المحتوى الرئيسى

الضحك الحرام بقلم رامي حاج سعيد

03/22 01:00

عندما تجتهد إحدى القنوات العربية لإيجاد مقاربة ما تقترب بها ومن خلالها لآليات بناء الفكر السياسي وتنظيمه عند معمر القذافي وربما عبر مراجعة مستفيضة لدلالات الحرف في خطابه السياسي ولعشرات التفسيرات التي طالما تشدق بها اكتشفت هذه القناة وعبر شخصية هزلية مقصودة الإيحاء أن الثورة كمصطلح لغوي هي مؤنث الثور ( البقرة ) ثم بنت على ذلك ما بنت من شرعية قتل الثوار وفقاً للمعتقد القذافي . الغريب أن هذه المقاربة بكل ما فيها من ألم إلا أنها لم تكن غريبة عن عجيب الفكر القذافي والغريب أيضاً أن أحداً قبل الثورة لم يكترث وربما لم يلتفت وربما تجاهل فلسفة المعنى للكثير من المصطلحات السياسية ( إن صح هذا التوصيف ) في الخطاب الرسمي لهذا النظام والذي طالما وسم بالمضحك إن أحسن الظن به وبالمخزي إذا ما نظرنا في تاريخ هذه الأمة وهذا الشعب العريق والذي يدفع الآن ضريبة صبره وضريبة تلك الابتسامة التي كان يطالعنا بها خفيف الظل كلما أفاض علينا في مؤتمرات القمة العربية بوجهة نظر . للأسف سيدفع الشعب الليبي وربما الشعب العربي ثمن ابتساماته على مدى 42 عاماً من دم أبناءه ومن ضبابية مآلات الأمور. ثم إذا ما نظرنا إلى جذر من جذور الفكرة الغريبة وعصفها عند معمر القذافي كان لزاماً علينا أن نتوقف عند كتابه الأخضر 1976 والذي يمثل مرتعاً خصباً لنظرية الفوضى الديمقراطية رغم سياقاته الأنيقة فنجده يقول ( إن الصراع السياسي الذي يسفر عن فوز مرشح ما بنسبة 51% مثلاً من مجموع أصوات الناخبين تكون نتيجة أداة حكم ديكتاتورية ولكن في ثوب ديمقراطي مزيف حيث أن 49% من الناخبين تحكمهم أداة حكم لم ينتخبوها بل فرضت عليهم وهذه هي الدكتاتورية ) ويقول أيضاً ( أن المجلس النيابي يقوم أساساً نيابة عن الشعب وهذا الأساس ذاته غير ديمقراطي لأن الديمقراطية تعني سلطة الشعب لا سلطة نائبة عنه ) . ربما لن أخوض هنا في تفسيره الماء بالماء ولن أجازف بتوضيح ما تشابه علي من المصطلح ولكن لا بد لي من وقفة عند ما قد خرج به القذافي من حل لهذه المعضلة وهي أن يحكم الشعب نفسه وأن يصبح أداة لمراقبة نفسه لا لمراقبة حكوماته ثم إلباس هذه الفكرة ثوبها الثوري عبر مفهوم المؤتمرات واللجان الشعبية والتي أثبتت فيما بعد قدرتها على إخراج ليبيا من قاموس علم الاجتماع السياسي بكل نظرياته وشروحاته لما استعصي من فهم لآليات هذا النموذج وقدرته العجائبية في إدارة الحكم . أقف هنا مستحضراً ما قاله معمر القذافي في خطابه المتلفز للشعب الليبي مذكراً إياه إنه ليس رئيسا حتى يستقيل فهو “قائد ثورة إلى الأبد” ورغم المضحك من عبارته إلا أنني سأستند في ما اقتطعت من معلقته لأثبت نجاعة هذه الديمقراطية الطارئة وأدواتها المتمثلة في اللجان الشعبية وألا مؤسساتية بتحويل ليبيا إلى دولة قذافية الملامح والدستور والخطاب … فهل كان هذا من المضحك في شيء . ثم إذا ما قامت الثورة لتحارب نظام ألا نظام ودولة ألا دولة ورؤية الطارئ المتبدل في السياسة الخارجية وجدت أن الأمر أبسط من ذلك بكثير وجدت أنها لا تحارب نظام ( كالنموذج المصري والتونسي ) فكل أركان هذا النظام تساقطت ومنذ اللحظة الأولى للثورة ولكنها وجدت ما هو أعقد بكثير فهي تحارب من لم يستسغ الثورة على الثورة فأحالها رغم تواترها السريع في البداية إلى معادلة صعبة قوامها الآف الضحايا ممن وصفهم بالجرذان ووقودها ابتسامة أطلقها عندما سألته مذيعة ) ABC NEWES هل تغادر ليبيا؟ لماذا أغادر ليبيا شعبي يحبني ويتمنى أن يموت من أجلي ) والمفارقة أن معمر القذافي هو من بدأ الضحك هنا. أمة تحارب ضد رجل واحد يؤمن بأن النظام والحكومة الشعب دهماء لا شرعية لهم إلا من خلاله رجل استطاع عبر 42 عاماً أن يسيطر على مفاصل الحكم والجيش وأصبح الوصي على ثروات هذه الأمة فهو قائد الثورة . ولأن هذا المصطلح لم يخضع بعد لسلطة الدستور سلم معمر القذافي كل صلاحياته الرئاسية للشعب على حد تعبيره واكتفى بكونه قائد ثورة وهنا نكتشف سذاجة ابتسامتنا فالمعنى أصبح واضحاً لدينا لكن بعد فوات الأوان فنحن من خلق هذا الديكتاتور.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل