المحتوى الرئيسى

فى نفس الغرفة

03/23 08:17

الصباح صورة مكررة من كل يوم. المكاتب الأربعة فى الغرفة الواسعة. والوجوه المنهمكة أمام شاشة الكمبيوتر، والأنامل التى تدق على لوحة المفاتيح. وقلبها الذى يدق ويدق. ينادى ولا أحد يسمع النداء. «ألو، أحمد! هل تسمعنى؟». عجيب أن تصطخب كل هذه الضجة داخلى ولا تسمعنى. صحيح أن شفتىّ مضمومتان ولسانى صامت. صحيح أننى لا أسمح لعيونى أن تفضح ما بداخلى. لكن عجيب أيضا ألّا تسمعنى. ومثلما يحدث فى كل صباح، دخل عامل البوفيه حاملا لفافة ضخمة من الساندويتشات وأقداح الشاى الساخن. شاعت ابتسامات الارتياح على الوجوه، الهدنة التى يتطلعون إليها كل صباح، والأحاديث المرحة التى يتبادلونها وهم يرشفون الشاى، والسعادة التى تستشعرها حين تسمع صوته جادا أو ضاحكا أو مجادلا مُحْتدما. شعرت بسكينة رطبة تحتويها وسلام نفسى يرفرف عليها. هؤلاء الأعزاء الذين تحبهم وترتاح إليهم. (سلمى) و(عبدالله) و(أحمد). لكنّ قلبها منحته لأحمد. لا يدرى شيئا عن حبها المكتوم. لا يدرى أنها، كل مساء، تضع رأسها على الوسادة، وتستعيد كل حرف نطق به وتحلم. ابتسمت شفتاها الرقيقتان للذكرى، وشاعت فى وجهها سعادة نورانية. كانت سلمى تقول مزحةً وهى تمضغ الطعام، وعبدالله يجادل بصوت مرتفع، أما أحمد فكان يرشف الشاى الساخن فى استمتاع بعد أن نسف طعامه فى دقائق. ابتسمت فى تسامح وهى تنظر إلى ساندويتشها الذى لم تأكل إلا نصفه. طفل! رغم أنه مثلها فى الثلاثين طفل، لذلك استثار مكامن أمومتها. ولولا خوفها من افتضاح السر لمنحته ساندويتشها الآخر دون تردد «ألو، أحمد! هل تسمعنى؟». رشيقة، محتشمة، خجولة، صبوحة الوجه، هادئة الطباع، ورغم ذلك لم تتزوج. لا تدرى ما السبب. أشياء كثيرة تحدث فى الدنيا بلا سبب. خذ عندك أحمد مثلا؟ لماذا أحبته كل هذا الحب وهو لا يعلم!. فمن المجنون هنا: هى أم الحياة؟ الدنيا لغز، أُحْجية، فزورة يصعب حلها. الكل قَلِقٌ من أجلها. أمها، شقيقتها الكبرى، خالتها، صديقاتها، هى أيضا كان يقلقها أن يمضى العمر ولا تجد من تفيض عليه مكامن عواطفها. لكنها سرعان ما تُسلّم أمرها إلى الأقدار وتبتهل فى صلاتها. أوشك الطعام أن ينتهى، وأقداح الشاى، والهدنة المؤقتة، والحرية فى التطلع إلى أحمد. عادت الوجوه تحدق فى الشاشات المضيئة، والأنامل تدق على لوحة المفاتيح، وعاد قلبها يدق والمشاعر تجيش فى صدرها. عجيب حقا أن يتواجد عالم مواز من الأحاسيس مع هذا العالم المادى، ورغم ذلك لا ينصت إليه أحد. راحت تكتب وتكتب. وأصابعها تنخفض وترتفع، ولوحة المفاتيح تطاوعها، وكأنها تشاركها العزف الجنونى. من حسن الحظ أن الجميع كانوا منشغلين بأعمالهم. من حسن الحظ أن أحدا لم ينظر إليها!. وإلا لشاهد سيلاً من الدموع قد تدفق فجأة على خدها، والشاشة المضيئة امتلأت بعبارة واحدة: «ألو، أحمد! هل تسمعنى؟». aymanguindy@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل