المحتوى الرئيسى

سقوط النشو

03/22 22:47

‮‮> ‬أواصل هذا الاسبوع حكاية شرف الدين عبدالوهاب النشو،‮ ‬الذي صعد من قاع المجتمع الي قمة السلطة في العصر المملوكي‮ .. >‬ ‬وعظم النشو عند السلطان،‮ ‬ثم عبر السلطان الي نسائه وسبهن وعرفهن ما جري،‮ ‬وقال‮:‬‮»‬مسكين النشو ما وجدت له احدا يحبه كونه ينصحني ويحصل مالي‮«.‬وفي‮ ‬نفس السنة،‮  ‬شكا المماليك من تاجر كسوتهم،‮ ‬فطلب السلطان النشو وألزمه بحمل كسوتهم من الغد،‮ ‬ومعها مبلغ‮ ‬عشرين دينار فنزل النشو وألزم الطيبي ناظر المواريث بتحصيل خمسة الاف دينار،‮ ‬وبعث المقدمين الي الاسواق ففتحوا حوانيت التجار واخذوا كسوة المماليك وحوائجهم واخفافهم ونعالهم وغير ذلك،‮ ‬واخذوا مركبا فيه عدة بضائع طرحوها علي الناس بثلاثة امثال قيمتها،‮ ‬واحيط بتركة نجم الدين محمد الاسعودي،‮ ‬وقد مات وترك زوجة وابنة وابنا‮. ‬واخذت كلها،‮ ‬وأخذت وديعة من تركته لاولاده ايتام تحت حجره،‮ ‬مبلغا نحو خمسين الف درهم،‮ ‬وانفقت في يومها علي المماليك والخدام،‮ ‬وفتحت قيسارية جهاركس،‮ ‬واخذ منها مقاطع الشرب‮ »‬قماش رفيع من الكتان‮« ‬برسم الكسوة فارتجت المدينة بأهلها،‮ ‬وترك كثير من التجار حوانيتهم وغيبوا،‮ ‬فصارت مفتحة،‮ ‬والاعوان تنهب لانفسها ما ارادت،‮ ‬فلم ير يومئذ بالقاهرة ومصر الا باك او صائح او نائح،‮ ‬فكانا يومين شنيعين،‮ ‬وعول ارباب الحوانيت علي رفع ما فيها وخلوها،‮ ‬فعرف النشو السلطان ذلك فنودي‮ »‬من اغلق حانوته اخذ ماله وشنق‮« ‬ففتحوها‮.‬لم يبق في مصر إلا باك او صائح او نائح‮.‬هكذا في بساطة وقوة يلخص المقريزي ما وصل إليه حال الناس تحت سطوة النشو،‮ ‬وتمضي السنوات حافلة بظلمه،‮ ‬يمضي النشو الي الاقاليم فيصادر الاموال،‮ ‬واذا افرج عن انسان يشق هذا عليه،‮ ‬ولا يهدأ له باله حتي‮ ‬يعيده مرة اخري الي السجن،‮ ‬وفي هذا الخضم تجري محاولة لاغتيال النشو،‮ ‬اذ حدث في يوم الاثنين ثاني عشر رمضان ان اعترضه فارس،‮ ‬ضربه،‮ ‬فأخطأ سيفه رأس النشو،‮ ‬جرح كتفه فقط،‮ ‬فغضب السلطان‮ ‬غضبا شديدا،‮ ‬ولم يحضر السماط،‮ ‬وارسل الاطباء لمعالجة النشو،‮ ‬واغلظ علي الامراء بالكلام،‮ ‬ومازال يشتد ويحتد حتي عاد القصاد بسلامة النشو فسكن ما به‮.‬وتجيء سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة،‮ ‬ولا يكف النشو،‮ ‬ولا يهدأ،‮ ‬يسعي في الناس بالشر،‮ ‬ولا ينجو من اذاه امير او طحان،‮ ‬وعندما يبلغه ان الوعاظ يدعون عليه من فوق منابر الجوامع،‮ ‬يسعي السلطان حتي يمنع الوعاظ بأجمعهم من الوعظ،‮ ‬وتستمر الاحوال علي ما هي عليه في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة،‮ ‬يأخذ النشو مال الاقباط مع انه كان في الأصل قبطيا ثم اسلم،‮ ‬ويستولي علي حلي النساء،‮ ‬يقول المقريزي‮:‬‮»‬وفيها كثرت مصادرة النشو للناس من اهل مصر والقاهرة والوجه البحري والقبلي،‮ ‬حتي خرج في ذلك الحد‮«.‬ولكن لكل اول آخر،‮ ‬ولكل بداية نهاية‮.‬النهايةسنة‮ ‬اربعين وسبعمائة‮..‬في يوم الاثنين ثاني صفر قبض علي النشو،‮ ‬وعلي اخيه شرف الدين رزق الله،‮ ‬وعلي اخيه المخلص،‮ ‬ورفيقه مجد الدين،‮ ‬وعلي صهره ولي الدولة‮.‬كيف‮:‬لنصغ‮ ‬الي المقريزي محدثنا عن هذا الزمن البعيد‮.. »‬وسبب ذلك انه لما اسرف النشو في الظلم بحيث قل الجالب للبضائع وذهب اكثر اموال التجار لطرح الاصناف عليهم بأغلي الاثمان،‮ ‬وطلب السلطان منه يتزايد،‮ ‬خاف النشو العجز فرجع عن ظلم العامة،‮ ‬الي التعرض الي الخاصة ورتب مع اصحابه ذلك‮.‬وكانت عادته في كل ليلة ان يجمع اخوته وصهره ومن يثق فيه للنظر فيما يحدثه من مظالم فيدله كل منهم علي داهية،‮ ‬ثم يفترقون وقد ابرم للناس بلاء يعذبهم الله به من الغد علي يده،‮ ‬فكان مما اقترحه ان رتب أوراقا تشتمل علي فصول يتحصل فيها الف الف دينار عينا،‮ ‬وقرأها علي السلطان،‮ ‬ومنها التقاوي السلطانية المخلدة بالنواحي من الدولة الظاهرية بيبرس والمنصورية قلاوون في اقطاعات الامراء والاجناد وجملتها مائة الف اردب،‮ ‬سوي ما في بلاد السلطان من التقاوي ومنها الرزق الاحباسية علي الجوامع والمساجد والزوايا وغير ذلك وهي مائة الف فدان‮ »‬وثلاثون الف فدان‮«.‬ويمضي المقريزي في سرد تفاصيل ما خططه النشو مع اقاربه للاضرار بكبار الامراء وكان ما تفتق عنه ذهنه،‮ ‬هو الزام متولي كل اقليم باستخراج التقاوي من ارضه وحملها الي خزائن السلطان،‮ ‬ثم تباع من جديد الي الناس بمعرفة الخاصة السلطانية،‮ ‬انزعج الامراء من هذا القرار،‮ ‬وقال احدهم للسلطان‮ »‬ياخوند والله ان النشو لضرك اكثر مما ينفعك‮«.‬ويبدو ان السلطان امعن الفكر،‮ ‬واحس ان النشو مكروه لدي الجميع،‮ ‬ولم يكن اتخاذه القرار سهلا،‮ ‬فكتب الي الامير تنكز نائب الشام يستشيره في الامر،‮ ‬ويخبره ان النشو اصبح مكروها من الجميع،‮ ‬ولكنه يخدم السلطان وينفعه،‮ ‬واجاب الامير تنكز مؤيدا سوء سيرة النشو،‮ ‬وختم خطابه قائلا‮ »‬ورأي السلطان فيه أعلي‮«.‬وكثرت الاوراق التي كانت تلقي الي السلطان وتحوي ذما للنشو،‮ ‬ومما قيل في بعضها‮:‬ايا ملكا اصبح في نشوةمن نشوة الظالم في نشيهانشيته فلتنشئن ضغائنهستري‮ ‬غباوتها‮ ‬بصحبة‮ ‬غيهحكمته فحكمت امرا فاسداوتوحشت كل القلوب لفحشهستري بوارقها اذا ما اظلمتوتحكمت ايدي الزمان ببطشهولتندمن ندامة كسعيهيوما اذا ذبح الخروف بكبشهوقرأ السلطان في ورقة أخري‮:‬امعنت في الظلم واكثرتهوزدت يا نشو علي العالمتري من الظالم فيكم لنافلعنة الله علي الظالموحدث ان مرض الامير يلبغا،‮ ‬وكان السلطان يثق فيه،‮ ‬فأقام عنده حتي يطمئن عليه،‮ ‬وخلال حديثهما قال يلبغا‮: »‬ياخوند‮: ‬قد عظم احسانك لي ووجب علي نصحك،‮ ‬والمصلحة تقضي بالقبض علي النشو،‮ ‬فالامراء جميعا يكرهونه،‮ ‬ويكرهونك لحبك اياه،‮ ‬وما من مملوك من مماليك الا يترقب‮ ‬غفلة منك ليقضي عليك انتقاما منك لانك تركت هذا الشخص يعبث بمصالح الناس‮«.‬وبكي يلبغا،‮ ‬وبكي الناصر،‮ ‬وقام من عنده مبلبل الخاطر،‮ ‬ليصدر امرا بالقبض علي النشو‮.‬يقول المقريزي‮:‬‮»‬وطلب السلطان المقدم ابن صابر،‮ ‬واسر اليه ان يقف بجماعته علي باب القلعة وباب القرافة،‮ ‬ولا يدعو واحدا من حواشي النشو واقاربه واخوته ان ينزلوا،‮ ‬وان يقبضوا عليهم كلهم،‮ ‬وأمر السلطان الامير بشتاك والامير برسبغا الحاجب ان يمضيا الي النشو،‮ ‬ويقبضا عليه وعلي اقاربه فخرج بشتاك وجلس علي باب الخزانة وطلب النشو من داخلها،‮ ‬فظن النشو انه جاء لميعاده مع السلطان حتي يحتاطا علي موجود اقبغا عبدالواحد،‮ ‬فساعة ما وقع بصره عليه امر مماليكه بأخذه الي بيته من القلعة،‮ ‬وبعث الي الامير ملكتمر الحجازي فأخذ اخاه رزق الله واخذ اخاه المخلص وسائر اقاربه،‮ ‬فطار الخبر الي القاهرة ومصر،‮ ‬فخرج الناس كأنهم جراد منتشر‮«.‬خرج الناس كالجراد المنتشر‮!!.‬لحظة مدببة في مسار الزمن،‮ ‬عندما ينتهي الكابوس العام،‮ ‬فيسري الاثر الي كل انسان،‮ ‬البعيد،‮ ‬الداني،‮ ‬الكبير،‮ ‬الصغير،‮ ‬لحظة الخلاص،‮ ‬عندما يندفع الانسان الي خارج بيته،‮ ‬يظن انه بمفرده،‮ ‬واذا بالجميع في الشارع،‮ ‬هكذا خرج الناس كالجراد المنتشر عندما سمعوا بخبر القبض علي النشو وزمرته،‮ ‬وفي القلعة جلس السلطان،‮ ‬ومازال في نفسه شك،‮ ‬انه يقول للامراء‮:‬‮»‬وكم تقولون النشو نهب اموال الناس‮! ‬الساعة ننظر المال الذي عنده‮«.‬ملامح القاهرة‮ ‬في القاهرة يعم الفرح،‮ ‬اغلقت‮ ‬الاسواق،‮ ‬واتجه الجميع الي ميدان الرميلة تحت القلعة،‮ ‬كما يتجهون الي ميدان التحرير في العصر الحديث،‮ ‬او ميدان العتبة،‮ ‬او الي منشية البكري‮ »‬ليلة التاسع من يونيو ‮٧٦٩١‬،‮ ‬وليلة وفاة عبدالناصر‮«‬،‮ ‬جاء الليل والناس لم تنصرف بل اوقدوا الشموع،‮ ‬يرفعون علي رءوسهم المصاحف،‮ ‬وينشرون الاعلام،‮ ‬وهم يضجون ويصيحون استبشارا وفرحا بقبض النشو،‮ ‬والامراء يشيرون اليهم ان يكثروا مما هم فيه،‮ ‬وقضوا الليل كله علي ذلك،‮ ‬وفيه زاد النيل بعد توقفه،‮ ‬فقال علاء الدين الشاعر‮:‬في يوم الاثنين ثاني الشهر من صفرنادي البشير الي ان اسمع الفلكايا اهل مصر نجا موسي ونيلكمطغا وفرعون وهو النشو قد هلكاصباح الثلاثاء،‮ ‬نودي في القاهرة‮:‬‮»‬بيعوا واشتروا واحمدوا الله علي خلاصكم من النشو‮«.‬صباح الثلاثاء ايضا انتحر شقيق النشو،‮ ‬واخرجوه في تابوت امرأة حتي دفن في مقابر الاقباط خوفا عليه من العامة،‮ ‬وتمت الحوطة علي اموال النشو،‮ ‬النشو الذي كان يتظاهر بالفقر والحاجة،‮ ‬والذي كان السلطان يظن حتي اخر لحظة انه لا يمتلك شيئا،‮ ‬فماذا وجدوا عند النشو؟ في بستان بجزيرة الفيل وجدوا امه وامرأته واخته وولديه،‮ ‬ومعهم ستون جارية،‮ ‬ومائتا جنيه‮ »‬كيس من جلد البعير‮« ‬وعصير عنب ثم حمل الامراء ثروة النشو الي السلطان ووضعوها بين يديه،‮ ‬وضعوا خمسة عشر الف دينار ذهب،‮ ‬والفين وخمسمائة حبة لؤلؤ قيمة كل حبة ما بين الفي درهم الي الف درهم،‮ ‬وسبعين فصا بلخش قيمة كل فص ما بين خمسة الاف درهم الي الفين،‮ ‬وقطعتي زمرد فاخر رطل ونيف وستين حبلا من لؤلؤ كبار زنة ذلك اربعمائة مثقال،‮ ‬ومائة وسبعين خاتم ذهب وفضة بفصوص مثمنة،‮ ‬وكف مريم مرصع بجوهر،‮ ‬وصليب ذهب مرصع،‮ ‬وعدة قطع زركش سوي حواصل لم تفتح،‮ ‬فخجل السلطان لما رأي ذلك،‮ ‬واستمر الامراء ينزلون كل يوم لاخراج حواصل النشو،‮ ‬فوجد له من الاواني الصيني والبلور والتحف السنية الشيء الكثير،‮ ‬ثم وجدت عنده مائتا برميل مملوءة بالملوحة‮ »‬سمك مملح‮« ‬وثمانين بالجبن،‮ ‬واحمالا كثيرة من بضائع الشام ولحما كثيرا من لحم الخنزير،‮ ‬واربعة الاف جرة خمر،‮ ‬سوي ما نهب،‮ ‬ووجد له اربعمائة بدلة قماش جدد،‮ ‬وثمانون بدلة مستعملة،‮ ‬وزراكش ومفرجات‮ »‬عباءات‮« ‬وستون قفطانا نسائيا،‮ ‬ومناديل زركش عدة كثيرة،‮ ‬ووجد له عدة صناديق بها قماش سكندري كان قد صنع لحساب ملكة المغرب ولكنه اختلسه وكثير من قماش الامراء الذين ماتوا او قبض عليهم،‮ ‬ووجد له مملوك تركي كان النشو قد خصاه هو واثنين معه ماتا،‮ ‬ثم وجدوا لاخوة النشو ذخائر نفيسة،‮ ‬منها لصهره ولي الدولة صندوق فيه مائة وسبعون فص بلخش،‮ ‬وستة وثلاثون مرملة‮ »‬ظرف كان يوضع فيه الرمل الذي يستخدمه الكتاب لتجفيف الكتابة‮« ‬مكللة بالجواهر الرائعة واحدي عشرة عنبرية مكللة باللؤلؤ كبار،‮ ‬وعشرون طراز زركش،‮ ‬وغير ذلك،‮ ‬ما بين لؤلؤ منظوم وزمرد،‮ ‬وكوافي زركش،‮ ‬وقدر الجميع بأربعة وعشرين الف دينار‮.‬وفي نهاية هذه السنة ‮٠٤٧ ‬هجرية،‮ ‬مات النشو،‮ ‬واندثر امره مات النشو عام ‮٠٤٧ ‬هجرية بالتحديد يوم الاربعاء ثاني ربيع الآخر‮.‬لكن بعد انقضاء سبعة قرون علي اختفائه،‮ ‬هل يمكن القول انه اختفي من‮ ‬حياتنا؟‮!.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل