المحتوى الرئيسى

على عتبات المصير بقلم : محمد يوسف جبارين

03/22 00:46

على عتبات المصير بقلم : محمد يوسف جبارين( أبوسامح) .. أم الفحم..فلسطين شروق كلمة الوعي بالحرية على الشفاه التي تشققت ، من عذاب الجوع والعطش ، الى الحركة الواحدة الجامعة، لكل فئات الشعب في ارادة واحدة، وعلى غاية واحدة، هي الأسمى بين الغايات وهي التحرر من الاستعمار، فكل الآمال دامعة، تروي بدموعها ترابها، لتقوى على صلب عودها ومد ذراعها، الى مسح ذبول، يشيع في ابتسامة الأزهار. فاستخلاص الذات من ذاتها ، وقد شاع فيها ما أوحى بأنها شاهت بعينه عملية استرجاع لضرورة المساهمة ، في بناء حتم لصناعة تأتي بالنهار ، فاستعادة كل نفيس غار في التيه ، بذاته شروق به على دور هو بالأصل له ، قبل أن تغيب به تلابيب ضياع ، قد تخلى عنها الوعي بعد أن مازها ، كعقبة لا غرض له بها في الحياة ، فثمة الزام ..فالى الأمام ، لا الى الوراء ، وثمة ضرورة تمييز لدخائل تخللت وعيا وارتكست به الى الوراء ، فحاجته قصوى الى تحرير رؤيته للواقع ، مما شابها ، فأثقل خطاه فاستحال غمة تهبط بالهمة ، وتخنق التفاؤل ، وتشيع الاحباط فكأنه الردة . وثمة مقتضيات تستوجب فهم الدعوة الى الحرية، في مثل هذا الحال، على أنها دعوة فكاك الواقع من قيود وحواجز وسجون، وتحرير علاقة العقل بالواقع وبالاحداث، من المرور عبر ثقافة تخللها عبث شوة هذه العلاقة، وبهتها فأضاف لها ارباكا ، ما كفل لها هلهلة مجتمع، واغتمام رؤيته لمستقبله، باغراقه بتشاحن وتطاحن فضعف بعد أن كان قد استذرى غناء، من جراء نمو في قدرته . فالزام الحركة الى الأمام، دعوة وعي متمرد على واقع يراه أمامه. فالحاجة قصوى الى تغيير . أو يبقى الحال كما هو، فاستنقاع يهدد مسألة المصير . فلا بد من ميلاد جديد.. الى أنثى تلد الوجود، وقد تجددت ملامحه، فأصبح بكامل وعيه يرى مواقع خطاه، ويحث السير، فيصير الى ما يحلم بأن يصير اليه. فالمشروع الوطني أولا، وليس الحزب أولا. فالدولة مشروع شعب يسعى بقيامها، الى تنظيم حياته، على ما يحقق له آماله في التطور. فالحزبية منافسة في تحصيل الدولة، ومنافسة في تنمية القدرة على تسريع الدفع لعجلات التطور. فالهيكلة الدائمة للواقع، بالاضافة الدائمة في قدرته على السير في الزمان، في عملية تطوير، في اتجاه الآمال، هو هذا النطاق العظيم الذي يتوجب أن تنصب فيه الجهود كلها. فأما أيديولوجية الاستنقاع في المكان ، فهي اعاقة نمو وتعطيل تطور ، فالاطلالة الدائمة للمشروع الوطني ، لقضية المصير على الارادة يضيء لها ، كيف ومتى وأيان يتوجب عليها أن تصرف جهودها . فقبلة الوعي بالطريق الى الأمل ، شروق تنظيم عقلي ، وتنظيم انفعالي ، فتنظيم علاقات بالواقع ، فاستخلاص سياسات تتفاعل مع العالم في انتاج قوة تنضاف الى القوى الذاتية ، فتعينها على ضروراتها ، في اعادة تشكيل علاقات بالواقع تهيء للمشروع الوطني النهوض ، فالسير ، فالاستواء على حل اشكاليات في مصير شعب ، فالعودة والقدس وبناء الدولة ، فضمان آليات تضيف في عمق استقلالها وقدرتها على تثبيت دعائم الأمن لهذا الاستقلال . وهكذا شروق فاصلة بين ليل ونهار، بين وعي يلفه الليل ويتخبط في ظلماته، فلا يعرف مواقع خطاه، وبين وعي ثاقب البصيرة في الواقع ينظر فيه عميقا، ويقرأ العلاقات السائدة في العالم مليا، ويدري كيف يتناول الواقع، ويتدرج به، الى أن يقدر على هيكلته وتضمينه بما يستقر به على دولة، كانت مأمول وجدان شعب فأصبحت موجودة، فهو واحدها وانسانها الذي تدمع عيونه حبا، كلما نطق اسمها. فاستيلاد حتمية لشروق دولة، يستوجب رسو الوعي على الواقع بآليات تنشئة للأسباب، التي باجتماعها، تتكون ظروف، تفسح المجال أمام استنبات مشروع ، تمضي به الارادة في سياقات مرحلية ،الى تكوين الدولة كجغرافيا ومجتمع وتنظيم قانوني لهذا المجتمع. ما يستدعي، من أول خط السير الى الدولة، وعلى طول امتداده ، رؤية صحيحة لصلة الفعل بسمو الأهداف، ما يعني انتشال الآمال والاستذراء بها الى ذرى ترتسم عندها الأهداف، وصلاتها بالارادات ويستضاء بها في اضاءة خط السير من أوله والى حيث الآمال. فالوضوح الفكري تأثيث لاحاطة بكل المتغيرات، وتمييز كل منها وتحديده وربطه بغيره، فلذلك هو ضرورة استواء على الرأي الصحيح، فتحديد الموقف يتأتى على تقدير، مستند الى واقع، وهذا بالاضافة الى امكانيات يقتضيها نفاذ الفعل، لزوم فاعلية في الاداء، حين بذل الطاقة في الفعل، فكذلك صواب البذل، بمأمول ترتب عليه فكذلك تتالي الخطوات، بتواصلية بنائية، حريصة على الرسو، في مستقبل أيامها، في ميناء الأمل، الذي يبرر لها ما هي عليه. فأما اغراق العقل بمتغيرات ليست سائدة في الواقع، وانما مستمدة من واقع آخر، لربما متشابه معه في تيارات تهب عليه، أو اغراقه بمتغيرات مستوحاة من حركة حوادث في تاريخ ماض. فان ذلك يعني أن يتناول العقل الواقع بما ليس فيه ، فهو في تعقلاته لاستخراج رأي وبناء موقف ، ليس بالضرورة يستوي على الصواب ، ما يعني بأن التفاعل مع الواقع ينتظره استواء على ما لم يكن في حساباته. يفاجأ العقل بما لم يكن يتوقعه ، وذلك لأن ثمة خللا كان في التقدير ، فلم تأت النتيجة على مأمول تعلق عليه . فمقتضى الاختيار الصواب ، وضوح وصفاء احاطة ، ومنهج علمي يتم اتباعه ، فأما الفوضى الفكرية ، فسرعان ما تتتجلى في مجانبة الرأي الصواب ، ما يتجلى في تخبط في الأداء ، فثمة تهافت كهذا ، ومثله في صلة البذل في الفعل يسفر عن تبديد امكانيات في جهود لا تثمر ، تضيع في ما لا طائل من وراءه ، فهي العبثية التي لا تضيف في الاقتراب من الأمل ، ولربما يكون حصادها ارتكاسا الى الوراء ، وعلى حال يتسبب في هدر منجزات ، كان تم تحصيلها من قبل ، فالآتون من اغتراب الوعي ، ولو كان نسبيا ، ليؤثروا في واقعهم ، لا بد وأن يحسون اغترابا عندما يحصدون نتائج أفعالهم . وترى اليهم لا يألون جهدا ، حين الفعل ، ولربما يفيضون حماسة ، فلما يفرغوا، مما أقبلوا عليه ، من أعمال ومواقف ، فاذا حصادهم اغتمام يجلس لهم بين عيونهم ، وهدرا في البذل والامكانيات يصيح في موازناتهم ، ولربما تداعيات الأعمال والمواقف تكون كارثية ، وعلى حال لم يخطر على بال. وهذا شان من يأت من أعماق التاريخ زاهيا متبخترا ، فاذا هو والواقع في خصام ، وحصاده مخاوف وقلق على المصير لدى عموم الناس . وقد يصح القول بأن الذين يجعلون من المصير حقل تجارب أو ملاعب ، يبحثون عليها عن فرصة في المال والجاه ، فأولئك مثل فقاقيع الصابون ، يأتون ويذهبون ، وبذكرهم يتندر الناس ، ويجأروون بما أصابهم من ضحك على الذقون ، فقد أشبعوا الناس كلاما ، كان في حقيقته الساتر الذي به يسترون انسلالهم الى ما عنه يبحثون ، ويصح القول في أمر هؤلاء ، بأنهم يرهقون الواقع والناس ، بمقدار ما يهرقون من جهد ، في علاقاتهم بالواقع . وقد سعى دوما الاستعمار الى تفكيك قدرة الشعوب على مواجهته، فبسط سيطرته على امكانياتها، وحاول استكشاف مناطق ضعفها ، حيث يمكنه أن يشتري اختراقا، او خلخلة وزعزعة، في البناء الاجتماعي. وذلك حماية لاستمراره في طلاقة قدرته ، في ما يريده من بسط سيطرته. فتحقيق الأطماع رهن بالسيطرة ، فاذا هذه وهنت، ضعفت مقدرته على بلوغ ما يريد، فيتم تفكيك السيطرة، أو يتأتى تفكيك الارادة التي تسعى الى تفكيكها، ولذلك نرى الاستعمار لا يتردد، في استعمال القوة في أبلغ تأثير لها، حين يحس تراجعا حقيقيا في مقدرته على السيطرة، ظنا منه، بأنه بذلك يسترد هيبته وهيمنته. ونجد قدرته ، في كثير من الأحيان ، مستمدة في جانب منها ، من ضعف المجتمعات التي يسيطر عليها ، ومن عجزها عن التصالح والتفاهم فيما بينها ، فالصراعات الداخلية تأخذها بعيدا عن وحدتها في مواجهة عدوها الحقيقي ، وقد تعود تلك الصراعات في جذورها ، الى تنشئة أفراد وجماعات ، كان الاستعمار مثقل في تغذيتها ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وهو يعلم بأنها في مرحلة قادمة ، سوف تؤدي له أبلغ قوة تضاف في قدرته على السيطرة . ولم تكن العشائرية وحدها التي لفتت انتباه الاستعمار، كمناطق جذب له في استنبات الصراع بينها. فحركة الاستشراق قد وفرت له قراءات عميقة الدلالات، فانتبه الى الطائفية والمذهبية، والحركة الممتدة في الرغبة، في النهوض من جديد، بالعودة الى تجديد حضارة كانت. وما في هذا النطاق من مريدين غير مدركين غربة عن العالم الذي يعيشون فيه . فهم غارقون بوعيهم في ماض ، ويعيشون أحلاما كبيرة في عالم لا يعرفون عنه غير دائرة العيش التي يعيشون ، فهي دائرة تشيع فيها الأمية ، وفي مناطق منها ، يصعب أحيانا ، أن تجد فردا واحدا يعرف القراءة ، وهي مجتمعات زراعية تعتمد الدواب في حراثة الأرض . ولعل مشهد اللقاء بين عبد العزيز ملك السعودية، وبين روزفلت رئيس الولايات المتحدة، بعد مؤتمر يالطا، يدل على الفارق بين عالم يعيش خارج علاقة العقل في الطبيعة، وبين عالم أنهك الطبيعة بعقوله، وأنطقها في تحقيق تقدمه وتطوره، فحاجاته سعت به، وبما بيديه من مقدرة على فرض ارادته وبسط سيطرته على غيره. فقد كان الملك العربي على ظهر جمل، وقد جاء ومعه خناجر وسيوف مرصعة باللؤلؤ، يقدمها الى روزفلت، بينما هذا على ظهر سفينة، هي قاعدة حربية تمخر البحار والمحيطات، ومن فوقها طائرات تركب الهواء. وبين ظهر الجمل وبين الطائرة كانت ترتسم ملامح مستقبل لمنطقة عربية بحالها. ولعله فيما قاله الملك العربي.. كنا أبا عن جد نستعمل هذا الزيت (البترول) لجرب الجمال فجاءنا الانجليز.. وفيما قاله روزفلت.. الانجليز أعطوك سيارة وأنا سوف أعطيك طائرة، مثل تلك، أنظر اليها... كانت تتراجع امبراطورية، لتحل محلها امبراطورية أخرى ، وتتشكل سيطرة وتبعية، وأنظمة حماية لأنظمة حكم هي فرصة الاستعمار ، في بلوغ ما جاء اليه، وما يترتب على ذلك من أنظمة دفاعية، لاستبقاء هذه العروش، وتوفير المناخ المريح للمصاصات الاستعمارية، كي تشفط ما تشاء وكيفما تريد. ولمواجهة التيارات القومية والتقدمية والنهضوية التي ترتفع أصواتها في المنطقة ضد الاستعمار وعملائه. وقد أفصحت خبرات المستعمرين في السيطرة، عن أساليب، مدرارة النفع، تلائم أهدافا يراد تحقيقها في المنطقة. وراح المال يتدفق الى مناطق الفقر والحاجة، يؤدي دورا يريد شيئا واحدا ، هو تطويق وتحطيم كل الذين يناهضون الاستعمار والعروش التي يستعملها ، كأدوات في تحقيق أغراضه. وراحت فوهات المدافع ، من داخل الكلمات الرابضة في كتب وكراسات ، ناقلة لثقافة بهذا الحال أو ذاك ، تقصف بلسان الأتباع ، وبأبشع صورة ، كافة القوى المناهضة للاستعمار في المنطقة العربية . وامتلأت آذان الناس ، بكل ما بدا بأنه مبادئ وثقافة موظفة أخبث توظيف ، في انتاج اتجاهات في الرأي العام ، تصب في تفكيك قدرات الذين قاموا ينادون بالحرية ، وبذلوا أعمارهم في تحرير بلدانهم سياسيا واقتصاديا ، من الهيمنة الأجنبية ، وتتالت بعد ذلك فضائيات لاغراق الناس بكل ما هو زيف ، وبكل ما يفسد عليهم وعيهم ، بما يتربص بهم ، من تهديد لأمنهم ، ناهيك الى ما يفسد عليهم أذواقهم ، ويفكفك قيما سامية كانت تحفظ عليهم تماسكهم . وأقيمت جامعات وكليات ، ودور نشر وصحافة، وتم استقطاب الحاقدين والزعلانين، والذين تسبقهم كروشهم الى ما يريدون، وبدأ خط انتاج، وخط تصدير للعملاء.. مثل تربية الدجاج والبط ... وراح الحبر يسيل من الأقلام المأجورة ، وملأت الكتب الأسواق ، وبدت الذاكرة الجماعية كمن يواجه أخطر تشويه عرفته في التاريخ . وانساق كل ذلك في سياقات تنشئة الجماعات في كل مكان، فالمال يتقدم ، والتوجيه يملي ، والاشارات توحي . فقد بدت هذه الجماعات بفعلها السياسي وغيره ، أشبه ما تكون بنيران مدفعية قريبة من أهدافها ، ما دل على أن الابداع الاستعماري امتد الى احتلال بشر وتحريكهم ، مثل ما يحرك طائرة استطلاع ، أو طائرة قاذفة ليصل الى تدمير أهدافه ، فهذه الجماعات ، بصرف النظر عن أي شيء ، قد شكلت اضطراب داخليا ..خللا اجتماعيا ..جبهة معادية من الداخل ، تفيد واحدا فقط هو الاستعمار ، الذي يشكل بذاته التهديد الخارجي للتقدم والتطور والحرية ، ولهذا الجماعات صورة من عزم ، على هلهلة وتفكيك ارادة الشعوب في مناهضة الاستعمار ، بما يوفر امكانية السيطرة . ويكاد يكون فن التفريخ الاستعماري للعملاء رهيبا في خدمته لأغراضه، فهو يعرف ما يريد، ولكن الذين يتحركون بالايحاء غير المباشر، من جانب الاستعمار، هم هؤلاء الذين ليس فيهم الوعي العميق الذي يدركون به، بأنهم يقدمون خدمات للاستعمار، لم يكن في مقدوره هو أن يحققها . وتبرز هنا جماعة، وأخرى هناك، من نوع من ترى في ذاتها نهاية التاريخ، تماما مثل ما رأى فوكاياما في الغرب نهاية التاريخ . بفارق هو أن الغرب لديه نتاج علاقة العقل بالطبيعة ، وبها بدل وجه الحياة ، وليس أمام العالم من طريق سوى أن يأخذ. وأما جماعة كهذه فليس لديها ما تعطيه ، سوى ادعاء الحرص على جملة من ماض ، تريد ارغام الحاضر على التشكل بها، ظنا منها بأنها بذلك تجدد تاريخ أمة وتعيدها الى قيادة التاريخ. فكل ما عداها خارج نطاق الانتماء اليها، فمن ليس منها، فهي ليست معه.ولكن يمكن جلبه ثم تركه واهماله ، فهي النطاق الذي داخله حق وصواب ، وخارجه باطل وضلال ، فلن تصافح ضلالا ، ولن تتفاهم مع باطل ، فالآخرون لا بد من استدراجهم فاحتلالهم ليصبحوا نسخا من كتاب هذا النطاق. فهكذا انغلاق وتعصب أعمى الرؤية الثاقبة للآخرين. ومن تبرير التعصب والغاء الآخر، كراهية الآخرين، وقد تصل الى اباحة دمهم، وخاصة عندما تضيق الجماعة ذرعا بهم، كأن يكونوا عقبة شديدة المراس في طريقها. وهي اذ تفعل ذلك، فانما تسفك دم باطل وتنتصر للحق. ما يدل على تفريغ التعصب الأعمى للنفسية، من الحس بقيمة دم الآخرين. وثمة قراءة في خطاب جماعة كهذه تجده مليئا بصراخ عنيف، واتهامات تخرج من أفواه تتوتر، ووجوه تعبس، وأجسام تنتفض، ما يفيد الناظر والمستمع، بأن نفسية كهذه مليئة بالنزعة الى العنف والكراهية. ما يؤشر على أن أناسا كهؤلاء فيما لو استلموا سلطة ، فسوف تهرب النزاهة من وجوههم ، ويبدلون في القانون وتفاسيره بما يحقق لهم مصالحهم ، ويستبدون ولربما يطغون ، ويبررون الجريمة ، التي يرتكبون ، حفاظا على سلطة سعوا اليها ، فهي بين أيديهم ولا يريدونها أن تغادرهم ، وليس من عجب في ذلك ، فأكثر الناس تعصبا كانوا أكثر الناس استبدادا وطغيانا عبر التاريخ . ورب قائل بأن جملة العنف في الخطاب ، انما هي أداء وظيفة مدفوعة الثمن سلفا ، فالرأي العام يحتاج أيضا الى أفواه تساهم في تشكيله ، وثمة مواقف يحتاج أصحابها الى دفع ثمن في طول المنطقة وعرضها ، من أجل تكوين رأي عام مساند لها . أو لربما يكون الخطاب ، بكل العنف فيه ، بعينه الأسلوب الذي نما وتطور ، فهو مؤثر وفالح في مخاطبة أناس ، هم في غالبيتهم العظمى ، يعانون ضنك العيش ، فبكذلك أسلوب ، يتم دلق المرارة وصرفها ، باتجاه الآخرين ، ما يريح هذه النفوس المتعبة ، فيسهل الاقتراب منها ، فاستقطابها ، فقيادها فتحريكها وقت اللزوم . وربما تكون راحتها في انفعال تصرف به في الصراخ تعابير تنم على مرارتها ، لكن اتجاه الصرف للمرارة ، بالنقمة على الآخرين ، هو هذا الذي لربما يكون فيه ضلالها ، فمن الجائز أن لا يكون الآخرون هم الأعداء ، ولا هم من كانوا سببا في المعاناة ، فعساهم عاملون على رفعة البناء ، وتسهيل دروب التقدم ، والحياة الأكرم . فبكذا تهييج وترويج كلامي عنيف، يراد انتاج ضلال يجعل الأحباب والأصدقاء أعداء. كأنما يراد بتطرف يتجاوز حدود القدرة، وحدود الفعل، انتاج انغلاق فانقسام حاد في المجتمع، فانسداد كل باب تفاهم على الحدود بين الأقسام ، ما يستبعد في مستقبل الايام، وحدة صف، حول مواقف في مسائل المصير، وهو المطلوب، فلا يريد الذين لا يريدون لشعب أن يقرر مصيره بنفسه، أكثر من أن تتشقق وحدة هذا الشعب، فلا يكون في مقدوره، أن يطالب بتقرير مصيره. واذا طالب بعضه بذلك، فبعضه لا يتفق مع بعضه في المطالبة. فحق تقرير المصير يحتاج وحدة، ولا يجدها. فمشهد شعب كهذا يبعث السرور لدى الأعداء. وأمام العالم يبعث على الدهشة والرثاء. ما يكشف عن خطورة تشويه الوعي ، وتراجع العقلانية والموضوعية في الخطاب ، وبأنها مسألة ممتدة في عمق يتستر عليه من وجدوا في المصير ملاعب يلعبون عليها . وحتى الحوار كشاف عن الارجاف الذي تحدثه العقلانية، في الوعي الشائه ، فسرعان ما يتزعزع ، فليس ثمة ما يجمعه وقد يفاجأ، من وجدوا فيها فنا يتفنون به، فعساه يكون لهم جسرا الى سلطة ، بأنه ، حين يبلغوها ، العائق الذي يربكهم ، فيحارون كيف يتصرفون ، فلا هم بقادرين على تجاوز ما بذروه ، فلا يكونون هم اذا فعلوا ، وليس غير الاستنقاع في ارتباك وحيرة ، اذا هم لم يتجاوزوا ، الى مواقف حقيقية خالية من الوهم ، ومن النفخ في كلام ليس له ، من قدرة ، لها وجود ، تبدل في الواقع شيئا . فاللافعل استحال سلطة . فهذه أزمة سياسة، أو تكون سياسات تناطحت فأنتجت أزمة، فغالبا ما تغيب متغيرات أو يتم تغييبها، فيجد من يتوهم نفسه السياسي بأنه في أزمة، وفي مقابل هذا هناك السياسي الذي يرى كل المتغيرات، ويعتمد على غفلة الأول، وبحركة فاهمة ما تريد.. يصوغ له أزمة .. وفي السياسة، صناعة الأزمة مفتاح استخراج موقف، باستعمال امكانيات قوة متاحة. فحال اللافعل، كحال مقيم في زنزانة، كلما هرب من واقعه، عبر عقله، الى داخل، الى فكر وخيال، يسبح فيه، جاءت طرقات السجان على الباب، أو صاحت المعدة، بما بها من خواء، لتعيده الى واقعه. فكيف تلاقى السجان، مع جسده عليه، هو هذا الذي يذبح في وعيه، ولا يقبله. فاذا ثمة ادارة لشؤون اللافعل ، أو سلطة اللافعل ، فماذا تفعل ، وأين الخطأ في من يلح عليها أن تفعل ، فمن يقلق حيال أمعاء تصرخ ، وحصار يطوق الواقع ، ويريد له أن يتصدع ، وعلى نفسه يدمع . فمن يفك قيود شعب ، اذا هو لم يفك قيوده بنفسه ، من يطعمه اذا لم يطعم نفسه بنفسه . حتى أولئك الذين وجدوا أنفسهم ، بلا قطرة ماء ، وسط الصحراء ، اكتشفوا الماء ، وأقاموا واحات ، وكتبوا القصائد الغناء .. ألحت عليهم الحاجة ، فاستجابوا لها باكتشاف ذاتهم ، وبما بهم بدلوا حياتهم ، ولو لم يفعلوا لبادوا . فكل معرفة من يغرق بعجزه ، لا يبرر له أن يغرق ، وكل عزم لمسافر في سفينة على اغراقها ، لا يبرر لغيره ، من سكان السفينة أن يتركوه يفعل . ومن زهى بأمجاد خلت فأولى له أن يكون بفعله أمجد . ومن افترش جمال الماضي لسانه ، فأصح له أن يكون حاضره أجمل .. كيف يكون الصدق ، يقطر كل آن من لسان ، ولا تجد له فعلا يصدقه . ومن وجد ذاته في غير مكان وزمان تأهلت له ، فأو يريح الناس ، مثل ما فعل أهل الكهف ، اذ عادوا الى كهوفهم ، أو يخبط بعشوائية تؤهل المحيط به الى لفظه ، واعادته الى كهف جاء منه ، بعد شقاء يعانيه الناس منه ، أو يخرج من ذاته ، ويغدو فتحا ، ابن زمانه ومكانه .. يتجدد ، يغدو ذاتا أخرى ، فهو فتح جديد . فلا يمكن حكم شعب باللافعل ، ولا يصح تبرير اللافعل بقيود ، فالأصح والأجدى أن يكون هناك العقل والفعل اللذان بهما تندثر القيود . ومن اللاعقل أن لا ينتظر شعب ممن كان سببا في بؤسه ، أن لا يلجأ ، فيزيد – وقت الضرورة – في جمرات البؤس . ويجعله أقتل ، فصناعة بؤس كهذا لازمة أمنية له ، فلا يقال ، لماذا يفرض الحصار ، وانما يقال كيف نحول بينه وبين قدرته على فرض الحصار ..كيف يجب أن يكون الحال الذي يحول دون مقدرة أي طرف على انتاج بؤس وتصدع ، في نطاق الديار ، حتى ولوكان هناك حصار ، فالقلاع لا تسقط كلها بحصار ، ولا كل البؤس الذي ألم بالبؤساء أدى الى استرحام واستعطاف . فشعب فلسطين ، ليس برتقالة تتصدع وتسيل دموعها ، تحت وطأة قبضة من فولاذ ، فاذا حطت له صدوع ، فسرعان ما يشب ماردا ، وقد ضمد كل الجراحات . فاذا العبث الاستعماري بمصائر الشعوب مبرر، من وجهة نظر الأطماع الاستعمارية، فهو بالتأكيد لا يجد ما يبرره من وجهة نظر الشعوب. فالسيطرة في مواجهة التحرر، والمحاصرة للاضعاف والخلخلة والتفكيك، في مواجهة التساند لا التعاند. فاذا ثمة صلابة بدأت تتشكل في مواجهة الاستعمار، فهو من داخل أنظمة تابعة له، يسعى الى اختراق، حتى يصل الى التحكم عن بعد، فهذا استعمار يجيد تحريك الصواريخ والأقمار الصناعية عن بعد، بينما عرب لم يتجاوزوا تحريك شيء الا بالامساك به، بالمقود، بالرسن. وهذا ما أبقى الغفلة تأخذهم أحيانا، في قراءة حركة حوادث، تجري أمامهم، يرون ولا يفهمون، واذا أفهمتهم، يصخبون ويرجفون ولا يفهمون. فاذا وجدت جماعة ، قد اتسع انتشارها ، بما أقامته من مؤسسات خدمية ، وحملت السلاح في وجه الاستعمار ، وسألت عن منابع المال ووجدتها في جيوب غارقة في تبعيتها للاستعمار ، أو تكون جهات ذات اتجاهات وطنية ، ترى في امتدادت في نفوذها في المنطقة ،يعطيها قدرة على الحفاظ على مصالحها الوطنية . فهنا مواطىء عقل لأطراف ، ذات مصالح في انتاج مواقف تلزمها للانتفاع بها وقت الضرورة ، وتكون الجماعة هي أداة التنفيذ . وحيث أن المال الذي يتدفق في عروق الجماعة ، هو كما الدماء تجري في الجسم وتمكنه من الحركة ، فالجماعة بعينها ، فيما لو توقفت عن الطاعة لهزلت ، وبانت من تحت الجلد عظامها ، أو تموت ، فالحاح البقاء والاستمرار ، لما فيه من درر ، ييسرها ، ولو بتثاقل أحيانا الى تقديم الخدمات ، ولكي تستر دورها ، تلجأ الى طاقة تصبها في الكلام . فالتبعية تأكيد الطاعة ، بتنفيذ ما يترتب عليها من أوامر ، وهي لذلك اجتزاء جانب من الارادة الشعبية ، وتوظيفها في خدمة أطراف خارجية . واذا افترضنا، أن ما تريده أمريكا، هو ما تريده اسرائيل، وسألنا ماذا تريد، لأجابت بتاريخها، بأفعالها، بمفكريها، بجهاز الأمن فيها، وبأفصح لسان، بأنها لا تريد أن ترى وجودا أسمه شعب فلسطين. ولا تريد دولة فلسطينية في الضفة والقطاع. واذا فاهت بكلمة كهذه فهي تعني حكما ذاتيا، لا يملك من قريب أو بعيد حتى أمنه الذاتي، فالأمن كله تريده بين يديها، وعلى حكم ذاتي كهذا تكون مكرهة، فان حصل، فهذا حصاد تاريخ يجب تأمله باستمرار، ووضعه تحت المراقبة الدائمة، والبحث الدائم عن عناصر القوة الأمنية التي تجعله خاضعا، وقابلا للتفكيك. ولذلك لا بد من السيطرة على أسباب نموه، والتحكم بها. فحدود أمن اسرائيل ممتدة الى المصادر التي يمكنها أن تصب، في نمو وأمن حكم ذاتي ، أو دولة للفلسطينيين. فأين ارادة العرب، وأين ارادة الفلسطينيين، فهذه التي يراد السيطرة عليها، فهذا أمن اسرائيل . فلتكن الوحدة الشاملة، لكل الفصائل الفلسطينية، في حركة شاملة في اتجاه هدف واحد، هو اقامة دولة فلسطين . فهذه تضفي عليها الهيبة، ونوعا من القداسة لدى أبناء فلسطين . فالمشاعر تتيقظ والارادات تتأهب لواجب يوشك أن ينادي عليها. ما يبعث يقظة في الشعور واستنفار في الارادات، لدى شعوب المنطقة، ويتنبه العالم. فهذا ما توجبه مرحلة التحرر الوطني. ولكنه الايجاب الذي يشكل تهديدا ، لأمن اسرائيل ، فشأنه مثل شأن ما يبعث مخاوف ناتجة عن ظن بحدوث خلل في ميزان القوى ، ما يستدعي ضربات وقائية ( استباقية ) ، فالتأثيث بكل ما يتأتى به مواجهة ، ما توجبه مرحلة التحرير ، من قيام جبهة تحرير وطنية . وهذا بعينه استباق مرحلة ، بالتحضير لمواجهتها ، تماما مثل ما يتم التحضير لاستقبال حرب ، لربما تنشأ في زمان قادم ، على كل تصور محتمل لها ، وعلى كل الظروف التي يمكن أن تلفها . فكذلك يكون تصور قيام جبهة تحرير، فالتهيؤلا ستقبالها، بما يستبعدها، أو يفرغها من قدرتها باحالتها شكلا فضفاضا عاجزا عن بلوغ أغراضه، بمحاصرتها على كل صعيد، وذلك بحركة واسعة التنفاذ في المنطقة، وفي الساحة الفلسطينية، مستفيدة مما أبدعته أمريكا وبريطانيا سابقا، بسياسات الاحتواء والتفريخ والتنشئة لجماعات وقامات، من ذوات الكعب العالي، واللسان الطويل، في الحرص على الحق المطلق، بينما في الخفاء انكباب على فتات موائد اللئام . فثمة قدرة مكونة من عناصر عربية، بها جاهزية لقائمة أوامر تأتيها فتؤديها كخدمات للحركة الصهيونية، حتى ولو كان مؤداها كارثيا على الحركة الوطنية الفلسطينية. فاسرائيل عازمة على تشكيل عدم الاستطاعة، لشعب فلسطين، فلا يصير الى ما هو يريد أن يصير اليه. فهي تقترب من ارادته، ومن الارادة العربية، وتسعى الى تفكيكها، وتود لو تتحكم بها فتقرير مصير هذا الشعب تريده بين يديها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل