المحتوى الرئيسى

> أوهام دعاة الديمقراطية والدولة المدنية

03/22 21:15

أريد أن اسأل السادة المثقفين والكتاب والإعلاميين والصحفيين دعاة (الديمقراطية) و(الدولة المدنية)، الذين لا يرون من الشعب المصري سوي ساكني مدينة القاهرة، أريد أن اسألهم ما هو الحجم الحقيقي للراغبين في قيام الدولة المدنية التي تريدونها في الشارع المصري؟، وهل لديكم علم بكم عدد الأفراد من الشعب المصري البالغ تعداده 85 مليون نسمة الذين لا يعرفون شيئا عن معني ومفهوم (الدولة المدنية) التي تنادون بها؟، أنا أناشد هؤلاء السادة الذين يتحدثون إلي المصريين من فوق أبراجهم العاجية العالية من دعاة الديمقراطية والدولة المدنية أن يتركوا مكاتبهم وقنواتهم وصحفهم وينزلوا ولو مرة واحدة إلي الأكثرية الساحقة من الشعب المصري، إلي عشرات الملايين من المصريين في الحارات والمناطق الشعبية وأرياف المحافظات وأهل الصعيد ثم يسألونهم ما رأيكم في الدولة المدنية؟، وما رأيكم في حذف المادة الثانية من الدستور؟، ثم لينظر دعاة الدولة المدنية كيف سيكون رد أكثرية هذه الجموع عليهم. لقد دعيت إلي حضور ندوة في مدينة أسيوط يوم الجمعة قبل الماضي، في حديقة الفردوس، حضرها عشرات من شباب الجامعات ومن الأساتذة والمثقفين من مختلف التيارات، وبعد أن بدأت حديثي بقليل عرجت إلي موضوع المادة الثانية من الدستور، فقلت لهم إن وجود المادة الثانية في الدستور أمر يسيء إلي الدين الإسلامي، وما أن انتهيت من قول هذه العبارة إلا ووجدت المجلس قد انفض، وانصرف الحاضرون ولم يتبق أمامي من هذه الجموع سوي خمسة أفراد، فحمدت الله كثيرا أن الأمر انتهي بالانصراف فقط ولم يسبقه أشياء من قبيل اللكمات والرفسات والركلات وقذف الأحذية وأشياء أخري. إن دعاة الديمقراطية والدولة المدنية هؤلاء يبدو أنهم يريدون دولة مدنية داخل مدينة القاهرة، وبالتحديد داخل استديوهات مدينة الإنتاج الإعلامي، وداخل مبني ماسبيرو، وداخل مقرات الصحف والمجلات، وفي الأوساط الراقية في أحياء القاهرة، ويبدو أنهم يريدون ديمقراطية منزوعة الإرادة الشعبية لا تعرف الاختلاف الحقيقي في الرأي والفكر، هؤلاء والإسلاميون والمسيحيون سواء بسواء، خرجوا جميعا من بوتقة واحدة، ومن تربة واحدة، هي تربة الاستبداد والإقصاء وازدراء الآخر، فلا فرق بينهم علي الإطلاق سوي في المسميات فحسب: (ديمقراطي، علماني، ليبرالي، إخواني، سلفي، جهادي، مسيحي، قبطي)، إن دعاة الديمقراطية والدولة المدنية (صبيان الحزب الوطني ومخبري أمن الدولة سابقا) من المذيعين والمذيعات والصحفيين والصحفيات وبعض الكتاب وبعض المثقفين لا وجود لهم يذكر في الشارع المصري سوي في الشارع المسيحي فحسب، ولننظر كيف يتحصنون بالمسيحيين ويتكثرون بهم وكيف يعتصمون خلف مطالبهم الدينية، ثم لننظر بأي لغة يتحدثون عن الإسلاميين في برامجهم وكتاباتهم، كأنهم يتحدثون عن عدو علي مشارف مصر يوشك أن يغزوها، وانظر إلي التيارات الإسلامية بأي لغة في أحاديثهم الخاصة والعامة كيف يتحدثون عن دعاة الديمقراطية والدولة المدنية، كأنهم يتحدثون عن مجموعة من الكفار والمارقين والماجنين والشواذ جنسيا، وكيف ينظرون إلي المسيحيين كأنهم جماعة من الضيوف اللاجئين علي مصر قد وقعوا في عرضهم وحماهم، وانظر إلي المسيحيين الذين 99% من مطالبهم هي مطالب دينية محض كيف يدعون تأييد الدولة المدنية، ليس حبا في الدولة المدنية ولا إيمانا بها بل خوفا من التيارات الإسلامية ونكاية فيها ورفضا لها. إن الديمقراطية الحقيقية والدولة المدنية الحقيقية اللتين يطالب بهما دعاتهما، لن يصلحا للتطبيق في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وخاصة في مصر، لماذا لم ولن تصلح الديمقراطية الحقيقية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟ لأنه بحسبة بسيطة نجد أن دعاة الديمقراطية يتحدثون عنها وعن الدولة المدنية وكأنهم يعيشون في مجتمع كالمجتمع السويسري أو المجتمع النمساوي أو أي مجتمع أوروبي آخر، وآفتهم أنهم دائما ما ينسون أو يتناسون أنهم يعيشون في مجتمعات 98% من أفرادها مسكونون بالأفكار والمعتقدات الدينية الصحيحة منها والخطأ، المعتدلة منها والمتطرفة، وآفتهم أنهم دائما ما ينسون أو يتناسون أن هذه المجتمعات بها تيارات دينية منظمة لها قواعد عريضة في الشارع المصري من الأتباع والأنصار، بل لهم قواعد من المؤيدين غير الأعضاء الذين يؤيدونهم فقط لمجرد أن هذه التيارات تحمل شعار الدين. ودائما ما ينسي أو يتناسي دعاة الديمقراطية ودعاة الدولة المدنية أن الإسلاميين يرون في دينهم وتراثهم رصيداً ضخماً من الأحكام والتشريعات التي من خلالها يتمكنوا من إقامة نظام يقوم علي أحكام وشرائع الإسلام، ولديهم من الأحكام الفقهية ما يساهم في تنظيم وتسيير شئون الناس وفض منازعاتهم، ويرون أن الحاكم ليست له تلك السلطة المقدسة ولا ذلك السلطان الإلهي علي الشعب كما كان الحال في الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطي، ويرون أن الحاكم ليست له سلطة إلهية ولا ذات مقدسة معصومة ولا سلطان إلهي، بل يرونه بشرا عاديا يمكن عزله بل خلعه والخروج عليه. ورغم كل هذا لا يزال البعض يصر علي وضع زمام الوصاية علي الشعب المصري وتسيير شئونه وتوجيه آرائه في يد العلمانيين والليبراليين والديمقراطيين، وما بين هؤلاء وأولئك يكمن مقتل الديمقراطية ومقتل الدولة المدنية في مصر. وأخيرا أقول: يا أيها الداعون إلي الديمقراطية والدولة المدنية، إن الديمقراطية التي تريدونها لن تصلح في مصر، لأن رياحها لن تأتي أبدا بما تشتهي سفنكم. (البقية تأتي).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل