المحتوى الرئيسى

الحراك الشعبي العربي بين الانطلاق والاحتواء: بقلم د. خالد محمد صافي

03/21 22:35

الحراك الشعبي العربي بين الانطلاق والاحتواء: بقلم د. خالد محمد صافي يبدو أن الحراك التي تشهده الساحات العربية من المحيط إلى الخليج يشهد مرحلة خطرة ربما تحرفه عن مساره الصحيح. فنحن ندرك تماماً أن الأنظمة العربية القائمة قد استنزفت المقدرات العربية البشرية والمادية لأكثر من نصف قرن، وأن الأنظمة القائمة قد جاءت إلى الحكم عبر انقلابات عسكرية رفعت شعارات رنانة سرعان ما تبخرت على أرض الواقع. وظهر جلياً أن هذه الأنظمة لم تكن سوى امتداد الهيمنة والنفوذ الأجنبي. وقد حكمت هذه الأنظمة شعوبها بالحديد والنار، ومنعت النشاط الحزبي، وقضت على إمكانية قيام مجتمع مدني سليم، يؤسس لتجربة ديموقراطية سليمة. وصادرت هذه الأنظمة حريات شعوبها خوفاً من تفسخ الجبهة الداخلية أمام إسرائيل. ومع ذلك فإن هذه الأنظمة قد فشلت سياسياً وعسكرياً، ولم تحقق أي انتصارات لا سياسية ولا عسكرية ولا حتى إعلامية أم الكيان الصهيوني، بل هي من هرولت لإقامة اتفاقيات ومعاهدات، وتطبيع رسمي بينما الشعوب التي قهرت تحت ذريعة مقاومة الكيان قد صمدت أمام التطبيع الشعبي مع الكيان الصهيوني المغتصب. ولذلك جاء هذه الحراك الجماهيري ليعيد الأمل إلى الشارع العربي، وليبرز بشكل جلي أن الشعوب لا تموت، وأنه قد يطالها النعاس حيناً والنوم حيناً أخراً لكن لابد من فجر جديد. وقد نجحت الشعوب في هبتها وفي إزالة رأس الهرم ولكن لكي تنجح أي ثورة لابد تحقيق هدفين: إكمال مرحلة الهدم أي تقويض النظام القائم بأحزابه ومؤسساته وأركانه لأن من شأن عدم تحقيق ذلك الإبقاء على جيوب النظام السابق، وإعطائها الفرصة ربما للنهوض من جديد للالتفاف على الثورة وربما حرفها عن مسارها وإجهاضها. أما المرحلة الأصعب فهي معركة البناء. ففي اعتقادنا أن معركة البناء أصعب من معركة الهدم لأن ذلك يتطلب وعياً كاملاً وحقيقاً بالتغيير، وبأهدافه، واستراتيجيته، وأدواته، ووسائله، وشخوصه. ولذلك لابد من يقظة مستمرة لتحقيق أهداف الثورة وعدم الالتفاف عليها. وهذا بالتأكيد يتطلب طليعة قيادية واعية ومخلصة تستطيع قيادة الجماهير والتأثير عليها، والبقاء قريبة منها خوفاً من أي انتكاسة للثورة. وهنا يمكن القول أن المنطقة العربية قد تشهد ميلاد مرحلة نهضوية تخرج العالم العربي من الحلقة المفرغة لدعوات الإصلاح على مدار أكثر من قرنين. وأن تكون حركة النهضة مبنية على أسس سليمة باعتبارها تستمد شرعيتها من الجماهير، وأن تتبلور نخبة تقود عملية التغيير. هذا التغيير الذي يجب أن ينطق من واقع الأمة، ومن روح العصر الذي تعيشه. فلا يجوز أن تقود الثورة أو الثورات جماعات سلفية ربما تنقلنا من عصرنا إلى عصور سحيقة تحت شعار العودة إلى سيرة السلف الصالح. فالإنسان الصالح في رأينا هو من يجيب على تحديات عصرهم. فصحابتنا كانوا عظام في عصرهم لأنهم فهموا عصرهم وواجهوا تحديات. ولذلك يمكن أن نستلهم من تجربتهم ولكن حذارى من الوقوع في عملية الاستنساخ لأن الزمان مختلف والمشاكل والتحديات مختلفة. ولذلك يجب علينا ألا نقع فريسة لشعارات لا تجد طريقها لأرض الواقع كونها تنطلق من منهج النقل لا العقل. ولذلك هناك خشية أن تقطف الحركات الإسلامية هذا الحراك الدائر تحت شعارات زائفة. ولاسيما وأنها تحسن فن الاتصال مع الغير لوضع نفسها في خدمته باعتبارها البديل القوي القائم. كما يجب عدم إقامة أنظمة جديدة تهدف إلى استنساخ تجارب الغرب. فالبيئة العربية لها خصوصيتها الثقافية والمجتمعية. لأن نقل تجارب الآخرين واستنساخها تعني عملية نقل قسرية للمكان. فنكون هنا قد وقعنا في خطأ كبير على غرار عملية نقل الزمان التي تم الإشارة إليها أنفاً. ومن هنا فلا بد لكي ينجح هذا الحراك وأن يشكل تجربة نهضوية جديدة أن ينطلق من فهم الواقع وإشكالاته. وأن يشكل حالة استجابة لتحديات. وأن تشكل الفترة الماضية درساً نتعلم منه حين استكانت الشعوب وتركت القادة يسرحون ويمرحون ويبذرون مقدرات بلادهم. واكتفى الشعب بالهتاف حيناً والبكاء والنواح حيناً. فالتحديات كبيرة وحل المشاكل القائمة لن تكون بعصٍ سحرية أم مصباح علي الدين. فهناك تحديات داخلية وخارجية يجب مواجهتها. وأن الأماني شيء ومعالجة الواقع ضمن أسس علمية ومنهجية سليمة شيء أخر. وهناك فرق كبير بين الرغبات والقدرات. حيث يجب معرفة هذه القدرات جيداً ومعرفة كيف توظف في عملية التغيير. وهنا يمكن أن تشكل التحديات عملية استفزازية مستمرة لمواجهتها والتغلب عليها. كما يجب أن ندرك جيداً أن هذه الثورات ولكي تكون ثورات وطنية وقومية تخدم الشعوب التي قامت بها يجب أن تحذر من حرف هذه الثورات. وعدم السماح بالتدخل الأجنبي لأن التدخل الأجنبي له أهدافه وأطماعه. وقد يغلف مصالحه وأهدافه كما علمنا التاريخ بأغلفة وشعارات إنسانية. وهذا ما يدفعنا للشعور بالخشية على التجربة الثورة الليبية، فمع إدراكنا بثقل وطأة النظام الليبي على شعبه لأكثر من أربعين عاماً، وتوظيف مقدرات البلاد في مغامرات عديدة، وفي تحويل ليبيا ببترولها وأرضها وشعبها لخدمة القذافي وعائلته، ونجاحه في جر شعبه إلى حمل السلاح الذي يمتلك منه الكثير، فإنه لا يمكن القبول بتدخل أجنبي حتى لو تم ذلك في إطار حماية المدنيين، وتحت شعارات إنسانية لا تصمد أمام حقائق الواقع التي تقول أن المستهدف هنا هو النفط الليبي. كما أن قدوم التدخل الأجنبي تحت غطاء جامعة الدول العربية يبرز إلى درجة كبيرة وهن الجامعة العربية والنظام الرسمي العربي، وعجزها عن مواجهة المشكلات العربية وحلها في إطار عربي بدل ترك الساحة للتدخل الأجنبي بأطماعه التي لا تخفى على أحد. ولذلك هناك خشية أن يتم حرف الحراك الشعبي العربي عن مساره، والابتعاد به عن منابعه الأصلية الحميدة والمجيدة باتجاه خدمة النفوذ الأجنبي في المنطقة ولكن كما يقال بـ "نيولوك جديد". ولذلك على قيادة الثورة الليبية ممثلة بالمجلس الانتقالي ألا تستسهل النصر والاعتراف من خلال التدخل الأجنبي، بل من خلال الصمود والتضحية، والتحلي بإرادة الشعب لأن إرادة الشعب هي الكفيلة بتنحية النظام وكنسه إلى مزابل التاريخ دون الحاجة لفتح البلاد أمام أجندات أجنبية لا تهدف إلا إلى تحقيق مصالحها واستمرار هيمنتها على المنطقة. فلذلك على الجماهير العربية أن تكون يقظة وساهرة على انجازاتها، وألا تسمح بحرفها عن مسارها. فانطلاق السباق ليس هو النصر وإنما الصمود حتى النهاية وتحقيق الفوز هو النصر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل