقد تحقق من خلال هذا التقدم العلمي والمعرفي نهضة فكرية واقتصادية كبري في الزراعة والصناعة والتجارة‏,‏ والثقافة من فنون وآداب حملتها وسائل الاعلام المتعددة من الصحافة والسينما والاذاعة ثم التليفزيون إلي آفاق عديدة داخل وخارج الوطن‏,‏ خاطبت الأفراد بمنطق العصر وعبرت عن أدق المشاعر وجسدت روح المجتمع والانسان المصري‏..‏ ولعل تمثال نهضة مصر علي مدخل جامعة القاهرة أول جامعة كبري أهلية في الشرق العربي ـ كنتاج فني وفكري جسد عظمة الوطن وقدراته الخلاقة في تلك المجالات العديدة التي استطاعت أن تحقق رسالتها في نشر الفكر والفن والعلم بحزمة متكاملة من السياسات الرشيدة‏,‏ طبقت بخبرة عالية من مجموعة منتقاة من مثقفي مصر وأهم أعلامها الثقافية والفكرية‏.‏ ولكن مع دخول الأجواء الفاسدة وتوغلت في أعماق المجتمع خاصة منذ بدايات الثمانينيات‏,‏ توارت وخفتت هذه الأضواء وغيبت مصر وكبلت أصواتها‏,‏ وغاب تعبيرها‏,‏ فحلت محل أصوات التحرر والعزة والكرامة أصوات مغرضة ومفتعلة وفاسدة تحارب التقدم وتجيد الوسائل العديدة والملتوية في تلفيق الحقائق وفبركة المعلومات التي تسعي إلي تحسين صورة سياسات خاطئة مستعينة بشخصيات من أنصاف المثقفين غير أمينة علي الوطن وثقافته لتهيئ تلك السياسات المفسدة التي أساءت إلي الفرد والجماعات الشريفة وإلي ثقافة المجتمع‏,‏ فلم تتعامل من منطلق أن الأفراد في المجتمع يشكلون قوة بشرية تسعي كل الدول الحرة والمتقدمة الي حمايتها وحماية حقوقها المكتسبة‏.‏ وفي هذه الأجواء مارس اتحاد الاذاعة والتليفزيون سياسات عديدة خاصة مع التوسع المفرط في مغامرة الاقتصاد الحر واقتصاديات السوق كان من أهم عواقبها فتح أبواب الفساد علي مصراعيه في تلك المجالات المهمة التي تخاطب عقل وفكر وثقافة الفرد والجماعة‏,‏ وتفنن المسئولون عن تلك السياسات في اتاحة الفرصة للاعلانات التجارية أن تصبح هي المتحكم في العديد من البرامج الأكثر جماهيرية‏,‏ فغابت التوعية الحقة وأصولها العلمية ومبادئ الاعلام والاتصال الجماهيري وسط تلك المضامين الاستهلاكية التي لاتهدف إلا لمزيد من تحقيق الربح المادي‏,‏ فغابت القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية‏..‏ ولم تناقش في التليفزيون الوطني وقدم في أغلب الأحيان كل ماهو مسطح فانعكس كل ذلك في مجالات الفنون المختلفة‏,‏ وفتح باب الفساد علي مصراعيه أكثر وأكثر فبيعت أصول البرامج العديدة التي قدمت في عصور الازدهار‏,‏ وتفنن المسئولون في تلك السياسات غير مبالين بالعواقب الجسيمة لهذه الجرائم التي ترتكب في حق تراث وتاريخ الأمة وما يمكن أن تسببه لمزيد من الإحباط الفكري والمعنوي‏.‏ وأصبحت تلك السياسات الاعلامية خاصة التليفزيونية رافضة لأفكار التنمية الوطنية والتوعية الحقة مفضلة أفكار التغييب والاثارة والتمييع الفكري والمعنوي وركاكة التعبير الفني والثقافي مستهدفة بعثرة الرأي العام وتضليله وتفتيته في صورة جزر منفصلة‏.‏ فتبدلت أهداف الاعلام الاذاعي والتليفزيوني كرمز من رموز الديمقراطية وأداة مهمة لتحقيق التوافق الوطني وصوت يعبر عن صوت الشعب ويحمي حق الفرد في التعبير من خلال لغة الصورة والكلمة كلغة هي من أكثر اللغات تأثيرا‏,‏ ولتحقيق الترابط الاجتماعي والتنمية الفكرية والحضارية والتوعية بالحقائق المعاشة كوسيلة لها قدرتها لتحقيق التجاوب مع نبض الشارع المصري وإتاحة المزيد من التفاهم حول القضايا‏,‏ والمشاركة السياسية في القرارات المهمة‏,‏ تلك الأهداف جميعها نحتاج إليها في تلك الفترة المهمة خاصة ونحن نعيش فترات مهمة من تاريخنا الوطني والذي يتطلب مشاركة واسعة منا لتحقيق الاصلاح خاصة في مجالات الاعلام ولن يتحقق هذا الاصلاح في مجال الاعلام‏,‏ الاذاعي والتليفزيوني إلا بوضع قيادات وطنية نزيهة علي رأس هذا الجهاز الخطير لاتمت بصلة من قريب أو من بعيد بالعهد السابق المظلم الذي أساء كثيرا لفكر وتاريخ وعقلية الانسان والمواطن المصري والعربي‏.‏ فلا يمكن اعطاء مسئولية هذا الجهاز المهم لأشخاص ارتبطت أسماؤهم بالنظام السابق في مجالات الاذاعة والتليفزيون‏,‏ ولخطورة الدور الوظيفي الثقافي والفكري والتربوي والحضاري للتليفزيون المصري‏,‏ خاصة كجهاز مهم لايمكن الاستهانة بقدراته كلغة مهمة يمكنها التأثير المباشر في تشكيل عقل وفكر العديد من أبناء هذا الوطن‏,‏ خاصة في ظل واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي شديد الحساسية ويتطلب الكثير من الدقة في اختيار قيادات هذا الجهاز الاعلامي الكبير‏.‏ ونحن نثق كل الثقة في قدرة المجلس الأعلي للقوات المسلحة حامي ثورة شباب يناير المجيدة علي انتقاء القيادات الصالحة فيمن تقع عليه مسئولية هذا المنصب الرفيع‏,‏ خاصة في ظل الظروف الانتقالية شديدة الخطورة يجب أن يكون شخصية لها تاريخها الثقافي والفكري المضئ ومشهود لها بالأمانة في التعامل مع تراث الوطن وتاريخه‏,‏ قادر‏,‏ علي حماية ثورة شباب يناير من التلاعب بأفكار قد تكون مناهضة للانجازات العظيمة التي تحققت‏,‏ فيجب التأكد والحرص في اختيار تلك الشخصية بألا تكون استمرارا لسياسة الاذاعة والتليفزيون السابقة البائدة التي لم تعرف قيمة ثقاقة مجتمع عريق كمصر ولم تحافظ علي وحدته وقيمه ولغته التي حققت مكتسبات عظيمة ثقافية وسياسية واجتماعية وحضارية ليس لمصر وحدها بل وللأمة العربية بأسرها‏.‏ فهذا المنصب الرفيع يجب أن يعهد به لأشخاص لهم تاريخ ثقافي وفكري مضئ ويشهد بمراعاة قدسية المعرفة والعلم واحترام عقلية الانسان وتراثه الفكري والثقافي‏,‏ قادرا علي حماية شباب يناير المجيدة ومكتسباتها ويعي معني النزاهة والتنمية الفكرية وحقوق الانسان والمشاركة في صنع القرار‏,‏ قادرا علي حماية ثورة‏52‏ يناير من التلاعب بأفكار مناهضة للانجازات العظيمة التي تحققت ولايكون استمرارا لسياسة الاذاعة والتليفزيون السابقة التي لم تحترم ثقافة مجتمع عريق كمصر ولم تحافظ علي وحدته وقيمته وتاريخه ووطنه ولغته التي حققت لمصر مكتسبات عظيمة ثقافية واجتماعية وسياسية وتاريخية وحضارية ليس لمصر وحدها بل وللأمة العربية بأسرها‏.‏

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل