المحتوى الرئيسى

في حب مصر

03/22 01:00

عصاني قلمي وخاصمني فلم استطع أن أخط كلمة واحدة لمقالي الأسبوع الماضي‏,‏ لا أدري ما هو سبب هذا الجفاف الفكري‏,‏ أهو خطورة الأحداث أو سرعة تتابعها‏,‏ أو اني في هذه السن المتقدمة وبعد أكثر من ستين عاما من الكتابة جدبت أفكاري بعد أن استعملتها طوال هذه السنين‏.‏ وأخيرا جاء الي نجدتي افتتاحية عدد فبراير من مجلة‏EgyptToday,‏ وهي المجلة التي توليت رئاسة تحريرها منذ عام‏1891‏ حين أحلت الي المعاش‏,‏ وهي مجلة بدأ في إصدارها ويليام هاربون‏,‏ أمريكي أحب مصر والآن بعد أكثر من ثلاثين عاما تولت رئاسة تحريرها ابنته مادلين‏,‏ وهي كاتبة هذه الافتتاحية بعنوان لحظة التضامن‏,‏ وحين أنقل الي قراء مقالي ما كتبته مادلين فإني أود أن أبين مدي تأثير مصر علي غير المصريين‏,‏ وكيف أن حب مصر ليس وقفا فقط علي المصريين‏,‏ إن حب مصر الذي ينعكس في هذه الافتتاحية ليس وقفا علينا فقط بل يشاركنا فيه آخرون قرأوا عن مصر أو عاشوا وعملوا فيها‏.‏ تقول مادلين لقد عشت في هذا البلد معظم سنوات عمري كما فعل من قبل والدي ويليام هاربون‏,‏ لقد جاء إلي مصر عام‏0691‏ وعاش فيها حتي عام‏5991‏ حين وافته المنية‏,‏ كان لوالدي عاطفة عميقة لمصر وللمصريين‏,‏ لقد أحب هذا البلد واحترم شعبها وثقافتهم‏,‏ وقد ورثت من بعده هذا الحب وهذه العاطفة لهذا البلد العجيب‏,‏ لدرجة اني اخترت أن ينمو أولادي هنا‏,‏ كان أبي يعرف دائما أن هناك شيئا خاصا لهذا البلد وشعبه‏,‏ وبطريقتي الخاصة ينتابني نفس الشعور‏,‏ إنه ليس شيئا ملموسا‏,‏ انك تجده في تعبير هنا وهناك ولكنه لم يكن شيئا يمكن أن تصفه في كلمات‏,‏ ولكن الأحداث الأخيرة ساعدتني في أن أصل الي السبب الذي يجعلني أصف هذا البلد بأنه بلدي‏,‏ وهذا السبب هو التضامن‏.‏ إن الطريقة التي تضامن بها أفراد الشعب‏,‏ دون أخذ جانب دون الآخر‏,‏ كانت هي السر‏,‏ فخلال الأسبوعين الماضيين وقف الشعب معا برغم الاختلافات العجيبة بينهم‏,‏ اختلافات الدين والطبقة والجنس‏,‏ لقد وقفوا معا كأمة واحدة‏,‏ كمصريين أولا‏,‏ وكل شيء آخر يأتي في الدرجة الثانية‏,‏ لقد شاهدت خلال الأسبوعين بعض الصور العجيبة والتي ستبقي دائما معي‏,‏ صور المصريين وقد أقاموا معا كردونا لمنع المشاغبين من سرقة المتحف المصري ومكتبة الاسكندرية‏,‏ وذلك لحماية تاريخنا‏(‏ سعدت أن الكاتبة قالت تاريخنا وليس تاريخهم‏),‏ وشاهدت المصريين يقدمون الطعام والشراب والمساعدات الطبية للمحتجين حتي وإن لم يكونوا معنيين تماما بهدفهم‏,‏ رأيت المسيحيين والمسلمين يحمون بعضهم البعض في أثناء تأدية صلواتهم المختلفة‏,‏ ولكن الصورة التي كانت رمز ذلك التضامن هي صورة لا نشاهدها في الأخبار‏,‏ وهي معاملة المصريين لبعضهم البعض باحترام وذلك بعدم تخزين البضائع في السوبر ماركت أو عند محطات البنزين‏,‏ فعادة في مثل هذه الظروف لا يفكر الناس إلا في أنفسهم أولا ويأتي الآخرون بعد ذلك ـ فهم يخزنون البضائع ويرفعون الأسعار وينسون ما يجعلنا آدميين‏,‏ وفي أثناء الاحتجاجات كانت الجوامع والكنائس والمعابد اليهودية دون أية حراسة برغم أنها عادة بها حراسة قوية‏,‏ فلم يكن هناك من يهمه تحطيم دور العبادة هذه‏,‏ بل العكس لقد أراد الجميع أن يسيروا معا ويقفوا كأمة واحدة‏.‏ ولكن فوق كل هذا فإن اللحظة التي عكست ذلك التضامن ورأيتها بنفسي في مكان سكني وجيراني‏,‏ كان الكل يحاول مساعدة الآخر دون أن ينسي أحد‏,‏ لقد وقف الرجال من كل مبني في منطقتنا ومن مناطق أخري في عز البرد ليلا ونهارا في حراسات طول الليل لكي يحموا ليس فقط منازلهم وعائلاتهم بل أيضا منازل وعائلات الغرباء‏,‏ كنت أسمعهم يتحادثون ويناقشون السياسة وأيضا للإنصات الي بعضهم البعض‏,‏ لقد خلقت روابط انسانية قوية‏.‏ إني لا أري شعبا من أي بلد آخر‏,‏ مهما بلغ من التحضر والحداثة يفعل نفس الشيء‏,‏ فحين تتحدث البلاد فإن شعوبها تصبح أكثر فردية ويفقدون النسيج الأساسي للتضامن‏,‏ ولكن المصريين بعكس ذلك استطاعوا أن يجدوا طريقة تؤكد في نفس الوقت الحداثة دون أن يتأثر ذلك التضامن‏,‏ ولا أعتقد أن هذا سيتغير‏.‏ إني أعرف ان أبي لو عاش الي هذه اللحظة فسيكون لديه ما يقول‏,‏ أعرف أنه كان سيشعر بالعجز بهذه الفترة‏,‏ كما أشعر أنه كان سينظر عبر الأحداث ويركز علي الشعب‏,‏ حقا لقد علم المصريون العالم بعض الدروس القيمة حول طريقة التعامل مع بعض أحداث الأسبوعين الماضيين‏,‏ وأرجو ألا ينسي العالم هذه الدروس لأنها دروس خاصة ومفردة في عالم ينقصه التضامن‏.‏ اني محظوظة بأن أعيش هنا‏,‏ محظوظة بأن أربي أولادي هنا‏,‏ وأرجو أن استطيع أن أغرس فيهم ما أعتقد أنه القيمة الأساسية في الأمة وهي التضامن‏.‏ تحية من القلب الي مادلين والي ذكري والدها العظيم ويليام هاربون‏.‏ عيد المرأة العالمي هذا العيد له عندي قيمة خاصة‏,‏ إذ اني تربيت في بيت ليس به الحب والاحترام للمرأة فقط‏,‏ بل كان للمرأة فيه دور مهم في حياتنا‏,‏ كانت أمي عضوة في اتحاد سيدات الوفد‏,‏ وأذكر حين كنت طفلا أنها كانت تصحبني معها لزيارة قبر الزعيم سعد زغلول وتقديم العزاء للسيدة الفاضلة صفية هانم زوجته‏,‏ وكانت أمي تجلس بجوار أم المصريين‏,‏ كما كانت تحب صفية هانم وكنت أجلس عند قدميها وأذكر أنها كانت تداعب شعري بكل عطف وحنان‏,‏ ذكريات منحوتة في ذهني أذكرها تماما برغم مرور عشرات السنوات‏.‏ كنت أعتز بأمي وأشعر بالفخر من أنها تنتمي الي الجيل الأول من السيدات المتعلمات وللدور السياسي والاجتماعي الذي كانت تقوم به مع رائدة الحركة النسائية السيدة هدي شعراوي‏,‏ كنت من صغري أتابع حركة تحرير المرأة‏,‏ وكنت أشعر بسعادة بالغة لكل مكسب تحققه‏,‏ كنت أشعر بسعادة طاغية وأنا في الجامعة حين كنت أحضر محاضرات الدكتورة سهير القلماوي عن الأدب العربي أو أتابع دروس اللغة اللاتينية التي كانت تقوم بها أستاذة لا أذكر اسمها الآن وعرفت أنها أول سيدة تعين أستاذا في اللغة اللاتينية بالذات‏.‏ وبسبب اهتمامي بأمور المرأة فإني أتابع كل ما ينشر في الصحافة العالمية عما حققته حتي الآن‏,‏ وما حققته كان عظيما‏,‏ هناك الآن رؤساء جمهورية ورؤساء وزارات من السيدات ومئات من الوزيرات ليس فقط في الدول المتقدمة بل وفي الدول النامية أيضا سواء في إفريقيا أو آسيا‏,‏ لقد شغلت المرأة كل الوظائف تقريبا ولكن هناك جانبا لم تحققه بعد‏.‏ وهو الجانب الاقتصادي‏,‏ وكما ذكرت بعض الجرائد الأوروبية برغم تحقيق المرأة لذلك النجاح إلا أنه حتي الآن لا توجد سيدة ترأس مجلس إدارة شركة من الشركات الكبري أو أحد البنوك‏,‏ والغريب حقا هو أنه في الفنادق الكبري تجد أن المسئول عن الطهي أو‏chef‏ رجل برغم أن المرأة هي سيدة المطبخ في بيتها‏.‏ يا حبيبتي يا مصر كانت تلك الأغنية بمثابة النشيد القومي لمصر في أثناء ثورة الشباب الأخيرة‏,‏ كانت تدوي في جميع أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة‏,‏ والأغنية من كلمات وتلحين أخي بليغ حمدي‏,‏ كنت أشعر وأنا أنصت إليها أنها تعكس حضارة حب مصر‏,‏ كل كلمة وكل مقطع وكل نغمة تقطر شعورا مصريا خالصا‏,‏ لقد أثبتت هذه الأغنية الدور الكبير الذي تلعبه الأغاني في الثورات‏,‏ وذكرتني بالأغاني والأشعار التي ظهرت في أثناء الحرب العالمية الثانية والتي كان يتغني بها الجنود سواء الذين غزوا أو الذين دافعوا‏.‏ إني أريد أن أري تلاميذ المدارس يتغنون بهذه الأغنية كما كنا نبدأ يومنا في المدرسة بنشيد‏:‏ اسلمي يا مصر إنني الفدا ذي يدي إن مدت الدنيا يدا‏..‏ إن الأغاني الوطنية مهمة في حياتنا‏,‏ وأغنية وطنية واحدة تفي بدور عدد من المحاضرات التي تدخل من أذن لتخرج من الأذن الأخري‏,‏ دعونا نغني لمصر ومن أجل مصر‏,‏ وكما تقول أغنية أم كلثوم المشهورة‏:‏ المغني حياة الروح يسمعها العليل تشفيه وتداوي كبد مجروح احتاروا الأطبا فيه‏.‏ المزيد من مقالات مرسى سعد الدين

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل