المحتوى الرئيسى

المستشارأشرف البارودي يكتب:وقالت بثينة...

03/23 12:20

فاجأتني بمكالمة تليفونية خاطفة لم أتوقعها، كان صوتها يموج حماسا وانفعالا وصدقا وهي تطلب مني أن أكتب نقلا على لسانها وبأسلوبي تجربتها ورؤيتها في يوم الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وأضافت أنها غير قادرة على التركيز في الكتابة لأنها دخلت في إضراب عن الطعام!! أما سبب الإضراب فهو طلب عزل القيادات الإعلامية الفاسدة في التلفزيون المصري. صدمت! حاولت بكل هدوء ممكن إفهامها- اقتناعا وإشفاقا -أن تلك القيادات لن يسعدها شئ أكثر من أن تموت هي وأمثالها جوعا، لكنها رفضت حتى مجرد الاستماع !كان طبيعيا أن أعرض عليها أن أعيد صياغة كلماتها على ان تنشر بإسمها، حاولت أن أجاملها  قائلا أن الرؤساء والعظماء في العالم يفعلون ذلك ويستأجرون كتابا محترفين ليكتبوا سيرهم الذاتية وأنا لا أمانع (موحيا أني رجلا كريما) أن أتولى هذه المهمة بغير أجر، وجاءني ردها الرافض  دبشا سريعا حاسما  بمقولة أن هذا نوع من الكذب، وهي لا تقبل الكذب! انكبست قليلا وأحرجني وصفها لما عرضته عليها بأنه كذب، لكني عملت نفسي مش واخد بالي! قلت لها أن رأيي في التعديلات هو "نعم" مع التضرر وأنا عاصر على نفسي ليمونة،  بينما أن رأيها هو "لا"، وأنه لعله من الأولى أن تستعين بمن يوافقها في الرأي .في الحقيقة تشرفت بالمهمة بيني وبين نفسي وسعدت بالثقة ، وآمنت بأن الديمقراطية الحقيقية هي أن أنقل بأمانة ومحبة وتقدير الرأي الآخر، سعدت بالمهمة وتحمست لها  ورأيتها ستخفف عني الكثير من إحساس ألم يعصر روحي ولا يريد أن يتوقف للحظة بسبب العزلة عن بلادي وحضن بلادي ودفء بلادي، والكثير الكثير من مشاعر الذنب وقد أنفقت سنوات من عمري فيها أزرع وأتألم ثم أزرع قدر طاقتي واستجير بالله وأعض على نواجذ الصبرعلى أمل الحصاد، ولما جاءت أخيرا ساعة الحصاد يشاء الله أن أكون بعيدا وحيدا في بلد آخر، وهكذا  منحتني بثينة ثقة وشرفا ، كما منحتني دون قصد منها أيضا مخرجا مؤقتا وهدنة من شجوني تستغرقها لحظات الكتابة لتخبرني أني لا زلت موجودا وعلى تواصل بمصر على نحو ما، استمعت لبثينة، كتبت وراءها وهي تتحدث كالعاصفة بصوت متهدج وحماس للوطن وللثورة لا يوصف، تنتقل من موضوع لآخر بسرعة البرق وأنا أحاول ملاحقتها، حاولت التدخل بين الحين والحين بتعليق هنا أو هناك فمنعتني نهائيا من الكلام وامتثلت طبعا (وهل لدي اختيار؟!)، وجدت صعوبة كبيرة في إيقافها حتى لاستجلاء بعض النقاط فيما تقوله أو العودة بها للموضوع الأصلي لاستكمال أحداثه، شعرت أني أحاول تقليب صفحات جريدة الأهرام ، العدد الأسبوعي من الحجم الكبير في قلب عاصفة خماسين،فماذا قالت؟ قالت بثينة "أنا سعيدة بإعادة إحياء حركة شايفينكم والمراقبة الشعبية، وما أن نشرت رقم التليفون لتلقي الشكاوى المتعلقة بالعملية الانتخابية حتى تلقيت آلاف المكالمات، تليفوني في يوم التعديلات الدستورية أصبح أشهر تليفون في مصر، قالت بثينة "أنا فرحانة بمصر وبالشعب، لطالما تمنيت  أن يكون الشعب إيجابيا، وهذا يعزيني حتى فيما تعرض له الشعب من إعلام موجه وتعمية فظيعة تمثلت في وضع عملية ديمقراطية بحتة في سياق طائفي وكأن "نعم" هي صحيح الإسلام وأن "لا" هي الكفر والضلال المبين! قالت بثينة "رغم ذلك كنت متمسكة بكلمة "لا" أضع علامات لها على كل ملابسي وأنا أسير في الشارع وأحسست من بعض الناس بمشاعر كراهية تجاهي وكأني كفرت، وكأني عدوة للوطن سوف تخرب البلد ولكني لم أنزعج لإدراكي أن هؤلاء هم ضحايا آلة إعلامية رخيصة تروج للفكر السلفي والانقسام الطائفي لصالح الثورة المضادة"، قالت بثينة أن صديقتها راجية عمران وهي محامية قد اعتقلت مع صحفية أجنبية من داخل لجنة انتخابات فرعية رغم تقرير قاضي اللجنة أنها كانت تحمل تصريحا واستغربت عدم تدخل القاضي رغم ذلك لمنع اعتقال صديقتها، وأن معتقليها أرادوا على حس الصحفية الأجنبية  أن يخبطوها قضية تخابر، المنطق الكلاسيكي للجيش والخيانة العظمى!!!!سألت بثينة ضابطا شابا اسمر برتبة رائد معجب بذاته، فأخبرها ان صديقتها نقلت إلى المديرية، دارت بثينة بين الأقسام والمديريات بحثا عن صديقتها وهي مستاءة فقط لأن الصحفية الأجنبية سوف تروي قطعا تجربة سلبية في حق مصر وانتخابات مصر، وفي المديرية لاحظت بثينة أن المكتب الذي أجلسوها فيه فائق الفخامة، فخامة أيام حبيب العادلي!استعانت بثينة باتصالاتها وحاولت انقاذ صديقتها، اخبروها أن صديقتها قد اخلي سبيلها، لكنها رفضت التصديق وقالت ان هذه حالة اختفاء قسري واضحة لأنه سبق وأن ادعوا على  صديقتها أنها كانت قد سبّت  بعض الجنود وهذه جريمة، نهايته، عادت للمحكمة لتفهم من القاضي موقف صديقتها ،قالت بثينة " ما أن وصلت للمحكمة حتى انشرح صدري وطار قلبي فرحا بمنظر طابور الناخبين الطوييييييييييل ، واني سعدت وضحكت كثيرا من تعليق أحدهم على شعارات "لا" التي تغطي كل ملابسي فبادرني قائلا"واللهي عسل! عشانك حبيت "لأ!!"قالت بثينة " لا أقبل المعاكسات ، ولكني لم آخذ تعليقه على انه معاكسة، بل حالة ابتهاج بمصر ومن أجل مصر.قالت بثينة " أكن مزيدا من الإعجاب والاحترام للدكتور/ محمد عطية رئيس مجلس الدولة وأنه كان فوق الكل، لاحظت أنه هو الوحيد الذي لا يستعمل لفظ البيك أوالباشا مفضلا لقبه العلمي"يا دكتور"، لم تتردد بثينة ضاحكة في اتهام نفسها بالغباء وهي تصف لقاءها بالدكتور/ عطية إذ ما أن رأت وجهه حتى صاحت باندفاع غير مبرر"الاستفتاء باطل!!" وأضافت أنه رجل عظيم وانه نقل بالطائرة دون تردد خمسمائة قاض كانت اللجان في أمس الحاجة لهم آمرا بفتح باب اللجان دون موعد وحتى أخر ناخب، شعرت بثينة بغاية الفخر ببنات جنسها ( أعتذر عن التدخل بالتعليق، لكني أعرف مسألة بنات جنسها تهمها كثيرا!) كانت في غاية الفخر والتيه بسيدات النيابة الإدارية اللائي صممن على النزول والمشاركة ولو في أصعب وأبعد اللجان، إسنا..الأقصر.. شرم الشيخ..الغردقة..قلب الصحراء (أشارك بثينة الفخر والثقة في كفاءتهن) . وأخيرا قالت بثينة "سعادتي لم يكن لها مزيد وأنا أتلقى مكالمة من وكيل نيابة شاب يخبرني عن سعادته الكبرى بمنظر العيال والشباب الصغير وهم يتولون تنظيم العملية الانتخابية بأنفسهم، رأت بثينة بقلب مبتهج سيدات على كراس بعجلات يدلين بآرائهن، استوقفها منظر سيدة كبيرة تصطحب طفلتها ذات الاثني عشر عاما، الأم تريد أن تقول نعم، وابنتها تلح عليها أن تقول لا! فرحت بثينة واطمأنت على مستقبل مصر في يد الأجيال الجديدة.  أشاركها الفرحة طبعا، انتهى كلام بثينة، ولم تنته تعليقاتها التي ليست للنشر، ولكنني سأنشرها على أي حال " هذه الثورة هي طفلي الرضيع وسأحميه بعمري إلى ان يقف على أقدامه وأسلمه لأصحابه" ، لا أريد شيئا لنفسي...ولكني لن  أقبل  لوطني أبدا بأقل من كل شئ!"، انتهت المكالمة، ولم تنس بثينة أن تلومني لأني مقصر في حق مصر دون أن تدري أنها تضع الملح على جراح البعاد والإحساس بالذنب الذي يلتهم روحي على مدار الدقيقة والساعة، فهي لا ترى غير مصر، تعجبت في نفسي وأحسب أني في حل من إبداء الأسباب، شجاعة هي لدرجة التهور بل والحماقة لا شك، اشجع من رجال كثر بشنبات، مندفعة بأعين مغمضة وآذان مسدودة ولكن بكل وجدانها ، لا تتوقف حتى لتستمع لنصح أو مراجعة ناسية خلفها صحتها وبرنامجها وشهرتها ومرتبها وحياتها لتلقي بنفسها في قلب الخطر في  الشارع كل مرة دون أن تتراجع ولا مرة، تدخل في مناقشات لا تنتهي في عرض الطريق مع كل من هب ودب، عنيد حرون ،تصرخ وتغضب وتحتد لتنتهي بصوت مبحوح مكسور مشروخ من كثرة الصراخ رغم أن صوتها هو رأسمالها فتتكلم بطريقة تثير الإشفاق والضحك في آن ، تنادي بالديمقراطية وهي ديكتاتورة سكة حديد، ظالمة هي وأنانية مع كل من يحبونها ويخافون عليها ويا لسوء حظ كل من يقترب منها!، فهي لا تبالي بهم ولا بغضبهم منها وعليها ولا تبالي حتى بنفسها وتعلن صراحة أنها لا تبالي بالموت ذاته وتقف أمام البنادق وتركب على الدبابات ويتمزق معطفها في الشارع فتطلع علينا في شاشات التلفزيون – وهي المذيعة- بمعطف ممزق ورأس مبطوح!لا تقبل النصح وتتمسك بحريتها بحساسية مبالغ فيها وكأنها مهددة ، تضع على صدرها منذ سنوات طوال شعار "ضد الفساد" دون كلل أو يأس وتحاسب نفسها حساب الملكين وتقسو وتبالغ إذا ما نسيته يوما،وفي الأيام الأخيرة أضافت لشعارها صليبا كبير يحتضنه هلال لا تتحرك بدونهما ،تكاد أن تتحول بثينة إلى متحف شعارات متحرك! لحسن الحظ انها أنهت اضرابها عن الطعام سريعا انضماما  لزملائها الذين تصادف انهم قرروا تبني وسائل أخرى!ولكنني على كل حال تمسكت بمهمتي وهي شرف لي ،وها أنذا قد أنهيتها مع هذه السيدة العاصفة، عاصفة ظالمة من الصدق والوطنية والإخلاص والقلق!..القلق؟ عليها يجوز، ولكن أبدا ليس على مصر  لأنها ببساطة – هذه المصر العبقرية الرائعة – تكمن روعتها في أنها تموج بكثير من أمثالها  من أبناء هذا الوطن، هي إعلامية.. على شهرتها أزعم أنها لم تكتشف بعد، بالمناسبة، كدت أن أنسى!اسمها الكامل هو بثينة كامل!               

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل