المحتوى الرئيسى

كيف تكون "قذَّافياً" مستتراً بقلم: جواد البشيتي

03/23 20:15

كيف تكون "قذَّافياً" مستتراً جواد البشيتي أوَّلاً، لا بدَّ لي من الاعتراف بأنَّ مقالتي عمَّا يحدث في ليبيا (مواقف "ثورية" لمصلحة القذافي!) قد جاءتني بردود من بعض القرَّاء كانت جميعاً سلبية لجهة المواقف التي تضمَّنتها من مقالتي؛ وإنِّي لأرى في هذه السلبية شيئاً من الإيجابية (المبدئية) مع أنَّ الإيجابي والسليم من المواقف المبدئية يمكن، في العالم الواقعي للسياسة، أنْ يغدو سلبياً وخاطئاً. الآن، يحتدم صراع بين ثورة الشعب الليبي (ثورة السابع عشر من فبراير) ونظام حكم العقيد القذافي؛ ومَنْ ليس مع هذه الثورة لا يمكن إلاَّ أنْ يكون (ولو موضوعياً) ضدَّها، ومع نظام الحكم هذا. إنَّ علينا، بادئ ذي بدء، أنْ نحسم أمرنا، ونحدِّد موقفنا، فإمَّا أنْ نقف مع ثورة السابع عشر من فبراير وإمَّا أنْ نقف مع القذافي ونظام حكمه. وأنا، على ما أحسب، وقفتُ الموقف السليم مبدئياً وسياسياً إذ وَقَفْتُ إلى جانب هذه الثورة ضد نظام حكم القذافي الذي، على ما أحسب أيضاً، لن يقف معه إلاَّ أمثاله وأشباهه في الموقف من الثورة الشعبية الديمقراطية العربية الكبرى، في ميادينها (أي بلدانها) كافة. في أحد الردود، جاء الآتي: لا أُصدِّق أنْ أقرأ كلاماً كهذا من شخص عربي. كيف يمكن أن يكون تأييدنا لهجوم الغرب علينا (ثورياً حقَّاً). إنَّ هذا لهو الباطل بعينه؛ والأولى أنْ ندعو إلى مقاومة الجيوش الغربية التي جرَّبها المغفَّلون في العراق؛ وكلنا أدرى بالنتيجة التي آلت إليها الأمور. هناك صواريخ وطائرات تهاجم بلادنا، وتقتل شعوبنا العربية؛ أهذا هو موقفنا ممَّا يحدث؟! هذه هي الروح القومية (العربية) القبلية؛ فهناك هجوم (عسكري) للغرب "علينا" جميعاً، أي على العرب كافة، وكأنَّ هذا "الهجوم" على مواقع عسكرية لنظام حكم القذافي والذي يستهدف منع سلاح الجو التابع للقذافي من ضرب الثوار والمدنيين العزَّل، وتقتيل العشرات والمئات منهم، يجب أنْ يُفْهَم على أنَّه هجوم للغرب "علينا" جميعاً نحن العرب، فالقذافي أصبح، بفضل هذه الروح القومية القبلية، "نحن العرب جميعاً"! هذا القذافي عرَّف نفسه بنفسه إذ قال (مخاطباً إسرائيل، ومستنجداً بها وبنفوذها في الغرب) إنَّ انتهاء نظام حكمه لن ينزل برداً وسلاماً على أمن إسرائيل، وسيضر بأمن الدولة العبرية كثيراً. وثمَّة كثير من الأدلة على دعم إسرائيلي بالأسلحة (وغيرها) لنظام حكم القذافي ضد ثورة الشعب الليبي. إنَّني لا أُصدِّق أنَّ دافعاً إنسانياً وأخلاقياً وحضارياً وديمقراطياً كان يكمن في الحملة العسكرية (الجوية والبحرية) للحكومات والدول الغربية (أي لبعض هذه الحكومات والدول) في ليبيا؛ لكنَّني أصدِّق أنَّ هذا الدافع هو ما دفع الشعوب والمجتمعات الغربية إلى أنْ تؤيِّد، ولو من حيث المبدأ، التدخُّل العسكري الغربي (الدولي) لحماية المدنيين في ليبيا من بطش الآلة العسكرية (الجوية على وجه الخصوص) للقذافي؛ وأُصدِّق، أيضاً، أنَّ هذه الحكومات والدول لا تستطيع أن تتجاهل (كثيراً، أو دائماً) الرأي العام لمجتمعاتها. ونحن ينبغي لنا ألاَّ نضرب صفحاً عن حقيقة أنَّ هذا التدخُّل العسكري الغربي (الغربي من حيث أسلحته وأدواته ورجاله) قد جاء تطبيقاً لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1973؛ والشعوب العربية لها مصلحة حقيقية كبرى الآن، حيث تنتفض وتثور ضدَّ حكَّامها الاستبداديين انتصاراً لحقوقها الديمقراطية والسياسية والإنسانية والاجتماعية، في تحصين انتفاضاتها وثوراتها السلمية ضد ما تلقاه، أو يمكن أن تلقاه، من قمع حكومي لها يشبه كثراً أو قليلاً قمع القذافي لثورة شعبه عليه، فالمجتمع الدولي يجب أنْ يعتاد أنْ يقف مواقف سياسية وعملية ضدَّ قمع المدنيين الثائرين العزَّل مشابهة لموقفه من قمع القذافي لشعبه، وإلاَّ تشجَّع نظام الحكم الاستبدادي العربي على اللجوء إلى الطرائق والأساليب والوسائل القذَّافية في صراعه ضد ثورة الشعوب عليه، فالقذافي، بما حلَّ به، وبما سيحل به، يجب أنْ يكون عبرة لكل حاكم عربي يمكن أن تسوِّل له نفسه أنْ يُغْرِق الثورة الشعبية السلمية لشعبه عليه في بحر من الدم. مثال العراق يختلف عن مثال ليبيا في جوانب عدة، لعلَّ أهمها أنَّ التدخُّل العسكري الغربي (الدولي) في ليبيا يقتصر (في أدواته وأسلحته) على الضرب من الجوِّ والبحر؛ ولن يشتمل على احتلالٍ لأيِّ جزء من الأراضي الليبية؛ فإذا اشتمل فسيتحوَّل، عندئذٍ، الموقف الإيجابي منه إلى موقف سلبي، وتصبح الدعوة إلى مقاومة الجيوش الغربية صحيحة تماماً من وجهة نظر قومية ثورية. ونحن ما كنَّا لنتردَّد في الوقوف ضد كل تدخُّل عسكري غربي في ليبيا لو رأينا قوَّة عسكرية عربية مشتركة (أو غير مشتركة) تتولَّى هي تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1973، وتحمي المدنيين الليبيين العزَّل من المجازر التي ارتكبها نظام حكم القذافي في حقِّهم؛ أمَّا أنْ نقول "لا" لهذا التدخُّل العسكري الغربي (الدولي) مع غياب تدخُّل عسكري عربي مماثل فهذا إنَّما يعدل، عملياً وواقعياً، أن نقول "نعم" للقذافي في مضيِّه قُدُماً في ذبح الشعب الليبي وثورته. وفي ردٍّ ثانٍ، جاء الآتي: أتمنى أنْ تكون لدى كاتب المقال (أي لديَّ) الشجاعة الكافية للرد على سؤال "ما العيب، أو المانع، في أنْ يطلب أبو مازن (رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس) مساعدة عسكرية إسرائيلية للقضاء على الحركة الإسلامية (حركة "حماس") المتمردة في قطاع غزة، علماً أنَّ ما حدث في قطاع غزة يشبه تماماً ما يحدث الآن في ليبيا؟". صاحب هذا الردِّ يقول أيضاً: وفي غزة أيضاً توجد مجموعة متأسلمين يحملون السلاح، وينقلبون على الشرعية؛ فإذا كانت الأخلاق والدين (من وجهة نظرك) يسمحان لك ولأمثالك بأن تبيح وتجيز استخدام الغرب للقوة العسكرية في ليبيا فلماذا لا نستعين بإسرائيل للقضاء على "حماس" في قطاع غزة، فننتهي منها، ومن أذناب إيران إلى الأبد؟ إنَّني أنتظر إجابتك؛ مع أنَّني متأكِّد تماماً أنَّك لن تكون قادراً على الإجابة. لا أعرف السبب الذي حَمَلَ هذا القارئ على التجاهل التام لموقفي؛ فأنا في المقالة نفسها قلت وأوضحت إنَّ من حقِّ الشعب الليبي الذي يُذْبَح أنْ يستعين بكل شياطين الأرض "إلاَّ الشيطان الإسرائيلي" الذي استغاث به القذافي فأغاثه. ثورة الشعب الليبي استنجدت بالمجتمع الدولي، وبالأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها، فأتتها النجدة على شكل قرار دولي (قرار مجلس الأمن الرقم 1973) وأتاها تطبيق هذا القرار على شكل تدخُّل عسكري غربي (من الجو والبحر، ومن غير احتلال لأراضٍ ليبية). هذا القارئ يخلط كثيراً في المقارنة، وفي أوجه المقارنة، حتى أنَّني لم أعرف مَنْ هو المستهدَف في التدخُّل العسكري الإسرائيلي، هل هو حركة "حماس" أم أبو مازن؟! ومع ذلك أريد أنْ أقول له (على ما فهمتُ من نيَّته في القول) إنَّ حركة "حماس" لا يمكن مقارنتها أبداً بنظام حكم العقيد القذافي؛ فنظام الحكم هذا لا يشبه إلاَّ نفسه، فليس كمثله نظام حكم من حيث إفراطه في الفاشية والإجرام والعداء لحق شعبه في التطوُّر الديمقراطي. والثورة الشعبية الديمقراطية في ليبيا ليست بمجموعة من المتأسلمين الذين حملوا السلاح، وانقلبوا على الشرعية. إنَّها ثورة تتسع لاتِّجاهات وميول فكرية وسياسية مختلفة؛ وثورة تتمتع بثقل شعبي لا ريب فيه؛ وثورة سلمية لم تحمل، ولم تستخدم، السلاح، حتى أضطَّرها القذافي نفسه إلى حمله واستخدامه؛ وثورة تسلَّحت من مستودعات السلاح التابعة للقذافي نفسه، وإذ انضم إلى صفوفها جزء كبير من الجيش الليبي؛ وثورة لم تنقلب على الشرعية؛ لأنَّها، وبما تتمتع به من ثقل شعبي جلي، هي الشرعية (الشعبية الثورية) ولأنَّ نظام حكم القذافي لا يحظى بأيِّ شرعية إلاَّ في عيون أشباهه وأمثاله من الاستبداديين، أو من عَبَدة الاستبداد. وفي ردٍّ ثالثٍ، جاء: نحن اليوم بإزاء تعرُّض بلد عربي شقيق، وشعب عربي أبي ومسلم، لغزو وعدوان غاشم، تقوم به قوى غربية استعمارية، هدفها السيطرة على مقدَّرات الشعوب الضعيفة.. عن أيِّ ثورة شعبية تتحدَّث يا جواد البشيتي؟! عن تحرُّك ومؤامرة لتقسيم ليبيا؟! عن تحرُّك ومخطَّط غربي لتمزيق وتقسيم الدول العربية؟! هل تسمِّي تقسيم ليبيا إلى شرقية وغربية ثورة شعبية؟! كيف تصفها بأنَّها ثورة سلمية وقد استعملت كل أنواع السلاح حتى الطائرات الحربية؟! إنَّها تحرُّك لم يَقُمْ به إلاَّ الخونة والعملاء والطابور الخامس. في هذا الرَّد، أرى "إنكاراً" من النوع "القذافيِّ"؛ فالثورة الليبية ليست شعبية؛ إنَّها ثورة الخونة والعملاء والطابور الخامس؛ أمَّا هذا الشعب الذي رأيناه يخرج على بكرة أبيه فليس من الشعب الليبي العربي الأبي المسلم! هذه الثورة، وعلى ما يزعم صاحب الرَّد، ليست "سلمية"؛ وكأنَّه لم يرها في أيَّامها الأولى وهي جموع هائلة من المدنيين العزَّل، تدعو إلى سلمية الثورة، فترد عليها "الكتائب الأمنية" الفاشية بالرصاص والذخيرة الحية. وهذه الثورة لم تستخدم السلاح (والطائرات الحربية) إلاَّ بعد انضمام جزء كبير من الجيش الليبي إليها، وردَّاً على تقتيل "الكتائب الأمنية" للمدنيين العزَّل. مرَّة أخرى أقول إنَّ الوقوف، بلا تردد أو تذبذب أو وجل، إلى جانب ثورة الشعب الليبي (ثورة السابع عشر من أيار الشعبية الديمقراطية) ضدَّ نظام الحكم الفاشي الإجرامي للعقيد معمر القذافي وأبنائه هو وحده الموقف الثوري السليم؛ وإنَّ هذا التدخُّل العسكري الغربي (الدولي) هو شَرٌّ لا بدَّ منه؛ وليس مهماً لون القط ما دام في مقدوره أكل الفأر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل