المحتوى الرئيسى

صلاح صبح يكتب: وإيه يعني لو البورصة المصرية انهارت؟!

03/22 19:23

لاأستطع أن أفهم لماذا هذا الرعب من إعادة فتح البورصة المصرية؟ كما لم أستطع أن أتقبل الدوافع والمبررات التي قدمها المسؤولون عن اغلاقها طوال الفترة الماضية أي لأكثر من 36 جلسة تداول على التوالي، عقب اندلاع الثورة الشعبية وتحديدا عقب جلسة تداولات يوم 27 يناير الماضي؟لماذا هذا الربط بين أي تراجع محتمل في أسعار الأسهم وانهيار الاقتصاد المصري؟ ولماذا كل هذه المؤتمرات واللجان و"الذي منه" الداعية إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة لهذا الحدث الجلل (إعادة السوق إلى العمل)؟ ولماذا تسرع خالد سري صيام في الهروب من تحمل مسؤولياته وتقدم باستقالته من منصب رئيس مجلس إدارة البورصة، ثم ألح عليها عندما رٌفضت، واستعان بـ"صديق" و بوسطاء و"ناس من علية القوم" حتى تم قبولها؟ايه يعني لو البورصة تراجعت؟ مش فاهم؟طيب ايه رأيكم لو البورصة خالفت كل التوقعات المتشائمة وصعدت عند استئناف التداولات غدا الأربعاء؟ أكيد الجماعة بتوع "اللجان والإجراءات التحوطية" سيقولون "شوفتوا بقا، احنا اللي انقذنا البورصة.. وانقذنا الاقتصاد المصري"، مع إن هذا الاحتمال وارد جدا، ومن غير أي "تحوطات".أتذكر أن رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف لم يجد في سنة من السنوات ما يسوقه كـ"انجازات" لحكومته سوى التغني بالصعود الهائل لمؤشر البورصة المصرية، وحينها وقف بقامته المشهورة في مجلس الشعب يلقي بيانا للحكومة أكد فيها أن الاقتصاد المصري "زي الفل" والدليل على ذلك أن البورصة المصرية تصدرت قائمة البورصات الناشئة من حيث الارتفاع، بل أن وزير ماليته يوسف بطرس غالي لم يفوت الفرصة حينها وظهر في أكثر من برنامج تليفزيوني يؤكد أن القيمة السوقية للأسهم المدرجة في البورصة زادت حوالي "عشرتاشر مليار جنيه" وفسر ذلك للناس اللي فهمهم بطئ زي حالتي بقوله، "إن هذه المليارات دخلت جيوب الشعب المصري. وطبعا هذا كلام فارغ لأن أي زيادة في القيمة السوقية، هي في النهاية مكاسب "على الورق" ومجرد عملية حسابية لا أكثر ولا أقل، ولا تتحول إلى "كاش" إلا عندما يتم البيع بهذه الأسعار.وفي المقابل، ليس من المنطقي أن نتخوف من أي تراجع محتمل للأسهم المصرية عند استئناف التداولات، ليس فقط لأنها قادرة على استعادة خسائر في وقت لاحق وبسرعة، كما تؤكد الكثير من المعطيات والمؤشرات، ولكن ببساطة لأن من سيخسر فعليا هم من سيقومون بالبيع على هذه الأسعار المنخفضة. المساندة بكل الطرق مطلوبة، ولكن القصة في غاية البساطة: اللي مش عاوز يخسر لا يبيع أسهمه.. عليه التحلي برباطة الجأش، وعدم الاندفاع.. عليه ألا يصاب بالذعر الذي ينتج عنه عمليات "بيع هلعية" جماعية أو panic  selling  ، أما اللي عاوز يعمل نفسه فهلوي، ويُغدر بباقي رفاق دربه من المتعاملين ويبيع أسهمه غدا على أمل أن يشتريها لاحقا بسعر أقل، وطبعا فيه ناس كتير جدا ناوية تعمل كده، بل أكاد أجزم أن ذلك هو أحد أهم أسباب اتخاذ قرارات بالبيع لدى قطاع عريض من المضاربين، وليس الخوف من أداء السوق، أو حتى الأداء الاقتصادي العام.. اللي ناوي على الغدر، يفوت المرة دي، ويخليه جدع وبلاش يبيع، ليس فقط لأن هذه ندالة (رغم أن التعامل  في البورصة قائم في الجزء الأكبر منه على الندالة أساسا، وتحت شعار اللي سبق أكل النبق) ولكن أيضا لأنه قد لا يتمكن من تحقيق غرضه بالشراء بسعر أقل، وهذا ليس افراطا في التفاؤل من جانبي، بقدر ما هو محاولة لقراءة الواقع.إن كلمة السر في الثورة، ليس فقط نجاحها في اسقاط النظام السابق سياسيا، ولكن أيضا تدمير آلته الفاسدة الجهنمية التي خربت البلاد واستنزفت مقدرات العباد، بل و"طفشت" الاستثمار المحلي والأجنبي، إلا كل من لديه القدرة على "تفتيح مخه" مع نجوم الزمن البائد ورموزه. قصص كثيرة سمعتها خلال الفترة الأخيرة من رجال أعمال عرب، إحداها حول صفقة "بنك الاسكندرية" –لا مجال لروايتها الآن- ولكنها تكشف أن اقتصاد مصر كان في يد عصابة منظمة لا يهمها إلا عمولتها أو نصيبها من الصفقات، و"طز" في ممتلكات الدولة، و"طزين" في الشعب.إن القضاء على الفساد ليس من شأنه فقط توفير عشرات المليارات سنويا من الموازنة العامة للدولة، ولكنه أيضا سيساعد على جذب مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية والعربية، ومن المؤكد ان جزء من هذه الأموال سيجد طريقه بشكل أو بآخر إلى البورصة.قد يتهمني البعض بأنني مفرط في التفاؤل، أو مصاب بحالة من «الرومانسية الثورية»، بما يجعلني أغفل حقيقة الموقف، ولكن المعلومات المتواضعة المتوافرة لدى كاتب هذه السطور تؤكد أن مؤسسات مالية عالمية تجري حالياً عمليات إعادة هيكلة لاستثماراتها في أسواق المنطقة، بما يصب -وعلى خلاف ما هو متوقع-  في اتجاه زيادة الوزن النسبي للبورصة المصرية في محفظة هذه المؤسسات، والسلوك نفسه يفكر فيه جدياً مستثمرون عرب كبار أفراد ومؤسسات، وهؤلاء يرون في سقوط النظام المصري السابق عاملاً إيجابياً ومحفزاً إلى ضخ مزيد من الاستثمارات «التائهة» الباحثة عن سوق بِكر، وآمنة لم تطلها تداعيات الأزمة المالية العالمية، ويقصدون بذلك مصر، بل لن أكون مبالغاً إذا نقلت توقعات مسؤول بارز في واحدة من أهم المؤسسات المالية العربية، والتي ترجح تحقيق الاقتصاد المصري لمعدلات نمو تفوق 10 بالمئة سنوياً، على الأقل، فور استتباب الأمور.وبالعودة إلى البورصة، أرى أن المخاوف حول تراجعها المحتمل يشوبها قدر كبير من المبالغة، ليس فقط لأنها قادرة على تعويض خسائرها لاحقا، كما توقعت دراسات صادرة عن مؤسسات مالية عالمية –بالمناسبة بعضها أوصى بانتهاز الفرصة والشراء فور استئناف التعاملات- ولكن لأن التركيز يجب أن يكون على "الاقتصاد الحقيقي" وإصلاحه، وتطويره وتنقية مؤسساته وشركاته من الفاسدين و"الهليبة" ممن تربوا وترعرعوا في كنف النظام السابق، وهذه ليست بالمهمة السهلة.ما الضرر الاقتصادي الذي سيقع على البلاد إذا تراجع سهم شركة ما –بشكل مؤقت- باي نسبة مئوية -50 %- مثلا، بينما هذه الشركة تنمو وتحقق معدلات ربحية مرتفعة وتتوسع في أنشطتها وتخلق وظائف جديدة؟ وفي المقابل، ما هي الفائدة إذا صعد نفس السهم بنفس النسبة ولكن الشركة تتعرض للنهب أو سوء الادارة.الأصل في أسواق المال أنها توفر التمويل الرخيص أو "معدوم التكلفة" للشركات عن طريق السوق الأولى (سوق الاصدارات الأولية والاكتتابات العامة والخاصة)، بينما البورصة أو (السوق الثانوي) هي مكان يتخارج فيه المساهمون الأصليون الذين أسسوا الشركات أو وفروا لها التمويل الرخيص عن طريق شراء ما تصدره من أسهم أو غيرها من الأوراق المالية، إذ البورصة هي السوق الثانوي وليست الأولي أو "التقليد وليست الأصل" ، ومن المنطقي أن يكون الأصل هو الأولى بالرعاية.وهذا لا يمنع، بالطبع، ضرورة الاهتمام بالسوق الثانوي بتحسين آليات عمله، ووضع ضوابط صارمة وحازمة تمنع أي تلاعب فيه- كما كان يحدث على نطاق واسع سابقا- وهذا في رأيي هو التحدي الأكبر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل